ثورة 14 تموز وأسطورة الزمن الجميل

عارف معروف

 

 

كتَبتْ احدى السيدات ، بالأمس ، : " غدا تحل ذكرى ثورة 14 تموز 1958 ، لا أهلا ولا مرحبا ".... وعللت ذلك ، كما بات مألوفا ، في مثل هذا المقام ، بالنزاعات الدامية التي اعقبت الثورة ، وبسلسلة المشاكل ، بل الكوارث ، التي مّرت على العراق منذ ذلك اليوم وانتهاءا بحاضره المدلهّم والمنطوي على تهديدات جدّيه لمصيره ومستقبله .....

ان ماكتبته هذه السيدة ليس بدعا في هذا المجال، فهو غيضٌ من فيضٍ من الكتابات والافكار المشابهة التي لا تتوقف على بعض العراقيين وموقفهم من ثورة تموز وحنينهم الجارف الى الزمن " الجميل والسعيد " الذي مثلته الفترة الملكية وكيف ان ثورة تموز قد فتحت باب جهنم التي مانزال الى اليوم نعاني من عقابيلها وتراكماتها، فانت تجد ان كتابات بعض المصريين تنحو ذات المنحى وتلعن ثورة يوليو 1952 وما جرّته على مصر من " ويلات " وتعلن عن حنينها الى عهد الملك فاروق وما كمن في رحم الملكية المصريه من سلم اجتماعي ووعود كان يمكن لها ان تجعل مصر افضل بكثير من حاضرها لو اتيح لها ان تتفتح !

كذلك تجد لدى بعض الليبيين اصداء مشابهة وتعبيرات عن الاسف الشديد لما حصل في ليبيا بعد الانقلاب على الحكم السنوسي ويشابه ذلك شأن بعض السوريين الذين يلقون باللائمة فيما يعيشونه من محن على عهد العسكر والاحزاب الايديولوجية، وما جرته عليهم من مصائب، والخلاصة ان هذه النزعه تستثمر في الاحباط العام الذي جرّته عقود من حكم الانظمه التي اعقبت تلك الثورات وما آلت اليه من دكتاتوريات وطغيانات منفلته لم ترع مصلحةً لوطنٍ او حقوقا لمواطن .

يتحدد الموقف النفسي للانسان في مواجهة المشاكل والتحديات، عادة، بسلوكية المواجهة والقتال أو الهرب والابتعاد ( fight or flight) ، والهرب قد يعني ، فيما يعنيه ، النكوص النفسي الى عالم متخيل، يكمن في ماض فردوسي سعيد او افتراضات خياليه لما يمكن ان تكون عليه الامور لو لم تجرِ كما جرت ....

لقد شاع، اليوم، الكلام عن الزمن الجميل او الماضي السعيد، في مواجهة الحاضر الشرير والفاسد او الزمن الرديء، بحسب تعبير البعض، والمستقبل الاكثر، ربما، مرارة واسودادا . انها آليه نفسيه للهروب وتجنب المواجهة والتحديات ، وفي كل مكان نرى الانسان ، عند مواجهة ادنى التحديات وحتى ما هو طبيعي منها يحن الى زمن الطفولة الفردوسي ، ان ذلك يصدر ، اساسا ، من ان زمن الطفولة خلو من المواجهة والتحديات وان الانسان كان مكفول الحماية واشباع حاجاته من قبل الاخرين دون عناء ، بل وان حاجاته واشباعها ومخاوفه وتطمينها كان مصدر سعادة للاخرين ، فأي فردوس يستدعي الحنين والتعلق !

لكن فكرة الزمن الجميل الخالي من المشاكل والتناقضات، في الواقع ، فكرة ساذجة ، فلكل زمان مشاكله وتحدياته ومظالمه التي يعاني منها قطاع من الناس دون آخر وافضل الأزمنة او العهود هو الزمن او العهد الذي يتمكن فيه المجتمع ، بقدر متفاوت من النجاح ، من التوصل الى آليات ووسائل لحل المشاكل ومواجهة التحديات باقل قدر من التضحيات!

