حول الوضع الفلسطيني

منير شفيق

 

يتسم الوضع الفلسطيني، في هذه المرحلة، بثلاثة تحديّات كبرى وهي:

أولاً: إعادة تحريك المفاوضات بهدف التوصل إلى "صفقة تاريخية" فلسطينية-عربية مع الكيان الصهيوني بإشراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وهو ما يمكن أن يدخل تحت عنوان "مشروع ترامب لتصفية القضية القلسطينية".

بعد أن كان ترامب قد وعد في حملته الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، أجّل الموضوع مؤقتاً إثر انتخابه رئيساً، وبعد أن امتنع عن الرد على تهنئة الرئيس الفلسطيني محمود عباس له بفوزه بالرئاسة، عاد فاتصل به فجأة وأبلغه بأنه يُعِدّ مشروعاً للتسوية وسيكون لمحمود عباس دور رئيس به.

جاء هذا الاتصال بمثابة إنقاذ لمحمود عباس من عزلة أمريكية عربية عانى منها قبل تلك المكالمة. وقد اتسمت علاقاته بأمريكا في عهد أوباما بالإهمال، وبعدم السعي لتحريك التسوية التي دخلت في مأزق خانق، وأدخلت عباس في مزيد من الفشل لاستراتيجيته القائمة على المفاوضات والوصول من خلالها إلى "حل الدولتين".

صحب ذلك تشكيل اللجنة العربية الرباعية المؤلفة من مصر والسعودية والأردن والإمارات. وقد طالبته بإعادة محمد دحلان إلى القيادة في فتح. الأمر الذي زاد من عزلة محمود عباس الذي رفض هذا الطلب رفضاً قاطعاً.

لقد تبعت مكالمة ترامب لمحمود عباس عودة العلاقات الإيجابية بينه وبين الرباعية المذكورة، ولا سيما بينه وبين مصر والأردن. وكان ذلك نتيجة التدخل الأمريكي الذي راح يسعى لتشكيل مؤتمر عربي- فلسطيني- أمريكي- صهيوني لتغطية مشروع التسوية.

وبهذا أصبح الوضع الفلسطيني الآن يواجه تحدي "مشروع ترامب لتصفية القضية الفلسطينية". وقد أصبح هذا المشروع فوق نار حامية تمثلت بما يعده ترامب من لقاءات قمة مع الرئيس المصري، والملك الأردني، ومع محمود عباس، كما لقاؤه مع ولي ولي العهد السعودي. وسوف ينتقل هذا المشروع إلى مستوى أكثر جدية نتيجة زيارة ترامب القادمة للسعودية وما سيعقده من قمم سعودية وخليجية وعربية. طبعاً تستهدف هذه الزيارة فضلاً عن ذلك حشداً ضد إيران وضد المقاومتين في لبنان وغزة والإنتفاضة الثالثة وإضراب الأسرى.

من هنا فإن الوضع الفلسطيني سيواجه تحدياً كبيراً وقاسياً قي قابل الأيام مما سيفرض إعداداً شعبياً فلسطينياً وعربياً وإسلامياً لمواجهته.

ثانياً- الانتفاضة الثالثة انتفاضة القدس والضفة الغربية: 

منذ 1/10/2015، أي منذ ثمانية عشر شهراً تقريباً، والانتفاضة مستمرة فعلى من يتابع أخبارها ألاّ يقتصر في تقويمها على ما ينقله الإعلام من عمليات طعن بالسكاكين أو دهس أو عمليات/إعدام في الشوارع على الشبهة، أو عن قصد، فحسب وإنما أيضاً، متابعة عشرات الإشتباكات، يومياً، بالحجارة أو الأكواع وعشرات عمليات الاعتقال، والمداهمة، ثم لا بد من متابعة ردود فعل أمهات الشهداء وآبائهم وذويهم وكلها مليئة بعبارات الاعتزاز والفخر إلى جانب الحشود الهائلة وراء جثمان اي شهيد، أو شهيدة، يفرج عنه من "الاعتقال" بالثلاجات. الأمر الذي يشير بمجموعه إلى أن القدس والضفة الغربية تعيشان حالة انتفاضة حقيقية لا يمكن إنكارها أو تجاهلها.

ولعل من خصوصيات هذه الانتفاضة ما تتسم به عملياتها المشار إليها بالفردية العفوية، بغالبيتها الغالبة إن لم يكن بمجموعها. مما يسمح بالقول أن ثمة وضعية ثورية شبابية تسود الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة. كما أن ملاحظة ردود فعل الأمهات والآباء وذوي الشهداء عند السماع باستشهادهم أو استقبال جثامينهم، وكذلك ملاحظة الحشود التي تشارك في الجنائز، تؤكدان بوجود وضعية ثورية شعبية تسود القدس والضفة الغربية بالرغم من كل المظاهر التي يعبّر عنها بعض المتخاذلين أو أسارى الرواتب أو المثبطين.

هذه الوضعية الثورية تسمح بتوقع إمكان انفجار شعبي واسع يطوّر الانتفاضة إلى مستوى الانتفاضة الشعبية الشاملة والعصيان المدني. وذلك لتجاوز العائق الذي يشكله التنسيق الأمني وموقف السلطة ومحمود عباس في مناهضة الانتفاضة والتنسيق مع الاحتلال، في الاعتقالات والاغتيالات، وحتى تفتيش حقائب طلبة المدارس بحثاً عن سكاكين ومطاردة من يشتبه به في احتمال القيام بعملية فردية.

