حكومة تستقيل من مهامها لا لزوم لها

صباح علي الشاهر

 

تذكر المساعي من أجل إحياء أو إنجاز طريق الحرير، وإستحضر جدل القناة الجافة التي تربط ميناء الفاو الكبير بأوروبا، ومن دون أن تغفل الإكتشافات المبهرة لحقول الغاز في المياه الأقليمية السورية التي يقال أنها ستجعل سوريا ثالث بلد منتج للغاز في العالم ، وأربط كل هذا بالصراع الجاري في المنطقة منذ أكثر من خمس سنوات، والتدافع الحاصل بين القوى العظمى، وتركيا وإيران والسعودية ودول الخليج ذات المصلحة، والسباق الجاري الآن على الساحة السورية فيما يتعلق بالهيمنة على الرقة ودير الزور ، وفي العراق فيما يتعلق بالهيمنة على الأراضي الممتدة من شرق دجله حتى الحدود العراقية السورية الأردنية ، وعندها ستضع تصريحات السيد رئيس الوزراء العراقي حول خصخصة الطريق الرابط بين الفاو والحدود السورية الإردنية في موقعه الصحيح .

في البدء علينا أن نفهم مالذي يقصده السيد الرئيس بخصخصة الطريق، فهل يعني الطريق الدولي الحالي، وهو طريق منجز قد يحتاج إلى بعض اللمسات والتحسينات والترميمات، ولا يوجد أي تبرير إقتصادي لخصخصته ، أم أنه يتحدث عن طريق آخر ، هو ذاك الذي تحدث عنه السيد وزير النقل ( سته ذهاب وسته أياب، ونفق عابر للتقاطعات )، إذا كان السيد الرئيس يقصد المعنى الثاني فإننا سنكون بإزاء ما سمي بـ( القناة الجافة)، بعد تحويلها من خط سكك حديد إلى طريق بري، وإذا كان هذا الطريق ليس طريقاً بديلاً عن خط السكك الحديد فإنه عندئذ يندرج في باب العبث الاقتصادي. علماً أنه لا قيمة للقناة الجافة ، سواء كانت سكك حديد أم طريق بري ، من دون ميناء الفاو الكبير ، أو على الأقل ستكون قيمتها موازية لقيمة الطريق الدولي الحالي .

وحيث أن السيد الرئيس يعلن صراحة عن عجزه عن تمويل هذا الطريق ، فمن باب أولى أنه سيعلن عجزه أيضاً عن تمويل الميناء الكبير، وسيحيله حتما إلى الخصخصة، بنفس الحجة، وهي العجز عن التمويل ، وقد أضاف السيد الرئيس حجة أخرى ألا وهي العجز عن حماية الطريق، علماً أن الطريق المقترح يمتد من جنوب البلاد حتى شمال غربها، وهذا يعني عجز السيد الرئيس عن توفير الحماية لأكثر من أربعة أخماس مساحة العراق، وهذه قضية لم تجرأ أي حكومة على الجهر بها، يقول السيد الرئيس أنه غير قادر على وضع أكثر من أربعة فرق لحماية الطريق، ولا ندري كيف غير قادر؟!، ولماذا تضع جنوداً لحماية الطريق في مناطق آمنه ؟، وحتى لو إقتضى الأمر وضع هذا العدد فثمة  بطالة ضاربة أطنابها في العراق، وتشغيل هذا العدد من العاطلين سيصب في خانة الاستقرار، ولا تتحدثوا عن الجدوى الاقتصادية، ففي الأزمات الخانقة سيكون البحث عن السلم الإجتماعي أهم من كل شيء، يقال أن هتلر عندما واجه البطالة المتفشيه في ألمانيا كان يشغل البعض في حفر جداول في النهار، ثم يوظف آخرين ليلاً لردم هذه االحفر.

ما الجدوى؟ الجدوى أن المواطن الألماني الذي كان يشكو من البطالة والعطالة، وجد عملا، واصبح قادراً في نهاية يوم العمل على الأتيان بقوت عياله، وعلى علماء النفس والإجتماع أحصاء فوائد هذا ومردوده على المجتمع .

ويقول السيد الرئيس في توصيف عمل الشركات الأمريكية التي ستتكفل بإستثمار الطريق أنها ستحمي الطريق على طول إمتداده، وبعرض خمس كيلومترات من كل جانب، أي عشر كيلومترات، علماً بأن الطريق سيمر بمدن أو بمحاذات مدن ، وربما ستكون هذه المدن ضمن نطاق حماية الشركات، علماً بأن الشركات إن وجدت تهديداً فأنها ستواجه مصدر التهديد ، ولن تتوقف عن مهماجمته وفق قاعدة درء الخطر قبل وقوعه، أيكون هذه هو الإحتلال ، ولكن بمسمى الإستثمار والخصخصة ،  ثم من ذا بمقدوره محاسبة هذه الشركات إن وجدت أن من الضروري الأتيان بإجهزة للرصد من الجو ، أواكس مثلاً ، أو نصب أجهزة رصد وإستشعار عن بعد تغطي كامل ما يمكن أن يشكل خطراً على الطريق ، ياله من مسمار أمريكي أين منه مسمار جحا المضحك!

وستقوم الشركات الأمريكية بإستثمار جوانب الطريق، بتشييد محطات وقود، وإستراحات، وفنادق إلخ.. أي أنها ستحتكر ما مساحته مساحة بعض الدول، من دون أن يكون من حق أبناء المنطقة العمل بمشاريعهم الخاصة بهم على أرضهم، ولن يكون أمامهم سوى العمل كأجراء تحت رحمة الغريب .

الطريق الذي ينوي السيد الرئيس منحه للشركات الأمريكية، هو صورة مطابقة تماماً لقناة بناما، التي تجري في أراضي دولة إسمها بناما، ولكن السيطرة فيها والتحكم لدولة مستثمرة إسمها أمريكا .

أول مرة أتعرف فيها على نظام إستثمار الطرق والجسور كانت عام 1963 ، عندما كنت هارباً من العراق بعد إنقلاب شباط ،  قبل أن ندخل مدينة المحمرة ( خرمشهر) توقف سائق السيارة ليقطع تذكرة عبور الجسر الذي كان جسراً عملاقاً ورائعاً ، كان الرجل الذي يقطع التذكرة (إيراني) ، ولا توجد أي سيطرة غير سيطرة القوات الشاهنشاهية ، وكانت الشركة المستثمرة غربية، تستثمر الجسر العملاق لفترة من الزمن، ثم تسترد فيما بعد ما أنفقته في تشييد الجسر مع الفوائد التي تراها مناسبة ، ثم يعود الجسر فيما بعد لملكية وإدارة وإستثمار الدولة، مثل هكذا إستثمار لا يمكن أن يقف أحد ضده ، خصوصاً عندما تكون الدولة عاجزة عن إنجاز مثل هكذا مشاريع ، ولكن أن تمتلك الشركة حق السيادة ، والحماية ، وأن تجبر الحكومة على الإستقالة من مهمامها التي وجدت من أجلها ، وهي السيادة الكاملة على تراب الوطن ، وحماية أبناء الشعب فأمر آخر ، لا يندرج ضمن أي مفهوم للتنمية ، وإنما هو إستعمار صريح تحت يافطة الإستثمار .