رؤية استراتيجية لعالم جديد يتشكل- التيه والعبثية

صباح علي الشاهر

 

لقرون عديدة كان مصير أمم وشعوب آسيا وأفريقيا يحدده الأغراب، الذين زعموا بأنهم جاؤوا محررين أو منورين وإذا بهم مستغلين ، ناهبين.. رسموا خرائط ملغومة للمنطقة ، وقضوا على إمكانية التواصل بين أممها وشعوبها .. كانت وجهة أي بلد أفريقي أو آسيوي أوروبا، فالرحلات  تنطلق منها إلى أوروبا ، كانت أول سكة قطار هي سكة قطار بغداد برلين ، والذي سُمي فيما بعد ( أكسبريس الشرق) في حين لم ينشأ أي ربط سككي بإتجاه الشرق ، ولا حتى بين الدول بعضها مع بعض، الدول العربية مثالاً ، فالعراق لايربط بإيران شرقاً ، ولا بسوريا والأردن ، والجزيرة العربية غرباً ، وإذ ربط شمالاً بتركيا فلأن تركيا محطة للوصول إلى أوربا . ومصر لا تربط بليبيا ، ولا ليبيا بتونس والجزائر ، ولا الجزائر بالمغرب .  وإن وجدت في مرحلة ما سكة قطار الحجاز لربط سوريا بالحجاز، فإن الإهمال والإندثار سيكون نصيبها ، وكانت المطارات تحمل المسافرين بأتجاه الشمال الغربي إلا ما ندر، أما الأساطيل التجارية فوجهتها أوروبا أو أمريكا، تنقل المواد الخام رخيصة الثمن ، وتأتي بالمواد المصنعة غالية الثمن . لا توجد حتى الآن ، وبعد الإستقلال الشكلي للدول العربية ، خطوط ملاحة بحرية لنقل المسافرين بين تونس وليبيا ، وموانيء الجزائر والمغرب ، والإسكندرية والموانيء السورية واللبنانية ، لكن النشاط البحري لنقل المسافرين شغال بأقصى درجة بين موانيء الشمال الأفريقي وموانيء أوروبا ، وبين موانيء الساحل الشرقي من البحر الأبيض المتوسط وبين موانيء الشمال ، والمثير للعجب أن مثل هذا النشاط ينعدم حتى بين موانيء ما يُسمى بدول الخليج العربي، إلا من بعض المحاولات الخجولة التي هي عبارة عن مشروعات  سرعان ما تدفن .

إذا أراد بعضنا أن يدرس ذهب إلى الغرب، وإذا أراد أن يسوح ذهب إلى الغرب، وإذا أراد أن يتعالج ذهب إلى الغرب، وإذا أراد أن يتاجر ذهب إلى الغرب، وإذا أراد أن يهرّب خيرات بلاده أرسلها إلى الغرب ، وكان الغرب يحدد مصائرنا من أبسطها حتى أعقدها، ويحدد لنا حكامنا وأنظمتنا ، وقوانيننا ، وقيمنا، ليس هذا فقط بل يهندس لنا أذواقنا، ومع توالي السنين تكرس شعور الدونية عند أغلبنا، فأصبحنا نقر في دواخلنا أننا أمم وشعوب متخلفة ، تعيش على الهامش ، ولا إسهام لها قط في الحضارة الإنسانية، وأن لا سبيل لنا إلا الإنصياع للغرب والذوبان فيه ، والنهج على منواله ، والقبول والإقرار بالتبعية له .

يعود الفضل لثورة يوليو المصرية وقائدها عبد الناصر في كسر هذا الإحتكار ، والإتجاه إلى دول كان من المحرم الإتجاه إليها سابقاً ، وتبعته بعد هذا ثورة تموز العراقية وقائدها قاسم ، ولعل هذا من جملة الأسباب التي جعلت الغرب وأمريكا يشيطنون الثورتين وقائديها ، ويناصبونهما العداء حتى النهاية .

أتذكر، أننا عندما كنا صغاراً كانوا يدرسون لنا جغرافية بريطانيا الإدارية والاقتصادية ، كنا نعرف أي المدن البريطانية التي تشتهر بالنسيج، وأيها بالتعدين ، وابرز موانئها،  وأهم مدنها بعد لندن ، ويدرسون لنا تأريخ ملوك بريطانيا، نعرف ونحن صغارا جورج السادس، و فيكتوريا ، واليزابيث الأولى، وآرثر ، وهنري، لكننا لا نعرف من الجزائر مثلا سوى كونها بقعة صفراء على خارطة صماء ، ولم نسمع بعبد القادر الجزائري ، ولا عمر المختار، إلا بعد أن كبرنا ، وتغيرت أحوال بلادنا،  وكنا نعرف فولتير وروبسير وتفاصيل الثورة الفرنسية ، ونحفظ عن ظهر قلب خطب القادة الفرنسيين .

 في كل الدنيا ثورات أما نحن فليس لدينا سوى ثورة الشريف حسين التي حررتنا من الدولة العثمانية ( هل هي ثورة حقاً ، وهل هي من حررتنا؟!) ، لقد تناهبونا بعد إسقاطهم للإمبراطورية التي كانت مريضة ، لم يحررونا ، بل إستعبدونا ، وقسمونا، وجعلونا متشرذمين، يحاذر بعضنا بعضاُ، فصلونا بخطوط وهمية أقوى من كل سور.

يجلس ضابط إنكليزي غريب عن المنطقة ليخط بعصاه على رمل الصحراء حدود دول وأوطان، لا عبثياً ، ولا وفق مزاجه، وإنما وفق تقديرات الجيولوجيين والخبراء، فتمنح خيرات الأمة لحفنة من البدو، هم أقل من فخذ قبيلة، وتحرم الأمة من خيراتها، التي ربما ستكون سبباً في رقيها غير المرغوب فيه .

وطنوا البدو الرحل، ومنحوهم أوطاناً ستكون بديلاً عن وطن إسمه بلاد العرب ، وأمة إسمها أمة العرب .

وفعلوا مثل فعلهم هذا حيثما وصلت أساطيلهم وقواتهم ، ومبشريهم ، عملوا مثل هذا في أفريقيا وأواسط وشرق آسيا، وركزوا "مسمار جحا" في وعلى تخوم كل أمة، يمكن أن تنهض يوماً ما، وتشكل خطرا عليهم، (مسمار جحا) الذي يستثمرونه ، أو يطالبون بعائديته بعد عقود ، وحتى قرون من الزمن.

ثقافتنا إعتمدت على كتب الإستشراق وتلاميذهم ، وليست كل كتب الإستشراق كتباُ علمية ، لا هدف لها سوى الحقيقة العلمية، فبعضها ، وربما أغلبها عبارة عن جحافل ضاربة تسبق أو ترافق المستعمرين، أو تكمل عملهم، والغريب أن كتب المستشرقين الموضوعين حجبت، أو لم تترجم إلا في القليل النادر، ككتب المستشرقين الروس التي ترجمت في وقت متأخر نسبياً، وبعض كتب المستشرقين الألمان المتصفة بالعلمية والحيادية إلى حد ما، في حين تسيد الساحة المستشرقين الأنكليز والفرنسيين، وكتب رجال المخابرات ، و رسائل مسز بيل، ولورانس، وآرنست رينان، ومن لف لفهم من المتعصبين.

يتبع ..