قس سوري : " لسنا عربا ولله الحمد!"

صائب خليل

 

الصدمة التي سببها لي هذا العنوان، اثارت عندي السؤال: هل يمكن للقس ان يكون مثالا لانحطاط الأخلاق؟

قبل كل شيء نود ان نعرف "الانحطاط الأخلاقي" الذي نقصده هنا، فهو بالتأكيد لا يتعلق بممارسة الشخص للجنس على سبيل المثال، فهذا شأنه. إنما نتحدث عن الاخلاق المتعلقة بالتعامل مع الناس وما يؤثر عليهم. ونحن نضع العنصرية المتعالية على الآخر كأحد الأخلاق الوضيعة، خاصة عندما تطلق سمومها لتهين شعبا كاملا، بعنجهية وعدم تمييز.

كتب الاب السوري ثيودورس داود، راعي ابرشية القديسة مريم للروم الارثودكس، بالتيمور ميريلاند، مقالة بعنوان "ﻟﺴﻨﺎﻋَﺮَﺑﺎً ﻭﻟﻠﻪ ﺍﻟﺤﻤﺪ!!!" ونشرت في صفحة "اليتيا" الكاثوليكية، تحت باب "مواضيع عميقة"!!

ربما نتفهم قليلا، هذه العبارة القميئة بأنه ليس عربياً "ولله الحمد"، بأنه مههوس مسيحي بالقومية شطت به المشاعر، ويريد ان يخلع المسيحيين عن العرب، ضمن الحملات الإسرائيلية المعروفة في هذا الاتجاه، لكنه لا يقتصر على المسيحيين بل يعمم ببلاهة الأمر على كل من سكن سوريا والعراق ومصر ولبنان وحتى الأردن وفلسطين! فيبدأ هذا القس مقالته بالادعاء بأن "ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﻟﻴﺲ ﻋﺮﺑﻲ، ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻲ ﻟﻴﺲ ﻋﺮﺑﻲ، ﺍﻟﻤﺼﺮﻱ ﻟﻴﺲ ﻋﺮﺑﻲ، ﺍﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻲ ﻟﻴﺲ ﻋﺮﺑﻲ ﻭﻻﺍﻷﺭﺩﻧﻲ ﻭﻻ ﺍﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻲ" متبرعا بسلخ العروبة عن كل هؤلاء بضربة واحدة، ليشرح لنا بعد ذلك من نكون: " ﻧﺤﻦ ﻣﺸﺮﻗﻴﻮﻥ ، ﻧﺤﻦ ﺭﻭﻣﻴﻮﻥ ﻭﺳﺮﻳﺎﻥ ﻭﻛﻠﺪﺍﻥ ﻭﺃﺷﻮﺭﻭﺃﻗﺒﺎﻁ...". إنها ذات النعرة التاريخية التي تريد إسرائيل إثارتها لتمزيق المنطقة، والحقيقة اني لا اشعر أني من هؤلاء، بل اشعر اني عربي، ويشعر بهذا الشعور أكثر من 90% من سكان هذه البلاد.

وبعد أن يتبرأ من "العرب" بعنصرية، يكتب "للأمانة ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻧﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺛﻤﺔ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻘﺒﺎﺋﻞ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺻﺎﺭﺕ ﻣﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﻟﻜﻦﻋﺮﻭﺑﺔ ﺍﻷﻗﻠﻴﺔ ﻻ ﺗﻌﻤَّﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻛﺜﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺸﺮﻗﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻳﻮﻣﺎ ﻋﺮﺑﻴﺔ".. وهنا صار الكلام عن المسيحيين فقط. ويبقى "ولله الحمد" المهينة لتشمل هؤلاء العرب الذين صاروا مسيحيين، وهو لا يخفي ذلك.