ان قوى اجتماعية وسياسيه ومرام اقتصاديه ، محلية وعالمية ، تتقنع اليوم ، بهذا السراب وتستثمر في هذا الحلم الهروبي ، فتشيع لدى الناس والشباب منهم بخاصة ، اضغاث احلام بصدد ماض سعيد خلفه حاضر مرير قاصدة تحويل انظار القوة الاجتماعية القادره على الفعل والتغيير، اي الشباب ، الى احلام واستمناءات نفسيه عن ماض فردوسي لن يعود خوفا من تشجيع وانماء ارادة واقعية تعمل على تغيير حاضر مظلم يمثل تحديا حقيقيا .

ان ذلك يترافق اليوم بعودة الى احياء الرموز والاعلام القديمة وتباري في عرض صور جميله للعواصم والمدن التي كانت على جانب كبير من النظافه والتنظيم ، كذلك تجري رواية ذكريات عن عالم مثالي كان الناس فيه يتمتعون بالطيبه والاخّوة والسلم الاجتماعي ومستوى التعليم ....الخ ويلقى باللائمة في كل ذلك على تلك الثورات اللعينه التي اطلقت كل هذه الشرور وفتحت الابواب امام كل هذا التراجع ، كمكمل ايديولوجي ونفسي لواقع الارتداد والتدمير والاستلاب الذي يعيشه الناس على اصعدة حياتهم الحاضره كافه . فألى اي مدى يصح ذلك ، وهل تستند هذه الدعاوى الى دعم موّثق او حجاج مسند وهل من الصحيح اسناد كل تلك الشرور الى تلك الثورات والقاء كل ما نعيشه اليوم من احباط ونقاسيه من مرارة على كاهلها ؟!

1-ساقصر موضوعي على ثورة 14 تموز 1958 فاقول ان معظم النقد الذي تناولها لم يتأسس ، حتى اليوم ، على تخطئة برنامجها الاجتماعي الذي تمثل في سلسلة القرارات والقوانين التي اصدرتها وشرعت بتطبيقها وفق ذلك البرنامج ، واقتصر جل ّ ماو جه اليها من نقد أما الى حوادث عرضيه تخاطب العواطف مثل مقتل الملك الشاب او العائله المالكه ونوري السعيد، او الصراعات السياسية العنيفه التي أعقبتها بين القوى السياسيه الجماهيريه وما جرته واسست له من اساليب وممارسات . ويعتبر العنف الذي رافق ثورة تموز ، رغم ادانتنا لكل عنف خارج الاطار القانوني، هو الأقل بالنسبة لما شهدته ثورات عديدة ، وقد قارنت ذلك في مقال سابق يخص المناسبة بالعنف الذي شهدته الثورات الفرنسية و الامريكية اوالانكليزية والروسية . اما الممارسات السياسية المدانه وافعال العنف والغوغائية فهي تدين القوى التي مارستها لا الثورة وبرنامجها ناهيك عن ان هذه القوى وممارساتها قد عبأت ، في الحقيقه ، من قبل القوى المضادة للثورة واستخدمت مطية لتنفيذ اجندتها في عرقلة برنامج الثورة واحباطها .

