لمناسبة ذكرى رحيله  في حضرة "أبو گاطع" ورحاب الكلمة الحرّة

عبد الحسين شعبان

 

 

                                                                              

غادرنا شمران الياسري في 17 آب (أغسطس) العام 1981 في حادث سير لئيم، حين كان متوجهاً من براغ إلى بودابست لزيارة نجله الأكبر "جبران"، لكن ذكراه لم تغادرنا، وما هذا الاستذكار مثل استذكارات سنوية ومناسبات مختلفة أقمناها في المنافي البعيدة في براغ ولندن ولوند ودمشق وبرلين وكوبنهاغن وبيروت وغيرها، إلّا وقفة مراجعة تأملية لمنجز الرجل وإبداعه الروائي والإعلامي والنضالي، إذ ما زال الكثير من محبيّ شمران الياسري والعارفين بفضله يستعيدون ذكراه رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود ونصف من الزمان خصوصاً وقد اكتسبت هذه الاستعادة نكهة خاصة حين أصبح الاحتفاء بأبو كَاطع في بغداد ممكناً. وصدق الشرف الرضي حين قال:

ما أخطأتك النائبات/ إذا أصابت من تحبّ

فقد كان "أبو گاطع" يحلم في بغداد التي أحبّها  حتى في مغتربه أو منفاه، لكن عينيه لم تتكحّلا بمرآها الجميل، فقد كان ذلك الذئب اللئيم حسب تعبير الجواهري الكبير يتربّص به، وكأنه ينتظره بعدما أفلت منه مرّات عديدة.

وأبو گاطع هاشمي النسب وهو ابن السيد يوسف ، وسليل أسرة " آل ياسر" العربية المعروفة، وقد ولد في قرية محيرجة " الموفقية" في قضاء الحي بالكوت. وكان أحد رموز الأسرة من أبرز رجالات ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق(1914-1918) وما بعده، وأعني به السيد نور الياسري.

I

انشغل شمران يوسف الياسري والذي سيُعرف لاحقاً باسم برنامجه الإذاعي الشهير " أبو گاطع"، بهموم رسم الحرف وحياكة الكلمة وصياغة الفكرة، منذ أن بدأ مشواره الأول في العمل العام حيث انخرط في أواسط الخمسينات وبعد محاولات عديدة، باليسار العراقي، الذي كان آنذاك يمثّل أحلام وطموحات الثقافة والمثقفين بشكل خاص، وعموم الفقراء والكادحين، بشكل عام، لاسيّما في بحثه الحثيث عن قيم الحرّية والمساواة والعدل، التي ستصبح هاجساً لـ "أبو گاطع" يُغني إبداعه ويغذّي أفكاره نحو التغيير الذي كان يتطلّع إليه، خصوصاً وقد تلمّس معاناة فقراء الريف واستغلال الإقطاعيين لهم.

وإذا كان برنامجه الإذاعي بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 قد ذاع صيته واشتهر لدرجة كبيرة، حيث أصبح الكثير من الناس يردّدون عنوان برنامجه " احجيه بصراحة يبو گاطع " فإنّه أصبح بمثابة مثل شعبي، حتى أنهم لا يعرفون مصدره، إلّا أنّه بفعل شيوعه أصبح أقرب إلى لازمة شعبية، دخلت العقل الجمعي.

وكان عموده في صحيفة "طريق الشعب" في السبعينات أقرب إلى بارومتر يقيس فيه الناس درجة حرارة الجو السياسي، ليس من جانب المعارضة أو الممانعة، بل حتى من جانب الموالاة وأصحاب السلطة أيضاً، ولهذا كان الجميع يقرأ الجريدة بالمقلوب، أي من الصفحة الأخيرة، حيث عمود " أبو گاطع"، سواء اتفقوا معه أم اختلفوا، لأنهم كانوا يجدون فيه ما يفصح عن حقيقة الأوضاع السياسية.