فينهال القس ثيودورس بسيل أقرب إلى الشتائم للعرب وروح منتفخة متعالية أبعد ما تكون عن المسيحية الداعية للتواضع، فيقول: "ﻧﺤﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻤﺸﺮﻕ ﻭﺳﻜﺎﻧﻪ ﺍﻷﺻﻠﻴﻴﻦ . ... ﻭﻻ ﻧﺸﺒﻪ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺑﺸﻲﺀ، ﻻ ﺑﺎﻟﻔﻜﺮ ﻭﻻﺑﺎﻟﺬﻭﻕ ﻭﻻ ﺑﺎﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ؛ ﻫﻢ ﺃﻫﻞ ﺑﺎﺩﻳﺔ ﺃﻣﺎ ﻧﺤﻦ ﻓﺄﻫﻞ ﺣﻀﺎﺭﺓ . ﻫﻢ ﺃﺭﺿﻬﻢ ﺍﻟﺼﺤﺮﺍﺀ ﺃﻣﺎﺃﺭﺿﻨﺎ ﻓﺄﺭﺽ ﺍﻟﻠﺒﻦ ﻭﺍﻟﻌﺴﻞ ﻭﺍﻟﺘﻴﻦ ﻭﺍﻟﻠﻮﺯ ﻭﺍﻟﺘﻔﺎﺡ ﻭﺍﻟﻌﻨﺐ".. ويتعدى مرحلة التفاخر التافه، ليصل إلى ما يشبه شتائم العاهرات عن "أولاد الأصل" و "غير الأصل" فيقول : "ﺃﺟﺪﺍﺩﻧﺎ ﺯﺭﻋﻮﺍ ﺍﻷﺭﺽ ﻭﺗﺄﺻﻠﻮﺍ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﺼﺎﺭﻭﺍ "ﺃﻭﻻﺩ ﺃﺻﻞ" ﺃﻣﺎ ﺃﻧﺘﻢ ﻓﺮﺣّﻞ ﻟﻢ ﺗﺰﺭﻋﻮﺍ ﻭﻟﻢ ﺗﺘﺄﺻﻠﻮﺍ ." ويعلم الجميع أن من يتكلم بهذه الطريقة يكون في العادة من الذين يشكون بأصلهم ويحاولون استبعاد التهمة بأية طريقة، فتبدو المبالغة فاضحة.

وينتفخ ثيودورس بآبائه الذين "ﺑﻨﻮﺍﺣﻀﺎﺭﺍﺕ ﻭﻛﺘﺒﻮﺍ ﻛﺘﺒﺎً" وينها على "ﺃﺟﺪﺍﺩﻛﻢ ﺷﺮﺑﻮﺍ ﺍﻟﺪﻡ ﻭﻻ ﻳﺰﺍﻟﻮﻥ، ﺭﻗﺼﻮﺍﻋﻠﻰ ﺟﺜﺚ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻭﺫﺑﺤﻮﺍ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻟﻠﻔﺮﺡ ﻭﻻ ﻳﺰﺍﻟﻮﻥ . ﺩﻣﺮﻭﺍ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺍﺕ ﻭﺃﺣﺮﻗﻮﺍ ﺍﻟﻜﺘﺐ ﻭﻻﻳﺰﺍﻟﻮﻥ. ﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﻧﺸﺒﻬﻜﻢ ﻭﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮ ﻧﺸﺒﻬﻜﻢ. ﺗﺎﺭﻳﺨﻨﺎ ﻣﻼﺣﻢﻭﻋﻠﻢ ﻭﻣﺠﺪ، ﺗﺎﺭﻳﺨﻜﻢ ﺧﻴﺎﻧﺔ ﻭﺣﺎﺿﺮﻛﻢ ﺧﻴﺎﻧﺔ ﻭﻣﺴﺘﻘﺒﻠﻜﻢ ﺧﻴﺎﻧﺔ."

وأخيراً يسعى ليقسم الإسلام إلى إسلاميين، إسلام "بلاده" الطيب وإسلام العرب الوحشي.. الخ من السفاهات..

ولا حاجة لنا بالقول إنه يكفي لأي إنسان أن يقارن بين الدمار الذي تسبب به للعالم والإنسانية من يفتخر بهم هذا القس، وبين من يتهمهم بالوحشية وحرق الكتب. ويكفي ان يكتب على كوكل عبارة مثل "أدوات التعذيب" ليعرف من اخترعها وكيف كانوا "يرقصون" وكيف يلعبون كرة القدم برؤوس الهنود الحمر ويضعون رؤوس الجزائريين البسطاء على رؤوس العصي ويتصورون معهم و.. لا حاجة للمرء ان يقرأ الكثير من التاريخ ليعرف من الذي يقف على جثث أكثر، ومن شرب الدماء أكثر ومن كان يغلي اعداءه ومن الذي احرق الهراطقة و"الساحرات".. لدينا تاريخ من قساوسة ساندوا هتلر في جرائمه، وآخرين كانوا ينكحون الصبيان وبكثرة مثيرة للدهشة لتكون فضيحة عالمية للكنسية الكاثوليكية التي يتبع هذا التافه إياها، دون ان تردعه تلك الحقائق عن شتم الآخرين. لا حاجة في الحقيقة حتى إلى العودة الى التاريخ، بل يكفي أن ينظر المرء اليوم إلى الحاضر وينظر من يقتل الناس بالجملة ويحتل بلادهم ومن حطم المشرق والمغرب... لا حاجة للكثير من الجهد ليفهم المرء أنه امام مراوغ كذاب لا علاقة له بالحقيقة.

