تسعون: عن الإخوان

د. كمال خلف الطويل

 

هم الآن في لجّة محنة أنزلتهم من ذروة رئاسة مصر إلى قاع اكتظاظ عشرات الألوف منهم في زرائب تدعى سجونْ ، وبتهمة "التجسس لصالح قطر وحماس" واللجوء إلى العنف ضد خصومهم وهم في الحكم ، وضد الحكم بعد أن أصبح خصمهم.

أول الأسئلة: لمَ هم في السجون، كل عقد أو دزينة من السنين؟ وسواء كان الحكم ملكياً أم ثورياً أم "غربياً" ؟ وهل هناك قاسم سلوكي مشترك يجعل أياً من في الحكم أم في "عمقه" يصاب بداء لا برء منه اسمه رهاب الإخوان؟

ولأجل الوصول إلى قدرة استشراف معقول ينبغي العودة إلى سؤال لماذا؟ لاستيفاء أجوبة عن الماضي والحاضر ، حتى يصبح الوصل بينها وبين القادم أيسر إمكاناَ.

لا، ليس هناك بالضرورة قاسم مشترك بين تلك الحقب الثلاثة من تاريخ مصر الحديث تجاه الإخوان.

في الملكية، عاشوا في سكينة متراضية مع فاروق خلال دزينة سنين عهده الأولى ، سيما وهم قد أضحوا ، مع تعاظم شأنهم، قوة توازن مع خصمه الأهم: الوفد

ما بدّل الرأي تبديلا عند فاروق كانت رعاية المرشد حسن البنا لانقلاب "جمعية الأحرار" في اليمن على الإمام الجديد أحمد حميد الدين ،عند مصرع أبيه يحيى، مما دعا فاروق وعبد العزيز آل سعود إلى الوقوف خلف أحمد ودعم تجييش قبائل الزيود الشمالية للزحف على صنعاء وإسقاط النظام الإنقلابي الوليد. كان ذلك في شباط 1948، ثم لحقه بشهور قلائل انخراط الإخوان في حرب فلسطين ونجاح سراياهم في مجهوده القتالي ، بعد إخفاق البداية ، مما جعل فاروق يتحسب من أعدادهم ليوم فرقان في القاهرة. اغتال فاروق مرشدهم وحبس خمسة آلاف من عناصرهم وسلط عليهم عسف إبراهيم عبد الهادي، رئيس وزرائه وخصمهم الأول، عبر آلة أمنية شرسة استعذبت تعذيبهم بثأرية طاغية. المفارقة هنا أن ذات فاروق ، المُلاين لعقد ونيف ، والقامع بلا هوادة  بعده ، عاد سيرته الأولى في اللين والانتفاع عام 1951 ، وإثر عودة خصمه اللدود: الوفد إلى الحكم، فأفرج عن جميع من خلف القضبان ، وطبّع الحال مع مرشد جديد كان له ضلع في استنسابه ، وأعاد المُصادر، وعادت الجماعة إلى النشاط بانتظار أفق جديد في عصر عبد الناصر، حين لاح ، في سنتيه الأولتين ، سراب ائتلاف البغية وتقارب الخلفية.

لكن فترة البنا كانت عند عبد الناصر قد انسحبت من فضاء العلاقة لتحل محلها طقوس تعامل جديدة من وضع خليفته الهضيبي تتلخص في عنوان واحد: طلب الوصاية. ولما كان عبد الناصر من قماشة لا تقبل وصاية أحد فقد أصبح شبه حتمي صدام الرجلين وما يمثلا. أحس بذلك الخطر عديد من قيادات الإخوان العقّل فحاولوا الانقلاب على الهضيبي وفشلوا ، لتراصِّ كادر الجماعة خلفه على نهج السمع والطاعة لصاحب البيعة.

وكما كان لجوء النظام الخاص إلى العنف عبر سنين فاروق الخمسة الأخيرة سمةً يسّرت قمعه وتقويضه من قبل السلطة فإن ذهاب ذات النظام أو بعضه- إلى رفع السلاح في أكتوبر 1954 بقصد اغتيال عبد الناصر كان فصل الختام لعلاقة مضطربة تسبب فيها في المقام الأول حسن الهضيبي.