وكان عموده فرصة لاستنشاق هواء حر ونقي، مشفوعاً بالنقد اللاذع الممزوج بالسخرية، حتى وإنْ كانت سوداء، تلك التي يملّحها بمطارحاته مع "خلف الدواح" والمقصود " كَعود الفرحان" والذي ظنّ الكثير أنه شخصية وهمية، وكان ذلك الاعتقاد سائداً حتى لدى نخبة من رفاقه وأصدقائه حتى  نُشرت صورته في كتابي لأول مرّة قبل 20 عاماً، وكانت مفاجأة للجميع، حيث ظهر وكان يضع الشيماغ والعقال على رأسه وبملامح ذكاء حاد وذهن ثاقب.

II

كنتُ كلّما مرّ الزمن أشعر بمسؤولية أكبر إزاء أبو كاطع كمبدع، بل وإزاء الصداقة التي ربطتنا، ناهيك عن مسؤولية توازيها، وهي التعريف به وبمكانته في تاريخ الثقافة العراقية، وكنتُ قد أدركت إن جيلاً بدأ يتكوّن في المنافي البعيدة والباردة وفي العراق أيضاً، وهو لا يعرف أبو گاطع، وتلمّستُ ذلك فعلياً حين كان توجّه إليّ أسئلة بعضها حائر بشأن "أبو گاطع"، وأعتقد أن هذا النقص في التعريف به وبفنه وروايته وأقصوصاته وإبداعه بشكل عام بما فيه عموده الصحفي الذي له طعم خاص،لا يزال قائماً على الرغم من تغيّر الظروف، ولذلك وجدت من الواجب إطلاع القارئ العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام على فن "أبو گاطع" وإبداعه ونضاله لمواجهة النسيان والجحود والتنكّر.

وحين أقدّم للقارئ روائياً وصحافياً متميّزاً بسخريته المحبّبة وأسلوبه النقدي اللاذع ومحاكاته للجمهور، فإنني أقصد التعريف بالواقع العراقي ثقافة وأدباً وفكراً ضمن سلسلة لعدد من الشخصيات المتميّزة، وقد شملت الدراسة قبله الشاعر الكبير الجواهري في كتابين (1986 و1997) (الأول بعنوان الجواهري في العيون من أشعاره، والثاني الجواهري: جدل الشعر والحياة) وأعقبته بدراسة عن حسين جميل " جذور التيار الديمقراطي في العراق" 2007 ثم كتاب عن سعد صالح (جريو) الموسوم " الوسطية والفرصة الضائعة" (2009) وكتاب عن عامر عبدالله " النار ومرارة الأمل -فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية" 2013.

وتشمل هذه السلسلة شخصيات مثل بدر شاكر السياب وغائب طعمة فرمان وهادي العلوي والسيد محمد حسين فضل الله والسيد باقر الصدر، وخالد علي الصالح وأديب الجادر وعبداللطيف الراوي ووميض نظمي وخير الدين حسيب وفهد (يوسف سلمان يوسف)وشاكر السماوي والملّا مصطفى البارزاني وروفائيل بطي وعلي الوردي وفرحان باقر وناهدة الرمّاح وأحمد الصافي النجفي وعبد الأمير الحصيري ومظفر النواب وكامل الجادرجي وسهيل قاشا وآرا خاجادور وغيرهم، إضافة إلى شخصيات أخرى من العديد من البلدان العربية.

والهدف هو وضع بعض الشخصيات الوازنة في دائرة الضوء والإفساح في المجال لقراءتها جمالياً من خلال رؤى وخلفيات متنوّعة ومتعدّدة فنياً، فضلاً عن معرفة تفاصيل حياتها ومصادر ثقافتها، ناهيك عن آرائها وأفكارها بما فيها من هواجس ومخاوف وأحلام ونقاط ضعف إنسانية.

III

ثمة أسئلة تواجه الباحث في أدب وفن أبو گاطع: تُرى من أين جاءت موهبته وكيف تم صقلها؟ وهو الذي لم يترك تاريخه الشخصي سانحة للدراسة، وخصوصاً في سنوات الخمسينات والستينات، حين انخرط في العمل السياسي واضطرّ للاختفاء في الريف. ثم كيف استطاع إنماء ملكاته وتطوير قدراته بحيث احتلّ هذه المكانة المتميّزة ملتحقاً بجيل الروّاد الذين سبقوه، ومنتقلاً من عالم الصحافة السريع والكثير الحركة، إلى فضاء الرواية  الذي يحتاج إلى التأمل والدقة والخيال؟ وهي أسئلة بحاجة إلى المزيد من الدراسات النقدية، التخصّصية لإملاء هذا الفراغ.

