وأخيرا .. الوصول إلى المياه الدافئة

صباح علي الشاهر

 

 

حلم الوصول إلى المياه الدافئة لم يتحقق ، لا في زمن القياصرة ولا في زمن الشيوعية ، فهل سيتحقق في زمن فلاديمير بوتين؟

كان إنقلاب "محمد نور ترقي" في إفغانستان عام 1978حدثاً تجاوز حدود إفغانسان ، لأنه دشن مرحلة سيطرة الإتحاد السوفيتي الفعلية على البلد ، الذي توج بدخول الجيش السوفيتي إلى إفغانستان ، ومن ثم إنسحابه عام 1989 ، ثم سقوط حكم نجيب الله عام 1992 ، ودخول إفغانسان في حرب لم تضع أوزارها حتى الآن .

صحيح أن الروس لم يصلوا عند دخولهم إفغانستان إلى المياه الدافئة، لكنهم أصبحوا على بعد خطوة من تحقيق هذا الحلم، إذ لم يعد يفصلهم عن مياه الخليج سوى مناطق البلوش الباكستانية الإيرانية وهذا ما لم يكن مسموحاً به لأعتبارات عدة ، منها الهيمنة على مناطق الطاقة، وعدم السماح بخرق الطوق المضروب على الإتحاد السوفيتي ماوراء القوقاز حتى حدود الصين والهند .

لا يمكن أخذ حروب أفغانستان بمعزل عن هذا، أما الدفاع عن الدين فلم يكن سوى حجة، إستثمرتها أمريكا مستغلة أتباعها، فالشيوعية في نهاية المطاف ليست أقل إلحاداً وتغريباً من الرأسمالية، يومها كانت إيران سواء زمن الشاه ، أو زمن الثورة الإسلامية خارج التفكير ، لأنها لم تكن من المكنات ، وإلا فالطريق عبر إيران أسهل، وأقل تكلفة وأكثر أمناً وثباتاً .

بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي بدا هدف الوصول إلى المياه الدافئة بعيد المنال ، إن لم يكن مستحيلاً، فالدول التركية الست الخارجة من الإتحاد السوفيتي كانت حليفة لأمريكا ، وتعلن جهاراً عدائها لروسيا، وهي تملك ثروات تؤهلها للخروج عن هيمنة ونفوذ روسيا ، بالأضافة للصراعات فيما بينها، وبين الدول الأخرى،  فإذربيجان مثلاً كانت في صراع دموي مع أرمينيا على منطقة " ناغورنو كرباخ" التي كانت أرمينية ثم سلمتها روسيا لأذربيجان عام 1923، وأغلبية سكانها من الأرمن ، علماً أن روسيا وقفت موقفاً أشبه ما يكون بالمؤيد لأرمينيا ، أما إيران فقد وقفت مع أرمينيا ضد الدولة الآذرية المسلمة الشيعية في مفارقة غريبة ، وكانت روسيا مهتمه في إيجاد منافذ لغازها إلى أوربا أكثر من إهتمامها بالوصول إلى المياه الدافئة، وكانت تعاني من عرقلة خططها من قبل من كانوا في منظومتها ، حيث رفضت بلغاريا السلافية مد خط الأنبوب عبرها ، مما جعل الروس يفكرون في إيجاد طريق آخر أطول وأكثر كلفة ، فتم إختيارهم للسيل الجنوبي المار بتركيا بعد تحسن العلاقات بين تركيا وروسيا إثر محاولة الإنقلاب التي قيل أن لأمريكا يد فيها .

لهذه العلاقات المتحسنة بين تركيا وروسيا تأثير إيجابي على موقف أذربيجان من روسيا ، وكذا إيران، فإذا أضيف لهذا تعاون الدول المشاطئة لبحر قزوين إقتصادياً ، ووضع خطط التنمية المشتركة التي نجحت وأثمرت، وأقنعت هذه الشعوب بجدوى التعاون البناء كبديل ناجح للإحتراب والصراعات، وهو ما تدعوا إليه القوى البعيدة عن المنطقة، إضافة إلى طبيعة السلطة الحاكمة في إذربيجان ، فإلهام علييف هو إبن السياسي الشيوعي السوفيتي الكبير حيدر علييف، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي ، والرجل الذي كان من الممكن أن يكون رئيسا للإتحاد السوفيتي لولا ظروف وإعتبارات خاصة، ولذا فإن خلفية الرئيس الآذري "إلهام" وكذا بقية السياسين الأذربيجانيين والعسكر أكثر ميلاً للتعاون مع روسيا وريثة الإتحاد السوفيتي الذي كانت دولتهم عضوة فيه، بالإضافة إلى نهج التعاون الذي خطته حكومة إيران، وسعيها لفك الطوق الذي تفرضه أمريكا عليها، وسعيها لتوطيد حلفها غير المعلن مع روسيا، خصوصاً بعد نجاحات تعاونها معهم في سوريا، والأكثر أهمية من كل هذا أن خططاً تخدم تطور البلدان المعنية وتعاونها وتكامل الخدمات فيما بينها أمور تنعكس إيجابياً على مستويات معيشة الناس، ونجاحها يكاد يكون شبه مضمون .

من بندر عباس حتى كوبنهاغن مروراً بموسكو خط سيغير معطيات كثيرة ، خصوصاً وأن الهند ليست بعيدة عن هذا الأمر ، فموانئها الدافئة أيضاً ستكون جزءاً مكملاً لهذا الإنجاز ، ولا تسألوا عن الصين و" طريق الحرير" فذاك أمر آخر يضاف إلى أوراسيا التي سترى النوزر لا محال ، وربما أقرب مما يتصور أكثر المتفائلين تفائلاً .

التفاصيل الأخرى، على أهميتها تبدو تحصيل حاصل ، كالتبادل التجاري بالعملات المحلية ، وهي ضربة معلم توجه لجبروت الدولار، بعد موقف الصين وروسيا بالتعامل بالعملتين الوطنيتين في تبادلهما التجاري .

هل يقف العالم القديم صامتاً أمام معطيات كهذه ، وهل تستسلم أمريكا وأوربا لعمليات زحزحتهما من مواقعهما ؟

ربما لن نتتظر كثيراً لمعرفة الرد ، الذي سيكون بداية بمن يتخيل أنه الأضعف ، وهو في هذه الحالة إيران.. هل سنشاهد تجيشياً عقائدياً ودينياً ، يذكرنا بما واجهته إفغانستان الديمقراطية سابقاً ، وبما واجهه الإتحاد السوفيتي ، أم أن الأمور تغيرت كثيراً ، وكما يقال " سبق السيف العذل " و" لات مناص "