ولاية الفقيه والخلافة والضائع بينهما

صباح علي الشاهر

 

الخليفة ، رجل تعطى له مهمة قياة المجتمع والأوطان ، وتحديد ما ينبغي لهم فعله ، وما يجب عليهم تركه ، على أن يحكم وفق الشريعة الإسلامية ، وهو في نهاية المطاف " ظل الله في الأرض " طاعته ملزمة وواجبة شرعاً، وهو خليفة رسول الله، وتجمع المدراس السنية على أن تنصيب خليفة للمسلمين واجب شرعي ، وأن أوامره ونواهيه قوانين ملزمة ، وهو مصدر كل السلطات ، بما فيها السلطة القضائية ، والولي الفقيه هو كذلك في المحصلة ، فهو من يحدد السياسات العامة للدولة ، وهو القائد العام للقوات المسلحة ، ينصب ويعزل من يشاء ، ووقتما يشاء، ومن صلاحياته عزل رئيس الجمهورية ، وهو يُعيّن كما الخليفة و الملك مدى الحياة ، لكنه يختلف عن الخليفة بكونه وكيل الإمام المهدي، الذي هو إمام آخر الزمان، والإختلاف هنا مجرد إختلاف فقهي ليس إلا ، إذ النتيجة واحدة ، والهدف واحد ، فالولي الفقيه يحكم بالشريعة الإسلامية أيضاً ، ولكن وفق الفقه الجعفري الإثنى عشري، وكل الخلفاء والسلاطين السابقين حكموا باسم الشريعة، ووفق فقه معين، إسماعيلي ، أو زيدي ، شافعي، أو حنبلي ، مالكي ، أو حنفي ، أو علوي ، أو جعفري ، أو فقه متصوف أو مجموعة متصوفين، وكلهم إستندوا في الحكم على مرجعية دينية كانت تزكيهم وتبرر إجراءاتهم ، وتسوغها ، وتمنحها الشرعية اللازمة.

من يمنح هذه السلطة للخليفة ، هم في العهد الراشدي "أهل الحل والعقد"، وهم عدد محدود جداً من الصحابه ، عددهم ستة أثناء تولية عثمان بن عفان ، وهم في الجمهورية الإيرانية الإسلامية " مجلس خبراء القيادة " المتشكل عبر الإنتخاب المباشر لفترة محدده أمدها دوره واحدة مدتها ثماني سنوات وعددهم 86 عضوا .

وأهل "الحل والعقد" ، يختارون الخليفة من بينهم ، لأنهم هم عصارة وخلاصة الأفضل من بين الناس ، ولا يختارون الخليفة من خارج أهل الحل والعقد، وقد تغير الأمر فيما بعد ، بعد أن أصبحت الخلافة بالوراثة ، أو الغلبة ، حيث يجبر الناس بعدئذ على البيعة ، وقد تم فيما بعد الإستغناء عن البيعة ، فما الحاجة لها إذا اصبح الحكم بالغلبة ، ووجد فقهاء يبررون حكم من لا أهلية له بالحكم ، دينياً وأخلاقياً ، بذريعة الغلبة ، والخشية من الفوضى والخراب .

و"مجلس خبراء النظام" يختار " الولي الفقيه " ممن هم ليس بالضروره من داخله، وهو موجود لمهمة محددة هي إختيار الولي الفقيه أو عزله.

" مجلس خبراء القيادة" هو تطوير أو تنويع لـ" أهل الحل والعقد"، و" الولي الفقيه" ليس سوى" الخليفة" ولكن في القرن العشرين و الحادي والعشرين ، ونظام ولاية الفقيه أبدل الشورى والبيعة  بالإنتخابات العامة المأخوذة من الديمقراطيات الغربية ، حيث تجري انتخابات البرلمان ورئيس الجمهورية عبر الانتخابات المباشرة ، وحتى الولي الفقيه ينتخب كما أسلفنا، ويمكن القول أن الولي الفقيه يصبح بعد إنتخابه كالملك في الحكومات الملكية التي تعود كل الصلاحيات فيها للملك . 

عندما يقف السلفي ضد " ولاية الفقيه" فموقفه لا علاقة له بالإسلام ، إنما هو (موقف طائفي) يدعي الحرص على الإسلام ، وعندما يقف الشيعي ضد " الخليفة " أو الخلافة " فموقفه لا علاقة له بالإسلام إنما هو (موقف طائفي)  يدعي الحرص على الإسلام أيضاً ، وكلا الموقفين الطائفيين لا علاقة لهما بالإسلام .

الذين يقفون ضد الإستبداد، وإستثمار الدين في السياسة، يعارضون بداهة " ولاية الفقيه"، كما يعارضون بنفس القدر "الخليفة "، لأن أمر إدارة شؤون الناس موكول للناس أنفسهم، وهم وحدهم من يحق لهم إختيار من يقودهم أو يقودونهم ، وهم وحدهم من يحق لهم عزل من لا يرون في وجوده مصلحة لهم .  أما من يقف ضد " ولاية الفقيه" ويتناسى ذكر " الخليفة " والذي يقف ضد " الخليفة" ويتناسى ذكر "ولاية الفقيه" فهو مخادع يحاول تمرير أجندات لا علاقة لهما بالموضوع ، أو جاهل يهرف بما لا يعرف. 

يمكن القول أن العلمانيين الحقيقين ، لا الذين يتخفون تحت أقنعه ، كقناع المدنية ، أو الليبرالية ، هم حصراً، الذين يفصلون بين الحكم والدين، ولا يخشون الجهر بضرورة فصل الدين عن السياسة، والعلماني لا يمكن أن يعارض " ولاية الفقيه" ، ويقبل بـ " الخليفة " أو حكم الملك المستند على الدين، أو الرئيس الذي يرى أنه مكلف بتطبيق شرع الله بين الناس، ولا نعرف من كلفه بهذا.

 مثل العلمانيين المتخفين ، أو الذين يخافون من علمانيتهم أو يخشون الجهر بها ، كمثل الطائفي ، سنياً كان أم شيعياً، وهو يتخفى برداء الدين ، في حين أنه قلباً وقالباً طائفي حتى النخاع ، وهما كليهما لم يفهما حقيقة  العلمانية  أو الإسلام ، فتوسلا بما ليس لهما فيه علم ولا دراية .