ما فاقم من الصراع المفتوح والضاري كان احتماء الفارّين من قيادات الإخوان البارزة بالسعودية والأردن ومشيخات الخليج وتونس: أماكنٌ إما تحت الإدارة البريطانية أو تحكمها أنظمة لا تكن له ولنظامه إلا كل عداء. أي بكلمة، إلى ما يصفه بـ"أعوان الاستعمار".

وما زاد الطين بلّة أن الإخوان لم يكتفوا باللجوء إلى هذه الآنظمة وإنما وضعوا خبراتهم في خدمتها ضده، سيما في العهد الفيصلي (1964-1975). كانوا سواعد الحملة الضارية عليه تحت شعار أنه عدو الإسلام ، بدعوته العروبية والاشتراكية.

ما تلى عبد الناصر من عهود لا صلة له بعصره ، بل الأصح أنها تُحسب على الثورة المضادة عليه ، من أول أنور السادات إلى أخر عبدالفتاح السيسي.

السادات أخرج بقايا الإخوان من السجون وأذن لمهاجريهم بالعودة بغية أن يكونوا قوة مجتمعية صلدة ضد الناصرية واليسار، وقد كانوا.

مبارك مكث في ذات المدار مع تلون في التقريب والترهيب لتذكرتهم بالبقاء تحت خط التوتر العالي. ولما أرخى القبضة نوعا ما وجدنا وزنهم التمثيلي وقد ارتفع إلى منسوب يصعب على نظامه التعايش معه فارسل بندوله صوب الوجهة الأخرى في المرة التي تلت وكانت خاتمة عهده.

طنطاوي حاول التملص من عدم إعاقة فوزهم في انتخابات البرلمان والرئاسة لكنه سرعان ما أدرك أن مغالبة التيار لابد مفضيةٌ إلى كارثة غير مستعد لتدبرها ، فأفسح الطريق أمامهم.

ولأن استكانة المجلس العسكري كانت تعبيراً عن عجز وقتي ، معطوف على تجريبية أمريكية بادية تروم فحص مدى إمكانية التعايش مع إسلام سياسي عربي حاكم فإن التربص  بالوافد الإخواني كان ديدن المجلس العسكري من أول لحظة حكمٍ لشريكه وخصمه.

ما الذي جرى للإخوان في مصر عامي 2012-2013؟

دب الرعب في أوصال حكام الخليج - باستثناء قطر- لسبب بسيط هو أن حكم الإخوان لقطر عربي مركزي ، كمصر او سوريا أو العراق أو حتى بعيداً الجزائر ، هو خطر وجودي على الأسر الحاكمة في الخليج، أما وهمْ في المعارضات فلا بأس من تحمّلهم بل والتعامل معهم بالإيجاب هنا وهناك.

ومنذ الأول من تموز 2012 بدأ خالد التويجري بالتنسيق مع محمد دحلان - وبمعرفة كويتيية وبحرينية- ترتيب الانقلاب على الإخوان ، والتعاون من أجله مع المجلس العسكري ، ورمزه وزير الدفاع الجديد عبد الفتاح السيسي.

ما احتاجه ترتيب التويجري- دحلان ليتم فصولا كان تأمين عدم ممانعة واشنجتن له وهو ما طال انتظارا. ولم يتم حسم جوابه حتى موعد الانقلاب ذاته إذ انشطرت إدارة أوباما بين البنتاغون المؤيد له بقناعة أن الجيش هو الأداة الموثوقة لمحاربة الجهادية وأن تلك مصبٌ لمنبع الإخوان، فيما باقي أجهزة دولة الأمن القومي لم تكن ترى للإطاحة المبتسرة بالإخوان عذراً كافياً.

