الانقلاب السعودي والحرص الذي أذل أعناق الرجال

محمد عبد الحكم دياب

 

 

يبدو أن المشير وقع في أسر تزييف تولاه مواطنوه الشرفاء، الذين حجبوا عنه موقف المواطنين منه وسخطهم عليه، وأوقعوه في وهم الشعور بالتميز والإعجاب الزائد بالنفس، فلا يرى غير نفسه. وهذا يذكرنا باسطورة إغريقية اتخذ منها عالم النفس الشهير سيغموند فرويد أساسا لواحدة من أهم نظرياته في التحليل النفسي، وساعدته على اكتشاف النرجسية، وهي عقدة تصيب نمط من البشر؛ معجب بنفسه إلى حد الهوس، فينسى نفسه، ولا يستمع للناس، وينسلخ عنهم ولا يأبه بهم ولا بأقرب الناس إليه، وتنتهي هذه الحالة بالموت.

تقول الأسطورة أن نرسيس كان صبيا إغريقيا فائق الجمال؛ ذهب ليشرب من ماء البئر، وشده انعكاس صورته على صفحة الماء فانبهر بروعتها وجمالها، فتسمر مكانه، ممعنا فيها طويلا حتى أسكره الجمال، واستمر يتفحصه حتى أصيب بالدوار فسقط في البئر ومات غرقا.

والمشير لا يرى من الدنيا إلا المال، وأنساه قدرات الناس وملكاتهم ومواهب البشر وعبقريتهم، التي لولاها ما تقدم مجتمع ولا ظهر ابتكار ولا وصل لاختراع، أو ارتقى بشر. والمشير لا يعرف قدرات شعبه العقلية والذهنية، ولا إمكانيات بلده الطبيعية والبشرية والمناخية، ولو كان يعرف لصنع منها أرقى ما يمكن إنتاجه، ولاخرج من شعب؛ شهد له الماضي والحاضر، وكان عليه التقدم للمستقبل لولا السجن الكبير الذي وُضِع فيه، وتعرُّضه الدائم لمهانة السؤال والاستجداء من كل من هب ودب. ودون حرص أدى إلى تبديد الأموال بسرعة البرق، ثم نجد المواطنين الشرفاء يتحدثون عن إنجازات يراها المشير ولا يشعر بها المواطن، والمشير مغرم بما هو أجنبى ويُحقر ما هو وطني، ويفضل الاستيراد على الانتاج، وعرق جبين المواطن وجهده. ويرى في الغريب؛ الخواجة بالتعبير الدارج كل التميز والكمال، أما المصري والعربي ففيه كل العيوب والقصور، وليراجع القارئ ما قاله المشير أمام الرئيس الفرنسي في الزيارة الأخيرة لباريس.

وأعطانا المشير فرصة التعرف على وجه آخر لانقلاب قصر آل سعود، الذي أطاح برؤوس كبيرة من أمراء العائلة ومن الوزراء وكبار رجال الدولة ورجال الأعمال؛ ذلك الانقلاب بدأ من القاهرة.

ولنتذكر وفاة الملك عبد الله ابن عبد العزيز، التي فاجأت كثيرا من المراقبين داخل المملكة وخارجها، وأذنت بتحول جذري في مجرى علاقات العائلة السعودية، وكانت تنتظر حسم قضية الوراثة، إما بقوة الحكم والسياسة إذا أمكن، أو بحد السيف والبيعة؛ إذا لم يكن الخيار الأول ممكنا، فيُنقل العرش لجيل الأحفاد بعد غياب الآباء، والقلة المعمرة شاخت، وحان وقت مغادرتها لمواقعها إلى أبناء الأبناء من زمن، وظروف منافسة اشتدت بين الشباب، لكسر نظام الوراثة الساري. 

