نهاية دولة الخرافة مدعاة لنهاية الدولة الفضائية في العراق !

جمال محمد تقي

 

 

اخيرا غير مأسوف عليها سقطت عاصمة دويلة الخلافة الخرافية وتنفس أهلنا المغدورين في الحدباء شيئا من الصعداء املا في النجاة واسترجاع ما يمكن استرجاعه من عوامل العيش الكريم والتطلع لبناء مستقبل آمن موعود بالعمران والكرامة الانسانية ، المآسي لا توصف والخراب معمم بشموليته التي لم يسلم منها بشر اوحجر او شجر ، الحدباء مدمرة والحمل اثقل من الثقلين ، 80 بالمئة نسبة الخراب المدني والعمراني والسكاني ، اما نسغ روحها فهو مازال يتطلع للناجين من دمارها ودمار ارض السواد من البصرة حتى زاخو لوقفة ليست ككل الوقفات ، ارقام الضحايا مخيفة ، انها مليونية اذا ما كان حساب الخسارة يجمع كل سكان نينوى وعمرانها ، مئات الالوف من النازحين والمشردين والجرحى والمقعدين والمتضررين والعاجزين والايتام والارامل والمنكوبين ، حمدا لله اذ لم يحصل الفناء ، فمازال عزاؤنا البقاء البقاء !

نتحدث عن مدينة الموصل ونحن نستحضر ماجرى لمدن الرمادي والفلوجة وديالى وصلاح الدين وبيجي وجرف الصخر وغيرها من المدن "المحررة" التدمير كان سمة مميزة لهذا التحرير المزعوم اما التعمير فهو شعار فضائي فضفاض لا يظهر الا عندما يشم امراء التحرير رائحة منح مالية جديدة من الدول المانحة مخصصة لاعادة اعمار ما دمرته حروب جيوش الغزاة وحشود الطوائف ، وبعد كل منحة دسمة يثار غبار معارك فضائية دسمة تخلط  فيها اوراق خرائط المشاريع الجديدة بالقديمة حتى يضيع العد وهكذا تدور عجلة التقهقر، فلا مدن تعمر ولا خدمات تقدم ، لا مدارس ولا مستشفيات ولا محطات كهرباء اوماء تبنى ولا تعويض فعلي للمتضررين ، فاين تذهب المليارات ؟؟  ناهيك عن عشرات المليارات من الدولارات المخصصة اصلا من الميزانيات السنوية لحكومة بغداد ، للتشغيل والاستثمار لتلك المدن!

خيط فضائي واحد هو كالحمل الكاذب يربط بين كل ما جرى ويجري في عراق ما بعد 2003 وحتى الان فعندما احتلت امريكا العراق وعدت حينها باعادة اعماره بحملة جبارة توزاي حملتها الحربية عليه وتتجاوزها لجعله انموذجا لكل بلدان الشرق الاوسط الكبير من حيث التقدم والرفاه والتنعم بفردوس الديمقراطية الموعودة ، اثبتت التجربة المريرة بطلان شعاراتها التي هي كبطلان اسبابها المعلنة لغزو العراق والاطاحة بدولته واستخلاف من يمزقه بعد ضمان السيطرة على ثرواته وبكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة ، نعم العراق اصبح مضرب الامثال لكل دول العلم في التخلف والحرمان والفساد والجهل والمرض وفي الريادة بحكم تحاصصي وتقسيمي استقطاعي يشع رجعية رغم تمظهرة بتوابيت صناديق اصوات المصوتين البعيدة كل البعد عن الممارسة الديمقراطية الحقة ، هذا الواقع الفعلي وليس الافتراضي والفضائي لا ينتج للعراق ومستقبله غير المآسي والكوارث المتلاحقة ومنها كانت داعش والقادم اسوأ مادامت الدولة الفضائية الحالية دائمة بصيغتها السياسية الفاشلة والمسماة جزافا بالعملية السياسية والتي هي ذاتها عملية فضائية شكلا ومضمونا !

بالمقارنة بين حملة اعادة اعمار العراق التي قامت بها مؤسسات الدولة الوطنية العراقية بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 والتي استمرت حتى قبل احتلال العراق وبين الحملة الامريكية لاعمار العراق  نجد ان الدولة العراقية المحاصرة استطاعت وبقدراتها الذاتيه من اعادة اصلاح ما دمرته الحرب الشاملة عليها وباوقات قياسية وبتكلفة غاية بالتواضع ، واذا ما نظرنا للارقام الفلكية والفضائية التي خصصت في مؤتمر مدريد ، اكتوبر 2003 ، فاننا سندهش لوقع المفارقة فكل دول العالم الغنية تمنح العراق وامريكا معه ولا حصار عليه وهو يفشل في تعمير نفسه ، في حين ان العراق كان محاصرا ولا اموال لديه ومحاربا على مدار الساعة ومن اقوى دول العالم لكنه ينجح باعمار نفسه !!