طيب، ما الذي مكّن هؤلاء وأولئك من تحويل المزاج العام من محبّذ للإسلاميين (تشرين ثاني 2011 شهد حصولهم على 70% من مقاعد البرلمان الجديد) إلى كاره لهم في 30 حزيران 2013؟

للتحول هذا أسباب ذاتية وموضوعية:

في الذاتي رزمةٌ تشمل: قطبية خلفية القيادة الإخوانية بما تعنيه من ميل لصوابية مستحكمة لا تحفل كثيرا بالغير.... عدم اكتفائهم بأغلبية برلمانية مع ترك الرئاسة لصديق لا لمنتمي... ثم لما نالوا الرئاسة بالكاد لم يُروا حس شراكة مسؤول يُشرك مخالفيه معه في أول تجربة حكم مدنية... تراجع المستوى الحرفي لكوادر الإخوان عن سابقيهم من أجيال لجهة الخبرة والمران والرؤية... غياب برنامج عمل واضح القسمات في أي من جوانب الشأن العام: الاقتصادي-الاجتماعي بالذات... تبني نموذج رأسمالي النزوع في بلد اشد ما يحتاج إلى تنمية مخطّطة ودولة رعاية.... إنصات إخوان مصر لتحريض أقصر فروع الإخوان نظراً، اي السوري ، على دعم العنف المسلح في سوريا... جبن الإخوان أمام نبذ حكام الخليج لهم وعملهم ضدهم مقابل تنمّرهم المتزيد الاخوان- على إيران... ألخ.

هذا في الذاتي، أما في الموضوعي فما من شك أن نذر التربص والتوعد بدأت في التجمع منذ اللحظة الأولى من سنتهم لتشكل بها ومعها عواصف برق ورعد ثم نار في عام واحد.

فإذا جمعنا عبد الفتاح السيسي مع خالد التويجري ومحمد دحلان، وإذا أضاء لهم البنتاغون بالأصفر فالنتيجة هي انقلاب ...

 لكن الأهم هو كيف استطاع أصحاب الانقلاب تهيئة الفرشة الشعبية له ؟

 الإعلام هو السلاح الماضي الذي أنزل بالإخوان أم الهزائم ، معطوفاً على افتعال مشاكل معيشية حتى تبدو من "شر أعمالهم"... وكله وفي الخلفية إشكالاتهم وقصوراتهم المبينة أعلاه، وفي خلفية الخلفية قوىً معاديةٌ لهم بطبيعتها ، وممن لم يستطع الإخوان ترطيب المناخ معهم لعلّة فيهم، اي الإخوان. الكلام هنا بالتحديد عن اجترارهم المسّ بعبد الناصر (وما أدراك ما الستينات ... تكريم أنور السادات ... وترفيع جلال هريدي إلى فريق).

لقد تحالف ضد الإخوان كل من عاداهم، حالٌ ندر أن وصلت إليه قوة مجتمعية سيما وهي بحجم وتاريخية ووزن الإخوان... في هذا الاجتماع ذاته أكبر الدلالة على عورٍ شديد أصابهم ، مكّن سويةً كل هؤلاء من التألب عليهم. صحيح أن التحريض متقَن وأن الرأي العام المصري قد عُرف تاريخياً بسلاسة تشكله على يد إعلامه ، وأن قوة الفرض ليست عندهم، لكن نجاح الشيطنة عنى الفشل بكل معانيه.

حركةٌ عمرها 85 عاما هوت على وجهها وكأنها من وزن الريشة ... حالٌ لم يكن حالها في كانون أول (ديسمبر) 1948، ولا في تشرين أول (أكتوبر) 1954 ولا في أيلول (سبتمبر) 1981.

يُحسب للإخوان أن عامهم 2012-2013 لم يشهد عسفاً أو صلفاً فوق العادة... لكن ما أحسبه أحد أهم مقاتلهم كان وسواس عبد الناصر عندهم... والذي تبدّى في فضائياتهم وفضائيات حلفائهم ، تطحن وتعجن في اسطوانة مشروخة.

والحال فإن عقدة عبد الناصر هي مدعاة سوء سمعتهم ما بين 1955 و 1973 عند الجمهور العربي، وكانت من صنع أيديهم، فهم ، ما بعد صدام 1954 ، قد ضيّعوا كل فرص طي صفحةٍ مع عبد الناصر: لا في باندونغ نيسان (أبريل) 1955 ، ولا كسر احتكار السلاح-أيلول (سبتمبر) 1955 ، ولا في تأميم القنال تموز (يوليو) 1956 ، ولا في العدوان الثلاثي تشرين ثاني (نوفمبر) 1956 ، ولا في إقامة الوحدة المصرية-السورية  شباط (فبراير) 1958. بل جمَدوا على موجودهم لابثين في شرنقة العداوة والثأرية. هذا عمن في السجون. أما أولئك الذين تسرّبوا للخارج فنراهم دخلوا في خدمة بِلاطين متحالفين مع الغرب ، وتعاونوا مع بورقيبة المعروف بنفوره من الإسلام. لكن ثالثة الأثافي كانت صلة كبيرهم في الخارج ، سعيد رمضان ، مع العديد من أجهزة المخابرات الغربية ، وتعامله الوظيفي معهم. 