أما من جهة ثانية، فقد جاء إضراب الأسرى ليصب الزيت على نار الانتفاضة. ولكن هنا مرّة أخرى تدخلت الأجهزة الأمنية لحصر التحركات الداعمة لإضراب الأسرى في حدود معينة من حيث الأمكنة، وأشكال التعبير عن التضامن. ووصل الأمر إلى ملاحقة كل من يقترب من حواجز الاحتلال بالضرب والاعتقال لساعات مع التهديد. فالسلطة والأمن في الضفة الغربية يلعبان دوراً سلبياً من تحوّل دعم الأسرى في الضفة الغربية والقدس إلى اشتباكات مع الاحتلال والتحوّل إلى العصيان المدني الذي قد يصل إلى الدعوة لدحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات وإطلاق كل الأسرى (وليس تحقيق مطالبهم فقط) فضلاً عن فك الحصار عن قطاع غزة.

وهذه الأهداف، إذا ما تطورت الانتفاضة ودُعِم إضراب الأسرى، إلى العصيان المدني السلمي مع أشكال المقاومة الشبابية فسوف تصبح قابلة للتحقيق وبلا قيد أو شرط، ولا سيما إذا ما أدى حراك العصيان المدني إلى تحريك الشوارع العربية والإسلامية والرأي العام العالمي.

ثالثاً: قطاع غزة والمقاومة والحصار: يشكل الوضع في قطاع غزة والمقاومة المسلحة والحصار التحدي الثالث الكبير إلى جانب كل من مشروع ترامب لتصفية القضية الفلسطينية، ومن الانتفاضة وإضراب الأسرى.

على الرغم من الانتصار العسكري الثالث الكبير الذي سطرته المقاومة المسلحة في حرب 2014 على قطاع غزة استمر حصار القطاع من جانب الكيان الصهيوني كما من الجانب المصري بل اشتد عما كان عليه من قبل.

ولكن في المقابل استمرت كتائب عز الدين القسام في التوسع بحفر الأنفاق والإعداد العسكري وتطوير القدرات الصاروخية، وكذلك استمرت قوات سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد بتطوير قدراتها التسليحية والقتالية.

هذا وصمدت جماهير القطاع طوال السنوات الثلاث الماضية صموداً أسطورياً في تحمل الحصار، ومنع الإعمار، واحتمال نتائج حرب 2014 وما عرفه القطاع من دمار للمساكن وتشريد الآلاف فضلاً عن الجرحى.

وبهذا تكون المقاومة في قطاع غزة قد سجّلت ملحمة تاريخية في القتال والصمود والمثابرة بل الإعداد العسكري إلى جانب الصمود الشعبي البطولي. مما أحدث قدراً من موازين الرعب مع العدو الصهيوني أو، في الأصح، مما جعل قطاع غزة يمتنع عن الاحتلال والاجتياح. الأمر الذي اتجهت معه تعليقات خبراء عسكريين إلى التحذير مما راح يتسرب من معلومات حول إعداد حكومة نتنياهو لعدوان عسكري جديد على القطاع وذلك بالإشارة إلى ما راحت تتمتع به المقاومة من قدرات تفوق ما عرفته حرب 2014.

وبالمناسبة ثمة تسريب لمعلومات أخرى حول احتمال شنّ حرب عدوان ثانية على لبنان. ولكن ذهبت تعليقات صهيونية تحذر من مغبة ذلك، وبقدر أكبر من مغبة حرب على قطاع غزة بسبب التسلح الهائل والقدرات العسكرية لدى حزب الله.

ولكن للأسف في هذا الوقت الذي تشهد فيه الضفة الغربية والقدس انتفاضة واسعة وإضراب الأسرى الذي امتدّ ليشمل أكثر من 1700 أسير أخذ محمود عباس قراراً بإنهاء الانقسام من خلال اتخاذ إجراءات "مؤلمة وغير معهودة"، كما قال، لتجويع القطاع وحرمانه نهائياً من الكهرباء والماء النظيف والدواء والخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية. وقد استهل هذه الإجراءات بما عُرِف بخصم ثلاثين في المائة من رواتب موظفي السلطة ووقف تصدير الأدوية والطاقة.

وقد وصف أحد كبار معاوني محمود عباس أن ساعة الحسم لإنهاء الانقسام قد حانت فعلى حماس أن تُسلم القطاع كاملاً للسلطة. بمعنى تسليم الأسلحة والأنفاق، وإعادة قطاع غزة، تحت سلطة التنسيق الأمني. وبهذا تحلّ "مشكلة الانقسام".

الوضع في قطاع غزة يتعرض لخطر في ما يشبه حرب فلسطينية- فلسطينية. وهو ما ترمي إليه خطة محمود عباس لإنهاء الانقسام ومن ثم يزداد احتمال الاشتباك العسكري بين قطاع غزة والكيان الصهيوني. لأن ذلك يعني وضع قطاع غزة تحت رحمة الاختيار بين أهون الشرين، أو أصبح الخيار بين الموت جوعاً وأوجاعاً وألماً، أو توجيه الصواريخ إلى العدو الصهيوني. فقرار محمود عباس لا يمكن أن يأتي على هذه الشاكلة، وبعد سبع سنوات من الانقسام، إلاّ ضمن مشروع ترامب والتفاهم معه عليه، أو تنفيذ المطلب له. وهو ما لا يجعل نتنياهو بعيداً منه كذلك.