لقد شاركت في مؤتمر مدريد لحملة اعادة اعمار العراق 25 دولة مانحة اضافة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصندوق برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للامم المتحدة وذلك اثناء تولي الحاكم المدني بول بريمر والتي دورها من بعده السفير جون نيغروبنتي لمصلحة فرق الموت وكواتم الصوت ، حيث مول 60 شركة امن خاصة تستوظف 25 الف مرتزق لحماية 77 مقاول امريكي ينفذون مشاريع اعادة تأهيل المرافق ذات المنفعة الحيوية لسلطة الاحتلال ، مطارات وثكنات عسكرية وجسور وطرق ذات ممرات اجبارية واغلبها شركات امريكية عاملة في مجالات الامن والدفاع والهندسة العسكرية وهؤلاء جميعا يغدق عليهم من مبالغ المنحة الامريكية المخصصة لاعادة اعمار العراق والمقدرة بحوالي 61 مليار دولار ، مضافا لها مبالغ تستقطع من متراكم واردات النفط العراقي خلال خمسة سنوات والتي قدرها مؤتمر مدريد بحوالي 185 مليار دولار اضافة الى 14 مليار تعهدت بها الدول المانحة !

 الفارق بين الحملتين هنا كان لصالح استنهاض الروح الوطنية النزيهة لعلماء واساتذة ومهندسي العراق ، حيث وبعزيمة فائقة تفاعلت كافة اختصاصات الوزارات والمؤسسات ومجالس البحث العلمي واقسام الجامعات ، الهم الوطني هو دافعهم وحسب ، وكان هاجس الجميع النبوغ في التفوق على الذات وخلق المعجزة ، وخلوقوها بالفعل ، لقد ادهشوا العالم واغاضوا المتربصين بالعراق واهله ، اعادوا بناء الجسور والطرق واعادوا بناء المدارس والمستشفيات واصلحوا اعقد الاجهزة واعقد الماكنات واعقد الاسلحة واعادوا محطات الكهرباء للعمل وكذا المياه الصالحة للشرب ، هذا كله في وقت كان يمنع على العراق استيراد المعدات ويمنع عليه التصرف باموال عوائد النفط ، اما بعد 2003 فبرغم رفع الحصار وتمتع العراق بعوائده النفطية وبرغم تنازل اغلب اعضاء نادي باريس عن ديونهم المسجلة على العراق وبرغم وصاية دولة كبرى ذات امكانات تكنلوجية عالية كامريكا لكننا لا نجد سوى التدمير ، والامر متعمدا ، فالتعمير بالنسبة لهم غذاء ودواء مقابل النفط  لا غير ، وهذا ما كشفه الرئيس الامريكي ترامب من دون مخاتلة ومواربة ومجاملة عندما غرد بان لا اعادة اعمار للعراق من دون الاستحواذ على نفطه ، وهنا بيت القصيد ، اي ان النفط هو ثمن لمجرد بقاء العراقيين احياء يرزقون وليس ثمنا لجعل بلادهم كتايوان او كوريا الجنوبية ، وبحسب امريكا فان للشرق الاوسط الكبير حسابات لا تتطابق مع بلدان شرق اسيا ، وان لم تجري الامور كما يريدها العم سام فسيبقى حال العراق على هذا المنوال ، من كارثة لاخرى ، وما من مخرج حقيقي وليس فضائي الا بعراق جديد ينزع عن دولته  فضائيتها المستوردة ويعمر ذاته بذاته ببناء سور حقيقي للوطن ، جيش وطني اصيل لاهوية طائفية او اثنية له، وبعد ان يحرر ثرواته من احتكارات الطامعين الكبار والصغار على حد سواء ومن ثم اقامة نظام ديمقراطي حقيقي لا فضائي !

الروح غير الوطنية والفاسدة التي تسود الدولة الفضائية في العراق لن تكون قادرة على اعادة اعمار الموصل وما سبقها وسيلحقها من مدن محررة ومدمرة ، حتى لو تبرع الاتحاد الاوروبي بمليار يورو ومثلها تبرعت امريكا او السعودية وحتى لو اصبح سعر برميل النفط 200 دولار !