ولعل إضاءة على تناولٍ مغاير لـلإخوان لمسألة عبد الناصر تشرح معنى طي الصفحة: هو الفرع السوري ما بين 1958 و1967... تبّنى الوحدة وعارض الانفصال ، وحاول مراقبه السباعي التوسط بين مكتب الإرشاد المسجون وبين عبد الناصر ، وامتنع خليفته العطار عن الإتيان بكلمة سوء واحدة عنه.

وعكس الشائع عن أن هزيمة 1967 أطلقت العنان لعنقائية إخوانية فإن وقائع الحوادث تجيب بأنه نعم .. لقد أحيت تقرباً من الدين حميم لكن ذلك لم يعن صحوة الإخوان، بل لعل الأصح أنهم أوشكوا على الإنقراض مع رحيل عبد الناصر.

كان رضا أنور السادات بعودة منفييهم ، وبالإفراج التدريجي عن المتبقين في السجون (وكانوا مئات) وفق رغبة أبداها الملك فيصل في حزيران (يونيو) 1971 هي ، من جهة ، لانعدام خشيته منهم ، ومن جهة أخرى ليكونوا -على ضعفهم- قوة تواجه من يريد السادات تهشيمه ، أي سيرة عبد الناصر .. وهو ما كان غب الطلب عند ثأريتهم.

كانت قد بدأت في الظهور جماعة شباب إسلامية ولدت من رحم تيسير السادات لها من قبل تشرين أول (أكتوبر) 1973، ومن وحي "إيمانيات" تشرين أول (أكتوبر) ذاته. هؤلاء الشباب كانوا قد تبرعموا وبزغوا مع صيف 1974 وأخذهم ذلك إلى جدل: هل نحن أهلٌ لأن نواصل وحدنا نحن الشباب أم هو أجدى لنا أن نبحث عن قيادات خبيرة؟ انقسم الجمع بين "بحري" وجدت ضالته في ديناصورات الإخوان و"قبلي" رأى في نفسه الكفاية.

هنا كان انبثاق الإخوان الجديد، ولولا شباب جماعة "بحري" لكان الإندثار بديل الانبثاق.

والحال أن الدرس البليغ الذي خلص إليه الإخوان مع "فينقتهم" المحظوظة هو اجتناب العنف ، إذ هو من رجس الخيبات والمحن.

وفعلا كان الاجتناب تاماً، وعكسما كان الحال في أعوام 1948، 1954 و1965، وحتى حين جرّد السادات ، ومن بعده مبارك ، حملات التقليم والتأديب مرةً ومرات.

هذا عن مصر، أما في سوريا فلقد "تفوق" إخوانها في: استسهال اللجوء للعنف ، ومذهبة الصراع ، وتكرار المنازلة دونما اعتبار للدروس المستفادة.

في ربيع 64 ، وبينما قيادتهم في واد ناءٍ عما يمور في حشايا قاعدتها، قامت حفنة من متشدديهم الشباب في حماة ، مُعانةً بحماقة مسؤولي المدينة المحافظ تحديداً: عبدالحليم خدام-، بإيصال المدينة الى احتراب مسلح مع الجيش تحت راية التكفير.. ثم تعمّق الشرخ بين أهل الاعتدال وأهل التشدد في الجماعة الى أن بلغ حدّ الأخدود إثر هزيمة 67 ، ولنجد زمراً من شبانها تلتحف برداء "فتح- الشيوخ" ، والتي بدورها التحفت بغطاء فتح ، ابتغاء تلقي خبرة القتال في الأغوار والعودة بها الى سوريا تأهباً ليوم موعود. توازى ذلك مع انشطار الجسم السياسي للجماعة بين معتدلي دمشق (ونثرات من خارجها) ومتشددي سواها، فصارت الجماعة جماعتين ، ثم أضحت لحينٍ ثلاثة.

