الحريري يستقيل من السعودية وإعداد "المحيط العربي" لمهمة خطيرة

صائب خليل

 

 

4 ت2 2017

 لا يفضح التوابع في العادة أنفسهم بهذا الشكل الهزلي، لكن سعد الحريري تجرأ على فعلها وأعلن استقالته من منصبه من دولة أجنبية، وكأنه مطارد إثر انقلاب في بلده! (1)

الرئيس ميشال عون، الذي تفاجأ من هذا التصرف، قال بطريقة تعبر عن الإحراج أنه ينتظر عودة رئيس الحكومة سعد الحريري، إلى بيروت، للاطلاع منه على ظروف استقالته! (2)

وكانت الحجج التي أعطاها الحريري تتلخص في قضيتين، الأولى انه "مهدد بالاغتيال"، والثانية أن "حزب الله يفرض أمرا واقعا في لبنان بقوة السلاح، فهو الذراع الإيراني في لبنان والدول العربية ويخطف البلد".

أما بالنسبة لقصة اغتياله فيفترض به، وهو رئيس حكومة، ان يستخدم ما لديه من قوة لمنع هذا "الاغتيال"، وحتى أن يخاطر بحياته إن تطلب الأمر، بدلا من الهرب منه. لكنه يهرب فوراً، وبدون ان يملك أية أدلة ووقائع يكشفها سوى أنه "لمس" ما يحاك سرا لاستهداف حياته!

ومثل قصة استهداف حياته، لم يقدم أية أسباب محددة تبرر اعتقاده بأن "إيران تسيطر على.. القرار في سورية والعراق"، بأن يبين لنا مثلا اية قرارات اتخذتها الحكومة السورية ضد مصلحة البلد، وكانت في مصلحة إيران، ولا بين لنا كيف ان الحكومة العراقية الشديدة الارتباط بالأمريكان الذين جاءوا بها، تتبع في الحقيقة إلى إيران.

والسؤال الأهم من هذا، ألم يكن أجدر بهذا الرئيس أن يمتنع عن مقابلة مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي، والتي تمت قبل يوم واحد من زيارته للسعودية، إن كان هذا هو رأيه في إيران، علما أن لقاءات القمة لا تجري إلا بعد وجود اتفاق أولي وتحديد مصالح مشتركة يتم بحثها؟ وإن كان ذلك اللقاء قد جرى في ظروف احتجاج، فلماذا لم نسمع من أي من الطرفين ما يشير إلى ذلك؟(3)

 

كذلك لم يحدد الحريري أين استخدم سلاح حزب الله ضد اللبنانيين؟ إلا إن كان يرى لبنانيي داعش ممثلين لـ "اللبنانيين". ولو كان ما قاله صحيحاً، لقتل الكثير من حلفائه وعن وجه حق، بعد تحرير لبنان، أسوة بما جرى في فرنسا بعد تحريرها من المانيا وقتلها للخونة، حتى النساء منهم!

وفي بحثنا للسبب أو العذر الذي قد تسبب في هذه الاستقالة المفاجئة التي اعتبرها الكثير قد اصابت لبنان بضربة موجعة وهي في وضع غير مستقر، نجد الحريري ينتقد، حسب وكالة اعلام حليفة له، "‏قول روحاني أن لا قرار يتخذ في لبنان دون إيران قول مرفوض ومردود لأصحابه، ولبنان دولة مستقلة لا تقبل الوصاية".

ولم نستطع ان نجد في بحثنا مثل هذا القول لروحاني. وإن اعتمدنا على قول وردوا وافترضنا دقة ترجمتها، فأن روحاني كان قد قال "هل من الممكن اتخاذ قرار حاسم في العراق وسوريا ولبنان وشمال إفريقيا والخليج، من دون أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار؟".(4)

ومن الواضح أن "أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار" لا يعني أن "لا قرار يتخذ في لبنان دون ايران"! فالأول لا يعني أكثر من أن الوزن الإيراني لا يهمل في المعادلة، وهو ما تسعى اليه كل الدول، دون ان تدعي انها تسلب الدول الأخرى استقلالها.

وقال سعد أيضاً أن "تدخل حزب الله تسبب لنا بمشكلات مع محيطنا العربي". وهذه عبارة ملفتة للنظر بالنسبة لنا، نحن العراقيون. فقد كان التبرير الذي شاع بسرعة على صفحات التواصل الاجتماعي للحملة المثيرة للشبهات لتهافت المسؤولين العراقيين على السعودية مؤخراً، ابتداءاً من مقتدى الصدر مروراً برئيس الحكومة مصحوباً بوفد ضخم من الوزراء والخبراء في مختلف التوجهات. وقد اعترض البعض لما للسعودية من مواقف مشبوهة بالإرهاب من العراق، كان العبادي نفسه قد صرح بها عام 2016 متهما السعودية بإرسال 5000 إرهابي إلى العراق، قبل ان ينقلب ليقول بكل صلافة: العراقيين الذين يعتقدون ان السعودية تدعم الإرهاب، مخطئون!(5)

ويبقى عجيبا أن يكون أي من هذه المبررات سببا لاستقالة رئيس حكومة من منصبه وتركه بلاده حائرة وبشكل مفاجئ جداً. لذلك نتساءل بحق إن لم يكن من حقنا ان نبحث عن سبب الاستقالة عند مضيفي سعد الحريري، خاصة وان صدورها كان فور وصول سعد إليهم. وقد غمز أحد الساسة في تعليق على قول عون بأنه في انتظار أن يوضح الحريري ظروف استقالته، بأنه يظن أن الحريري نفسه لم يكن يعرف "ظروف استقالته".