ولنفرض ان هذا القس يتميز بعدم الحياء التام الذي يتيح له ان يقول ما يشاء كما يقول المثل "إن لم تستح فافعل ما شئت"، ألا يحسب الموقع وبقية المسيحيين تأثير ذلك على سمعتهم بين الناس؟ وأنا لا اقصد بين العرب فقط وإنما عند كل انسان سوي شريف في العالم له من الأخلاق ما يكفي لرفض العنصرية واحتقارها! ما الذي تقوله هذه الكنيسة للعرب الذين صاروا مسيحيين كما يقول، حين يهين قس أصلهم بهذا الشكل الفج؟ كيف يقبل مجتمعكم المتحضر، مثل هذا الكائن، ليكون قساً ومثلا يقتدى به؟ وكيف تنشر مقالته في موقع كنسي معروف؟؟ ألا يعني نشر مثل هذا التفاهات (والتي تنشر على أنها "مواضيع عميقة"، يا للسخرية) بأنها تمثل الأخلاقية المسيحية للكنيسة التي يتبع إليها الموقع؟

يقول بأنه ليس عربياً "ولله الحمد"؟ وأنه لايشبه العرب ﺑﺎﻟﻔﻜﺮ ﻭﻻ ﺑﺎﻟﺬﻭﻕ ﻭﻻ ﺑﺎﻟﺤﻀﺎﺭﺓ؟ نعم ونحن نقول لك اننا لا نشبهك ابداً، لا بهذا القبح العنصري ولا تلك الحضارة المدمرة وبالتأكيد لا نشبهك بالذوق، و"لله الحمد". فنحن إن تكلم أحدنا عن شعب بهذا الشكل، احتقرناه وابتعدنا عنه لإلا يحسبنا أحد على ملته، او حسب على ملتنا، ولم يجد موقعا يحترم نفسه ليضع نصه على صفحاته.

رغم هذا وأمثاله، علينا ان لا ننسى، ولن ننسى، القساوسة الأصلاء، من فرج رحو العراقي الرائع. ولا كذلك المرحوم المطران هيلاريون كبوتشي، مطران كنيسة الروم الكاثوليك بالقدس المحتلة، والذي كان ينقل السلاح إلى المقاومة، ما عرضه للاعتقال والسجن ثم النفي، وظل يؤكد أن ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة. ونتذكر المطران "عطا الله حنّا" رئيس أساقفة الروم الأرثوذكس في القدس، وبسبب مطالبته بإنصاف رجال الكنيسة العرب تعرض إلى الطرد من الكنيسة والفصل من أخوية القبر المقدس.

لا شك ان هؤلاء من صنف مختلف تماما عن أمثال ثيودورس الذين لا يصعب شراء لسانهم وضميرهم، خاصة في زمن الدواعش هذا، ومن يقف وراءهم. إنهم من "لا يشبهون" حقا ثيودورس داوود في الثقافة والحضارة والأخلاق. إنهم من يرفض ان يبيع ضميره رخيصاً لأعداء الإنسانية، ولكل ملة شرفاءها وتوافهها.

 

(1) ﻟﺴﻨﺎ ﻋَﺮَﺑﺎً ﻭﻟﻠﻪ ﺍﻟﺤﻤﺪ!!!

https://ar.aleteia.org/2017/04/06/ﻻ-ﻟﺴﻨﺎ-ﻋﺮﺑﺎً-ﻳﻜﻔﻲ-ﻛﺬﺑﺎ-ﻭﺗﺰ/

(2) قس سوري: ﻻ ﻟﺴﻨﺎ ﻋﺮﺑﺎً و الحمدلله.. ﻳﻜﻔﻲﻛﺬﺑﺎ ﻭﺗﺰﻭﻳﺮﺍً ﻭﻣﻤﺎﻟﻘﺔ ﻭﺧﻮﻓﺎً.. http://www.alankabout.com/more_topics/religions/93190.html