لقد عرف العراق لوناً جديداً من ألوان الأدب الساخر مع "أبو گاطع"، الذي برز فيه بنتاجه المتنوّع، سواء حديثه الإذاعي الموجّه إلى الفلاحين أو أقصوصاته وحكاياته، حين نقل حديث المجالس والمضايف والديوانيّات، ليجعله مادة للكتابة الصحافية، التي اتّسمت بها مقالاته، بحيث أثّرت فيها شخصيات الريف النائي والمعزول، بيوميات المدينة وأحاديثها وهمومها والجديد فيها، وانتهاء برواياته وخاصة رباعيته أو رواية "قضية الحمزة الخلف".وهي جزء أول من رباعية لم تكتمل بسبب رحيله.

وإذا كانت السّخرية تميّز أسلوب "أبو گاطع"، فثمّة أحزان كانت تغلّفها على نحو عميق. ربّما وجد "أبوگاطع" فيها بعض التخفيف عن قسوة حياتنا ومراراتها وإخفاقاتنا المتكرّرة، فلجأ إلى إضفاء مسحة من التندّر والضحك عليها، حتّى وإنْ كان ضحك أقرب إلى البكاء، كما هي حالنا وأوضاعنا. لقد أمطرتنا حكاياته وأقصوصاته بعناقيد لذيذة من السخرية الحزينة، لفتح شهيّتنا للنقد من أجل حياة أكثر يُسراً وأكبر قدرة على الاحتمال والمواءمة.

وكما يقول المتنبي:

وَماذا بمِصْرَ مِنَ المُضْحِكاتِ                                              وَلَكِـنّهُ ضَحِـكٌ كــالبُـكَاء

   وهو ما دعا الشاعر نزار قبّاني في إحدى زياراته للعراق للقول:

مرحباً يا عراق، جئت أغنيك                                              وبعض من الغــناء بكاء

لأنّه كان يدرك أن الحزن معتّق في العراق، وهو أصيل ومتجذّر، ويكاد يطبع كل شيء، فحتى فرح العراقيين وغنائهم ومناسبتهم المختلفة، كلّها مغلفة بالحزن الجميل ومُدافة بالحزن الجليل. 

إنّ سخرية مثل سخرية "أبو گاطع"، وهو يتناول أعقد القضايا وأخطرها، لا بدّ أن تكون سخرية جادة ومسؤولة، بل هي موقف من الحياة والكون والتطوّر، وقد حاول شمران الياسري أن يواجه تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشاكله وهمومه بنوع من السخرية، لأنّ هذه الأخيرة في نهاية المطاف تعبّر عن موقف مقابل لكل تلك الإشكاليات، وهو ما دعا كارل ماركس للقول: "إني أقف ممّا هو مضحك موقفاً جادّاً".

IV

                                                                              

لقد كتب "أبو گاطع" تاريخ الريف العراقي، كجزء من تاريخ الدولة العراقية والمجتمع العراقي، فعالج ذلك بسخرية ودعابة وتهكّم، لدرجة أنّ روائي المدينة غائب طعمة فرمان يقول عن شخصياته "لقد وجدت نفسي أمام وضع دقيق لجوانب حيّة وشخصيات سمعت بحّة صوتها في أذني، كنت أمام ما نسمّيه موسوعة الريف، ولكنّ كاتبها أديب جعل كل شيء يدبّ حيّاً".

وحاول "أبو گاطع" الكشف عن حياة مطوّية تقريباً، فقام بتصوير الواقع بكاميرا بانورامية، ملتقطاً صوراً تكاد تكون فاضحة عن حقيقة حياة الريف، لاسيّما وهو يدخل إلى أعمق أعماقه، لأنّه ليس طارئاً عليه أو غريباً عنه، بل هو من صلبه ومن مكوّناته، فقد كان يعرف تمام المعرفة البيئة التي يتحدّث عنها بجميع تفاصيلها وتعقيداتها وتناقضاتها، وهو لا يأتيها زائراً أو مشاهداً، بل راصداً لها وفاعلاً فيها، لذلك جاءت صوره حسيّة تلامس حياة الريف بكل إيجابياته وسلبياته.

