رحلة تحشيش لفهم منطق البعض

صائب خليل

 

أعترف أنه ليس من السهل علينا، نحن الذين نعتقد اننا قرأنا الحاضر والتاريخ بشكل نراه معقولاً، ان نفهم كيف يمكن لأحد ان يفترض ان إسرائيل تريد حماية العرب من الخطر الأكبر الذي هو إيران! فهذا يحتاج من جهة، لذهن متوقد لجمع العوامل مع بعضها وترتيبها بشكل ما.. لكنه يحتاج في نفس الوقت إلى ذهن محشش لكي يستطيع ان يمرر الاستنتاجات التي تنتج عنها، وهنا الصعوبة! دعونا نحاول مع ذلك أن نخرج من منطقنا "الأيديولوجي الضيق"، ونوسع أذهاننا لـ "قبول الرأي الآخر" بشكل "حضاري" ودون "أحكام مسبقة" و "مفاهيم موروثة" "عفا عليها الزمن".. وتفضلوا معي الى رحلة التحشيش الذهني من الفرضيات الغريبة والاستنتاجات الممتعة هذه:

1-يقولون عقدنا مؤتمر الرياض لمحاربة داعش وإيران وأن ناتو عربي مسلح بـ 380 مليار دولار ضروري لذلك..

- 2 ويقولون إن إيران هي من صنعت داعش.. ودليلهم أن داعش لم تهاجم إيران!

3-إذن سليماني ورفاقه لم يحاربوا داعش...لا.. والضباط الإيرانيين قتلوا في حوادث طرق وليس في القتال!

4-ويقولون أيضاً إن الحشد الشعبي تابع لإيران.. وإيران انشأته لأغراض القضاء على السنة والتوسع الفارسي أو الشيعي..

5-وإذن فقتال الحشد وداعش، التابعين لإيران، كان تمثيلية.. ويعني أن الاف الشهداء من الحشد التي ملأت مقبرة النجف، قتلوا بـ "نيران صديقة"!! ويعني أن السيارات المفخخة ضد الحشد كانت "فن تصوير"..

6-المؤمنون" بهذا، يقولون إن إيران حليفة لكل من اميركا وإسرائيل سرا، ودليلهم انهم لم يهاجموها رغم كثرة التهديدات. وأنها استلمت منهم أسلحة في الحرب العراقية الإيرانية، وأن رفسنجاني قال لولانا لما احتل الامريكان العراق، وأن الخميني جاء بموافقة وتنسيق الغرب، وأن قصة الرهائن وغلق السفارة الإسرائيلية مسرحيات ...الخ

7-وهذا يعني أن الحصار الاقتصادي والعسكري المستمر 388 عاماً على إيران من قبل اميركا، منذ ولدت الحكومة الشريكة لها، يجب أن يكون تمثيلية... وكذلك الدعم العسكري لصدام وإسقاط طائرة الركاب الإيرانية ودعم مجاهدي خلق وقتل علماء الذرة كلها مسرحيات..

8-مهم ان هذا يعني أن أميركا كذابة بشأن خطر إيران! أليسوا جميعا حلفاء؟

9-ورغم ذلك أميركا تسلح السعودية وبقية الخليج، بقيمة مئات المليارات بدون داع أولاً، ولمحاربة حليفتها إيران ثانياً!!؟؟

10-لذلك لابد أن اميركا خدعت أصدقاءها، وأن دول الخليج بلهاء وأن 380 مليار ضاعت هباءاً!

11-قصة محاربة داعش نفس الشيء: بالعودة إلى (2-إيران صنعت داعش) و (66-إيران حليفة امريكا) لا بد أن اميركا تعلم ان داعش تابع لحليفتها إيران. وبالتالي فلا يوجد خطر من داعش لا عليها ولا على كل "اصدقائها".

12-هذا يعني ان هدفي الناتو العربي في محاربة داعش وإيران، كلاهما غير معقولين.. لأنهما حلفاء أميركا التي صنعت هذا "الناتو"!

13-ويقولون إن بشار عميل لإيران، وهدفه هو قتل السنة ودفع المشروع القومي الفارسي الى الأمام.

14-إذن لابد أن بشار هو حليف داعش بالضرورة، فكلاهما تابع لإيران. ولا بد أن كل حربه مع داعش كانت أفلام سينمائية.

15-طبعا فحزب الله حليف بشار الأكيد هو أيضا في هذا الخندق الفارسي القومي، وهو بالتالي حليف لأميركا وبالتالي لإسرائيل.. وكل ما حدث بينهما تمثيليات. تمثيليات دموية قتلت الكثير من الطرفين ودمرت مدناً. ربما من اجل اتاحة الفرصة لإسرائيل لتدمير لبنان، الله يعلم. فهو لا يحارب إسرائيل إنما الشعب السوري والسنة.

16-وبالتأكيد فأن روسيا حليفة لبشار، هي حليفة حلفائه أميركا وإسرائيل وداعش وإيران وحزب الله.. كلهم ضد السنة أو ضد "الشعب السوري" بثورته البطلة ضد الدكتاتورية.. ولحد الآن لم يتمكنوا منه! ربما لأن المشكلة أنهم لا يعلمون من يمثله لأن الجميع ضده..

17-وفق هذه الصورة لا بد ان السعودية مخدوعة من حلفائها، ومن يخدع السعودية بشكل مباشر ويبيعها الأسلحة هو أميركا.

18-إذا كان هؤلاء جميعا متآمرين على السعودية، فأن إيران وحزب الله وبشار بموقفهم الصريح ضدها، اكثرهم صدقا وأن السعودية يجب ان تحقد على اصدقاءها اميركا وإسرائيل أكثر من إيران وحزب الله وبشار، وأن من مصلحتها إن كانت تفهم، أن تقنعهم وتتحالف معهم.

المطلوب من القارئ الآن ان يجد أي خطأ في هذه الافتراضات والاستنتاجات أعلاه. ومن لا يجد خطأً فعليه أن يتعامل مع كل النقاط على انها صحيحة وأن يجيب على الأسئلة التالية وبدون ترك:

س1: إذا كنا نعلم أنهم جميعاً في جبهة واحدة لتدمير الأمة العربية او السنة او لأي غرض كان، فكيف يكون أحدهم "الخطر الأكبر" ويكون شريك له "المنقذ الأكبر" و "الحليف الأكبر" وتشتري منه بمئات المليارات من الأسلحة؟

س2: وإذا كان هناك "رؤية مشتركة" و "مصلحة مشتركة" للسعودية والخليج والسنة مع أحدهم (إسرائيل)، فكيف لا تكون تلك الرؤية والمصلحة "مشتركة" أيضاً مع من يقف مع إسرائيل في نفس الخندق من المشاركين في نفس المسرحية (إيران، سوريا، حزب الله)؟

س 3: إذا كان الجميع متآمراً، فكيف يدفع سلمان 380 مليار لأحدهم ليحمي نفسه من آخر؟ كيف يثق؟ أليس الطبيعي انهم سيتقاسمون المبلغ؟

س 4: وأخيراً...لماذا يستنكر الذين تحالفوا مع اميركا وإسرائيل، عمل من يتحالف مع شريكتهما إيران ويضعونه في قوائم الإرهاب؟