مضت سنون 70-75 وشباب التشدد أولئك ، وقد غرفوا من منهل سيد قطب الفكري مصدراً أساسياً لزاد الرأس ، يعدّون ليوم نزال. لكن مفاجأة اعتقال زعيمهم مروان حديد صيف 75 أربكت تحضيراتهم ودفعتهم الى الإسراع بخوضه منذ شباط 76 (اغتيال الرائد محمد غرة مدير فرع المخابرات العسكرية بحماة ، ومكتشف التنظيم) ، وإن بإيقاع وئيد لعامين بعد ذلك التاريخ.

لم يكن لجسم الاخوان بجناحيهم ، بل والمحايد بينهما- صلةٌ عضوية أو تنسيقية مع شباب التشدد الخارجين من ذلك الجسم (وليس بعد الخارجين عليه) ، لكن اضطراد وتيرة ووزن عملياتهم ، منذ مطالع 78 ، بعث في أوساط جناح الشمال (الأكبر والأكثر راديكالية) إعجاباً فتضامناً فتماهياً مع "الخارجين": الطليعة المقاتلة ، وصل مع خريف 79 الى ولوج ميدان العنف المسلح ، توازياً وتنافساً ، ثم تكاملاً ، مع "الطليعة".

كيف تصرفت قيادة الاخوان منذ اعتقال حديد (ثم موته في السجن بعده بعام) ؟

انتُخب "الصقر" عدنان سعدالدين مراقباً عاماً (75) ، وأُذن ل"حمائمي" فيها: أمين يكن، بالتواصل مع النظام ، مما أثمر إفراجات عدة مابين 78 و 80 ، وعهوداً بالتعايش والسكينة ونبذ "الطليعة" ، والعودة لاتفاق الجنتلمان نهاية 70- ب: "أنْ لكم الدعوة ولنا السياسة" (عقد مع جناح العطار). لكن الغلبة كانت في النهاية للصقور ، سيما وانبهار القواعد بـ"الطليعة" قد تنامى على إيقاع قعقعة السلاح ، وعلى خلفية قراءة مبتسرة للمشهد الاقليمي والدولي ، أجراها مكتب الإرشاد في عمّان ربيع 79 - وكان للأخيرة ضلع رئيس في صوغها ، مفادها أن الأسد سيرتطم بصدّام بعد اّونة (كانت عمّان تعرف وقتها ما يعتمر من شقاق داخل الحكم العراقي) , وستنشغل طهران بنزاع معه ، وسيكون غريمهم الأسد على مرمى هدف واشنجتن وامتداداتها المصرية والخليجية واللبنانية - لرفضه كامب ديفيد ، ناهيك بتململ فتح من وجوده في لبنان ؛ ومن ثم فقد دنت ساعة النزال.

هذه الذرائعية الممطوطة لحدّ الابتذال هي ذات ما فعله اخوان مصر- الخارج (ما بين 55-70) ، ثم تنظيم قطب- الداخل (64-65) ، وكأن الثأرية في الحالة المصرية هي ناموس المسلك ، فيما المذهبية في الحالة السورية هي مشعر الإتجاه.

والحاصل أن مرحلة نوفمبر80-شباط 82 السورية كانت فترة اختلاط الحابل بالنابل .. فكلٌ من عراق- صدّام ، وأردن- حسين ، وفتح- عرفات ، ومصر- السادات ، وقوات- بشير الجميل ، واّخرهم تركيا- إيفرن ، وفي الخلفية سعودية- فهد ، أسهم بدورٍ وازن في رفد التمرد الاخواني المسلح ، وكلٌ لأسبابه وليس بتنسيق بالضرورة مع سواه ، لكن أهم دورين كانا للعراق والأردن.

وبقياس صراع 79-82 على زلزال2011- لتاريخه ، يصحّ القول أن الفرع السوري للاخوان لم يتعلم منه شيئاً ، لا لجهة المُشعر ولا بخصوص القراءة: أمرٌ يثير أسئلة بلا جواب عن البون الشاسع ما بين اخوان- ماقبل 63 واخوان- ما بعدها ... هل هو البعث ؟ أم المذهب ؟ وأياً منهما كان حافز الصدام ، هل العنف سبيل خوضه ؟ وهل يبرر التحالف مع أبالسة ، وبعلم أن المحتاج يضحي تحت رحمة العاطي ؟

والحاصل ان الاخوان في عموم لم يمتلكوا بعد الشجاعة الفكرية (ومنذ 54) في صورة نقد ذاتي منهجي وأمين ، بل تفننوا في ابتداع المعاذير لأنفسهم ورمي التهم على خصومهم وتنزيه جماعتهم عن أيما خطل ، وفي كل وقت وكل مكان.