مفاجأة الحريري غير المفسرة، قد تساعدنا على تفسير ما يحدث في المنطقة. ففي العراق هناك انقلاب أذهل العراقيين متمثلا بتقمص رئيس حكومتهم الذي جاء الأمريكان به، شخصية جديدة تماما على العكس من شخصيته السابقة المثيرة للشفقة، عندما كانت مهمته ان يترك كل القرارات للأمريكان ولا يحتج حتى على ضربهم للحشد والجيش الذي هو قائده، ولا على احتلال البيشمركة الأراضي العراقية وتهديم القرى وتكريدها، ويترك العراقيين يشعرون بالضياع وأنهم بلا حكومة. وبين ليلة وضحاها صار للرجل شخصية الفارس ليفتح المناطق التي احتلتها كردستان بجيشه وبدون أي اعتراض امريكي، رغم استخدامه أسلحة أمريكية، ولا مقاومة من البيشمركه التي كان الجيش العراقي ينسحب من امامها ويسلم أسلحته لها ولداعش، قبل أية مواجهة، ودون إعطاء أي تفسير لهذا الانقلاب.

وكان تفسيرنا لكل ذلك التغيير أن مشروعا يتم لتسويق "عبادي آخر" لغرض امريكي ولتأمين نجاحه في الانتخابات المقبلة. وقد اثار العبادي الشكوك بزيارته مع الوفد الكبير إلى السعودية. لكن المدافعين عنه احتجوا بأنه يريد إعادة العراق إلى "محيطه العربي"!

ما هو "المحيط العربي"، وما الذي يريده؟

نقرأ من أخبار نفس اليوم تصريحا خطيراً لوزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان، بأن "أيدي الغدر والعدوان يجب أن تبتر".(6)

إنها علامة إطلاق المشروع الجديد للمنطقة لزجها في حرب عدوانية جديدة تكون حرب الثمانينات التي اثاروها ضد إيران، نزهة بالنسبة لها، خاصة بعد تطور التسلح الإيراني الكبير، والذي تخشى إسرائيل وأميركا أن تتورط بنفسها في مواجهته المكلفة، فتشير إلى ذيولها بالتعليمات.

ومما يثير المزيد من القلق توجه رئيس أركان الجيش العراقي، عثمان الغانمي، قبل بضعة ايام إلى السعودية، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ عقود، على رأس وفد عسكري رفيع المستوى، لـ "مناقشة التحديات والظروف التي تواجه أمن وسلامة البلدين والمنطقة".(7)

لذلك فإننا حين نسمع سعد الحريري، وهو يبدي غيرته على "الأمة العربية" بتكرار وحماس، فإننا لا نستطيع إلا ان نتذكر أن هذا الرئيس لم يتعلم "القراءة العربية" إلا بعد ان نصب رئيساً على بلاده "العربية"، لضرورة الشكل. فلا يكشف مستوى اهتمام سعد بـ "عروبته"، أكثر من من عجزه المخزي عن قراءة خطاب تسلم الرئاسة، حتى أن أحد الجالسين عرض عليه ان يقرأه بدلاً منه! وهو ما يذكرنا بقراءة التهجئة لملوك المملكة التي تستضيفه، والتي لا تخفي "نظرتها المشتركة" مع إسرائيل إلى مشاكل المنطقة، مثلما يفعل سعد ومجموعته.

ونتذكر كذلك أن نغمة "المحيط العربي"، سمعناها أيضا قبل أسبوع من وزير خارجية ترمب، تيلرسون، حينما ذكّرنا بعروبتنا بدون مناسبة، مؤكداً لنا أننا "لسنا فرساً".

لذلك فعندما يتحدث الحريري والمدافعون عن الزيارات المشبوهة للمسؤولين العراقيين إلى السعودية، عن "المحيط العربي" وضرورة العودة اليه، لا نملك إلا ان نتساءل إن لم يكن المقصود بـ "المحيط العربي" هو قفص الدجاج الإسرائيلي الذي تقبع فيه الأردن ومصر والسعودية وبقية دول الخليج" لتبيض لإسرائيل الإرهاب، ولتذبح عندما يحين وقت ذبحها، وأن لبنان والعراق، وبتعليمات صادرة إلى حكومتيهما، يدفعان دفعاً لدخول هذا القفص، لغاية في نفس "سلمان"، ومن يوجه "سلمان".

 

 (1) الحريري يعلن من الرياض استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية

https://www.khabaragency.net/news91106.html

 (2) الرئيس اللبناني: ننتظر عودة الحريري إلى بيروت للاطلاع منه على ظر

http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/041120172

 (3) ولايتي يشيد بالحريري ويتوقع تحرير الرقة: إيران تدعم وتحمي استقلال لبنان وحكومته

http://www.alhayat.com/Articles/25131698

 (4) الحريري رداً على روحاني: لبنان دولة مستقلة لا تقبل بالوصاية الخارجية

http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/24102017

 (5) العبادي ٢٠١٦ : السعودية تدعم الارهاب وأرسلت للعراق ٥٠٠٠ الاف انتحاري

https://www.facebook.com/UrukNewsAgency/videos/1997689060511398/

(6) وزير سعودي تزامناً مع استقالة الحريري: أيدي الغدر يجب أن تبتر

http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/041120173

(7) رئيس أركان الجيش العراقي يتوجه إلى السعودية

http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/iraq/181020174