2-لم يعب احد او يتناول بالتفنيد برنامج الثورة الاقتصادي او يستطع ان يرد معاناة حاضره يعيشها الشعب الى ذلك البرنامج ، ففي مصر مثلا يتم في خضم الهجوم على ثورة يوليو القول بانها اممت الصناعات الناميه وفتتتْ الملكية الزراعية التي هي أصلا صغيره فأثرت ، سلبا ، في انتاجيتها . لكن الحال مختلف بالنسبة لثورة تموز 1958 فالاصلاح الزراعي ، مثلا ، شمل اراض واسعه كانت قد خربت بالكامل واصبحت بورا بفعل الجهل والاسراف في استخدام المياه والمضخات من قبل الاقطاعيين في الجنوب مما خرب خصوبة الاراضي وافقر انتاجيتها وعجل مع الاساليب القهرية والغبيه في الادارة والتنظيم بهجرة عشرات بل مئات الوف العوائل الفلاحيه الى مراكز المدن للعمل في اعمال هامشيه فيها ، فخرب بدوره القوّة المنتجه وهبط بمستواها وثقافتها ووّلد مشكلة جديدة بخلق أحزمة فقر حولها ستكون لها آثارها السلبية البعيدة المدى والتي أدى عدم اتاحة الفرصه لحلها حلا اجتماعيا مثمرا الى بروز عقابيلها التي نشكو منها اليوم من عشوائية المدن ورثاثتها وما يطلق عليه بتريفها وتقهقر القيم المدنيه الايجابيه وشيوع ثقافة النهب والسرقه وغير ذلك كثير .

3-وبدلا من الاستمرار في استعراض منجزات الثورة التي غيرت بالفعل من الواقع العراقي نحو الاحسن ، وهو ما تم ويتم تناوله في الكثير من الكتابات ، نعود الى موضوعنا الذي بدأنا به ، وهو جزئية يراد منها تضليل وخداع الاجيال الشابه واستثمار الاحباط الواسع الذي يعاني منه الناس لستر العجز الحقيقي عن تقديم دراسات جاده وموّثقه يمكن ان تسند ادعاء ارجحية العهد الملكي وممكناته على الثورة وما قدمته ، نعود الى الحنين الى الملكية وتصور انها بذاتها تمثل أملا ورجاءا للتقدم والسلم والازدهار فنقول ان الملكية ليست برنامجا اقتصاديا ولا خيارا اجتماعيا انما هي شكل من أشكال الحكم وفي هذا الاطار فانه شكل قديم تجاوزته الانسانية الى النظام الجمهوري الذي يعني مشاركة أكبر وتوزيع للمسؤوليه على قاعدة اجتماعيه اوسع وان الانظمه الملكيه الباقيه في العالم المتقدم اصبحت مجرد فولكلور لا دور أو ثقل سياسي حقيقي لها على صعيد القرار ، فالانظمه الملكيه اصبحت جمهوريات حقيقيه في المجتمعات والدول المتقدمه كما هو شأن بريطانيا او اليابان او غيرهما ، اما الملكيات في العالم الثالث وعالمنا العربي على وجه الخصوص ، فنحن نرى عجزها التام وتخلفها وتبعيتها بل ان بعض الانظمه الجمهوريه في هذا العالم العربي ليست سوى ملكيات مقّنعه ، والعبره ، اذن بالمضمون والبرنامج الاقتصادي الاجتماعي وما يناسبه من ممارسه سياسيه وليس بشكل النظام السياسي ان كان ملكيا او جمهوريا . .