كما هو الثابت أن الذرائعية ، بلا بوصلة هادية تفصد العدو من الصديق والمحظور من الممكن ، تعدو وصفة خراب للمجتمع والكيان ، بل ول"الجماعة" ذاتها.

مثال اخوان العراق دالّ: ركبوا قطار الاحتلال الأمريكي من أول محطاته , ولبثوا في مقصورة الدرجة الأولى فيه لحدّ الاشتغال "صحوات" في خدمته , وما بدّلوا تبديلا.

في المقابل ، فما ان امتشق اخوان فلسطين السلاح ، مطلع 88 ، إلا وصنّفتهم واشنجتن خصماً لابدّ من تقويضه ، وأقلّه تحجيمه ، ولعل حصار غزة -عبر دزينة من السنين لم تنصرم بعد- برهان جليٌ على ان جُرم المقاومة عندها لا يُغتفر.

مقابل المقابل ، فإسلاميوا السودان (وهم اشتقاق من اخوانه يعود الى السبعينات) ناسوا بين دعم مقاومة أقرانهم في فلسطين وبين مصالحة أعدائهم والأمة - في تل أبيب , طلباً لمرضاة واشنجتن ، والتي لأجلها تعاونوا في "الربيع" الليبي وتطوعوا في الحرب اليمنية.

أكثر منهم اخوان ليبيا ، الذين قاتلوا تحت بيارق الناتو عام 2011 ، وتباهوا به -وبائتمارهم بقيادته - حتى عنان السماء.

بزّ أولئك في الأداء اخوان سوريا، الذين لم يكتفوا بالعمل مع حلفاء"اقليميين" لها بل وتخادموا مع وسائط واشنجتن المباشرة ، من الشمال والجنوب ، ولسنوات ست لم تنقضي بعد.

يكاد المرء أن يخلص الى نتيجة فحواها ان المناعة "الوطنية" لكثير من فروع الاخوان معطوبةٌ بفعل تملّك مذهبِ "مباحٌ توسّلُ كل الدروب" ذهنها الجمعي.

ولعل حكايا "التواطؤ" بين واشنجتن وبين الاخوان منذ 2009 تُغفل التفريق بين تجريبية رهانٍ للأولى على الثاني يبتغي مرامٍ أربع: وضع اسلام سني عربي في وجه اسلام شيعي ايراني ... قناعة أن الاسلام السياسي هو ترياق الجهادية ... تشكيل قطب اسلامي يصوّب على مسلمي روسيا والصين ... وترويض الاسلام السياسي السني ليمضي الى صلح اسرائيلي ؛؛ وبين توافقٍ على الأهداف والسبل بين الطرفين ، ومثال مصر2011-2013 مُعين: فالرئيس الإخواني زار روسيا والصين ولم يأت الولايات المتحدة ، وراح الى طهران ولو بلسان معوّج ، واقترح رباعيةً تسوّي الصراع السوري (ثلاثة من محوره: مصر وتركيا وقطر, والسعودية الرابع) ، ووقف ولو بخفرٍ- مع حماس في حربها الثانية مع اسرائيل ، نوفمبر 2012 ، ولم تمسسه بعض لوثةٍ إلا عندما أنصت لأقرانه السوريين فأقام مهرجان "جهاد" قبل إسقاطه بأسابيع.

ماذا بعد ؟ هل غدا مستقبل الاخوان وراءهم ؟

عندي ، في عموم ، أنْ ما من سبب يدعوني لإعتقاد ذلك: لماذا ؟  ثم: ولكن !