وأعتقد أن الروائي الروسي مكسيم غوركي كان على حق حين قال: "التاريخ لا يكتبه المؤرخون، بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان"، فقد كان "أبوگاطع أبو جبران" هو مؤرّخ الريف، حيث عكست رباعيته " الزناد، بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد" حياة الفلاّحين والشيوخ والإقطاع والسراكيل والنساء والعشق والحب المحّرم والظلم والقسوة، والعادات والتقاليد الاجتماعية وزيف بعض رجال الدين وخداعهم. ولولا "أبو گاطع"، لضاع هذا الجزء المهم من تاريخ الدولة العراقية، وللدقة لضاعت إحدى الرؤى لها، والتي يمكن مع رؤى أخرى تكوين صورة شاملة ومتعدّدة الألوان للريف العراقي.

ولأنّ ما كتبه "أبو گاطع" لا يزال راهنياً، بل يمثّل جزءًا من حياتنا اليومية، فإنه لا يزال حاضراً بيننا، وأراه باستمرار في المعركة الدائرة في مجتمعاتنا ضدّ التعصّب والتطرّف والغلوّ والطائفية، وهي معركة الحداثة والحرّية وحقوق الإنسان والجمال والانفتاح واستعادة هيبة الدولة الوطنية ووحدتها، في مواجهة استمرار التخلّف والقمع والإقصاء والقبح والانغلاق والفوضى والميليشيات.

تلك هي معركة "أبوگاطع"، وهي معركة خارجية ضد الهيمنة ومحاولات فرض الاستتباع والإرهاب بقدر ما هي معركة داخلية ضد قوى الظلام والاستبداد. إنّها معركة مع الآخر وفي الوقت نفسه هي معركة مع الذات أيضاً، (النحن والأنا) لتطهيرها مما علق بها من أدران وترهات وتشويهات. إنّها باختصار معركة الحقيقة والتقدّم، وبالطبع فهي معركة كل كاتب حرّ وصاحب فكر منفتح.

إنّ استعادة الذكرى ليس تقليداً أو طقساً روتينياً بقدر ما هي مسؤولية ومساهمة في إحيائها وتخليد حياة "أبوگاطع" وفنّه، وهي دعوة للنّقاد في تناول أعماله الإبداعية، سواء الروائية أو حكاياته وأقصوصاته وبعض مقالاته الصحافية، والكتابة عنها وعن أسلوبه وسخريته وتهكّمه الممزوجين بالحزن، من خلال مقاربتها بدراسات مقارنة عربية وأجنبية، كما لا بدّ لنا من تشجيع طلبة كلية الآداب والإعلام والدراسات الإنسانية والثقافية عموماً، كتابة أطروحات أكاديمية عنه في الجامعات والمعاهد العراقية والعربية.

وإذْ نعيد استذكار الراحل "أبوگاطع" سنوياً، فإننا سبق أن دعونا الجهات الرسمية وغير الرسمية، لا سيّما الثقافية والإعلامية، بما فيها اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين ونقابة الصحفيين العراقيين، إلى إطلاق اسم "أبوگاطع" على مؤسسة أو ساحة عامة أو حديقة أو قاعة، وتخصيص جائزة باسمه تقدّم للمبدعين من الشابات والشبّان، وإقامة تمثال في مكان عام أو في مدخل إحدى المؤسستين، يليق به وبفنّه وإبداعه وبالأدب والإعلام العراقي وبتاريخه النضالي، الذي قدّم له حياته.

"أبو گاطع" الذي رحل قبل ثلاث عقود ونصف من الزمان، لا زال يعيش بيننا، نحدّثه ويحدّثنا، نستمع إلى قهقهاته وإلى أنّاته، ونتحسّس عمق جرحه وألمه من طرف ابتسامته الساخرة.