4-ان انتزاع الاشياء من سياقها واجتزاء الوقائع والصور لخلق ايحاء بواقع مغاير تُعتمد غالبا في مثل هذه الحملات فصوره جميله للمحطه العالميه للسكك الحديد في بغداد من منتصف الخمسينات من القرن الماضي ، مثلا ، تتجاهل او لا تعرض ماكان يحيط بهذه المحطه من الوف الاكواخ الطينيه التي تمتد من المحطه الى الشالجيه وتتجلى فيها صوره مؤلمه لما يمكن ان يعيش فيه الانسان من ظروف لا انسانيه وشروط غير صحيه وفقر وبيل . وصورة لشارع جميل في كرادة مريم أو قصرها الجمهوري تتجاهل امتداد حزام البؤس الملاصق فيما كان يعرف بالشاكريه ومن ذلك ، أيضا ، وفي اطار الخواء والعجز الفكري ذاته ، يجري ، مثلا كيل المديح بلا حساب ، وببغاويه يردد فيها أو يهرف بما لا يعرف استنادا الى مجرد السماع او القراءه دون سند او دليل امثلة عن رجال العهد الملكي ونزاهتهم الاسطوريه وتناسي رجال حكومة ثورة تموز جميعا وما تميزوا به من معرفة جمه في اختصاصاتهم ونزاهة وعفه في سلوكهم ودأب واخلاص في عملهم ، واستعرض في بالك اليوم كل أسماء الوزراء والقادة العسكريين وحتى المدراء العامين واساتذة الجامعات وغيرهم ، من وطنيين ديمقراطيين ويساريين وقوميين ، عربا واكرادا وغيرهم ، فأن اقلهم شأنا لا يمكن ان يكون اليوم وقبل اليوم وصولا الى السبعينات من القرن الماضي الاّ مثالا وقدوة يشار اليها بالبنان ...لقد كان العهد الملكي عاجزا عن ايجاد حلول للمشاكل التي كانت تتفاقم جراء سياساته العشوائية وقصيرة النظر ، فتفاقم المشكله الزراعيه منذ اوخر الثلاثينات وخلال الاربعينات والخمسينات دون حل ، مثلا ، انتج هجرة فلاحيه واسعة الى مراكز المدن واحزمة فقر تفتقر الى ابسط شروط الحياة الانسانيه وهذه الاخرى تُركت تتفاقم دون حل وكان على ثورة تموز ان تجد لها الحلول السريعة الممكنه، ولو قدر لها ان تستمر ولبرنامجها الاجتماعي ان يتحقق لتغير وجه العراق الحالي بالفعل ولما عادت مشاكله تلك الى التفاقم مما انتج وفاقم حالة الرثاثة والخراب الذي نشهده اليوم !

5- ان الظلم الكبير والتجني والكذب الصريح يتمثل ، كذلك ، في القاء تبعة ما نعيشه من مرارة الحاضر وما عشناه من مآسي الماضي القريب على كاهل الثورة وما فتحته من ابوِاب الجحيم . لقد اغتيلت الثورة في بداياتها ولم تستطع انجاز برنامجها الاجتماعي ، اغتيلت على يد قوى العهد الملكي ذاتها والحلف الاقليمي والدولي الذي كان يدعمها واستخدمت في ذلك ادوات سياسية وقوى اجتماعيه رثة وسبق للنظام الملكي ان اعتمدها في بعض ممارساته القمعيه دون ان يبالي بالنتائج القريبه والبعيده والانعكاسات السياسية والاجتماعيه لهذا الامر . ان مآسي العراق الحقيقيه بدأت منذ 1959 مرورا بـ 1963 ثم تمكين البعث من السلطه في 1968 فصعود النهج الاجرامي المنفلت الى سدة السلطه المطلقه وما جره من ويلات وحروب ، لقد راكم كل ذلك شرورا غير مسبوقه واغرق العراقيين في بحر متلاطم من المعاناة ، يقع عبء مسؤوليته الحقيقية على كاهل القوى التي وقفت من ثورة تموز ووعودها وبرنامجها الاجتماعي موقف العداء والمواجهة سواء كانت محلية او اقليمية او عالمية ، تلك القوى التي عاد بعضها الى الواجهة ومنصة الفعل ، اليوم ، محاولا تحويل انظار الناس عن ماسيهم الحالية الناجمه عن تخبط هذه القوى وتكالبها وجهلها ، ومعاناتهم المتراكمة التي نتجت عن الممارسات الاجرامية لأدواتها السابقة متمثلة في النظام المهزوم الى الجهة الخطأ والى ابعد القوى عن الاتهام، الى ثورة 14 تموز . ان ذلك يشبه ، من بعض الوجوه ، القاء تبعة جرائم حاليه وماضيه على بريء تم اغتياله من قبل ذات المجرمين !