لماذا ؟ لأن هناك دوماً حيّزٌ يملؤه الاسلام السياسي في حياة المجتمعات العربية والمسلمة ، مثَله مثَل سواه من تيارات الأمة الرئيسة ، بل وما دونها... وأي تفكير إقصائي أو استئصالي نحوه لن يغدو إلا وصفة احتراب أهلي مسلح ، بأبعاد اقليمو-دولية ، ناهيك أن تحوله عندها من سياسيٍ لعنفيّ ، وربما "جهاديّ" (وفق تعريف للجهادية صارم: مَن ذو أجندة كونية ، لا محض محلية) ، يضحي مسألة وقت.

يلزم عند هذا المفصل التوقف قليلاً عند العلاقة بين هذه الأصناف.. وأسارع لأقول أنني لست من المعتقدين بخيطية التواصل بين حسن البنا وابراهيم البدري/أيمن الظواهري ، ولا من القائلين بثنائية المنبع والمصبّ. وفي المقلب الاّخر، فلست ممن يستهويهم منطق أن السياسي هو بالضرورة ترياق الجهادي من "إسلام". بل أن لكل ساحةٍ ناموس ، ولكل مرحلة طبائع ، وأن دوري الفعل ورد الفعل أيما كان اتجاه أيهما- متساويان أو يكادا, وأن القياس ليس شارطاً (ليته!) والاستدلال غائم , وفهم المصالح المرسلة غير أكيد ... وإلا لكان ، مثلاً ، في مقدور اخوان مصر: 55-70 ، بل واخوان سوريا: 75-82 (ناهيك بإخوان2011) ، مثلاً ، أن يغلّبا العقل على الغريزة ... سيما و"أكابرهم" سعوا لذلك ، وأخفقوا ب"فضل" رعونة صقورٍ أمسكوا الدفة ، وسمع لهم وأطاع الكادر.

ولكن! ليس قبل استيعاب الدروس المستفادة ، هذه المرة ... ودوماً بعدها:

1- أن السياسة مناطْ والدعوة مناط مغايرْ ، ولا يمكن الجمع بينهما ، لذا فحلّ "الجماعة" صار أمر اليوم ، لتقوم مكانها في كل قطر- أحزاب مدنية ، بمرجعية إسلامية.

2- أن التخادم مع قوىً مغالبةٍ للأمة - وعلى مدار قرن- غير مباحٍ .. بحال من الأحوال.

3- أن اللجوء إلى العنف في أيّ وكل قطر مجتثٌ من قاموس أحزاب الإسلام السياسي إلى الأبد ، ومهما كانت المعاذير.

4- أن العدو المركزي للأمة هو المشروع الصهيوني في فلسطين ، ونقطة.

5- أن المساهمة الفاعلة في نزع تفعيل خط الفالق السني- الشيعي من أوجب واجبات تلك الأحزاب. في الصلب، نأي أحزاب الاسلام السياسي ، سيما في في الأقطار المتنوعة مذهبياً ، القاطع عن تفعيل الهوية المذهبية وتجميع الناس وفقها ، وعن الرقص على شقوق انقسامات الإسلام المذهبية.

6- أن إبطال مرجعية سيد قطب الفكرية (مرحلة ما بعد 54) ركن أساسي في تخليص أحزاب الإسلام السياسي من براثن الفسطاطية الخلاصية ، ووحدانية صوابيتها.

7- أن التعافي من وسواس عبدالناصر برهانُ أن أحزاب الإسلام السياسي قد برئت من وصمة الذُهان النفاسي الجمعي ، وتصالحت مع مرحلة ما كان ينبغي لسلفها أن يكون على الشاطئ الاّخر منها.

8- أن الوقت قد حان لمراجعة نقد ذاتي هادئة وجسورة لمسار"الجماعة" منذ 54.

9- أن يكون ديدن أحزاب الإسلام السياسي تقديم روئً وبرامج برامج سياسية جادة لأزمات مجتمعاتها، وعلى قاعدة أن إسلامية مرجعيتها ليست مرادفة ل"إلهية" منتوجها , ولا مقابلةً ل"جاهلية" رؤى خصومها في السياسة.

10- أن تدرك أن تنوع المشارب الاجتماعية للناس حقيقةٌ لا ينبغي التضييق عليها بسلاسل وأطواق.

في قراءتي أن رجحان البقاء ، إنْ وإنْ فقط- تزاوج بالشرائط ، كفيلٌ بجعل مستقبل"الاخوان" .... أمامهم ، ولو بلغوا التسعين.

5 إيلول 2017