ويبدو أن الملك سلمان اعتقد أن مربط فرس الملك القادم في القاهرة، ويعلم أن المشير على علاقة وطيدة بالرياض منذ ما قبل تعيينه ملحقا عسكريا بها، وذلك أتاح له فرصة الاقتراب من مراكز القوى المحصنة داخل قصور الحكم، وما لها من خبرة تاريخية وآنية بمسؤولين مصريين كبار، وقصة علاقة السادات والشيخ كمال أدهم ما زالت عالقة في أذهان المخضرمين، وكان السادات يعرف وزن الشيخ؛ صاحب المكانة القوية، واقتران أخته غير الشقيقة الملكة عفت بالملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، ويعلم أن الشيخ أدهم مؤسس المخابرات السعودية، ويتولى مهمة التنسيق الإقليمي لأنشطة المخابرات الأمريكية في الشرق الأوسط، وتفاصيل علاقته بالسادات نشرتها صحيفة الوأشنطن بوست عام 1977 بعد أزمة ووتر غيت، التي أدت لعزل الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون.

بدت هناك نية مبيتة مع اعتلاء الملك سلمان عرش السعودية في كانون الثاني/يناير 2015، واتضحت من تصريح مكرم محمد أحمد نقيب الصحافيين الأسبق، لقناة صدى البلد؛ قال فيه: أن مصر تبذل ما فى وسعها لإرضاء المملكة العربية السعودية، وأصر السعوديون على إتمام تسليم تيران وصنافير، أولاً قبل أن تهبط طائرة الملك سلمان فى مطار القاهرة، وساعدت تصريحات نقيب الصحافيين الأسبق في تفسير ما غمض بشأن التنازل عن الجزيرتين، وما جرى من توتر في العلاقة بين المشير والملك؛ عقب تصويت مصر لصالح مشروع روسي مقدم لمجلس الأمن؛ خاص بسوريا، ووقف شحنات متفق عليها من النفط إلى مصر؛ كرد سريع ومباشر على الخروج عن بيت الطاعة السعودي!!.

وبدا المشير مرتبكا في تعامله مع الملك سلمان، الذي وجدها فرصة لتعزيز وضع نجله الأمير محمد، وكان وليا لولي العهد محمد بن نايف، في وقت كان العمل لإعداده ملكا تجري على قدم وساق.. وكانت الظروف غير مواتية لتعقيد الأوضاع العسكرية والميدانية في سوريا، وكانت قد تحولت إلى ميدان حرب عصابات عالمية جاءت من كل فج، وأتى الدعم الروسي فغير المعادلات على الأرض، وتدهورت أحوال تنظيم داعش، وخرج من أغلب المناطق التي سيطر عليها في سوريا والعراق.

ونزيف اليمن لم يكن قد أذن بعد بنصر حاسم لـعاصفة الحزم، وبحثت الرياض عن نصر سهل، واختارت ما تصورته الجبهة الأسهل؛ الجبهة المصرية، وتمكنت من الحصول على تنازل عن جزيرتي تيران وصنافير؛ تأييدا لموقف الملك القادم، وقدمهما المشير قربانا من مصر، التي تبذل ما في وسعها لإرضاء المملكة العربية السعودية، وهو تصريح سبقت الإشارة إليه.

وكانت الجبهة الأسهل رائدة في مرحلة تحرر القارة العربية من الاستعمار، وكان مهيمنا على مجمل بلدانها، ومضحية في تحرير افريقيا وتخليصها من التمييز العنصري، ومسانِدة لحركات التحرر العالمية، ومشارِكة في تأسيس التضامن الآسيوي الافريقي ومؤتمره في باندونغ 1955، وتطوره لـحركة عدم الانحياز، وعقد مؤتمرها الأول ببلغراد في 1961؛ بحضور 29 دولة، ومؤتمرها الثاني بالقاهرة 1964، ووصل عدد أعضائها مئة وثمانية عشر عضوا في عام 2011.

أهدى الملك سلمان انتصاره لنجله؛ الملك المتوقع؛ لكن المشاكل تعقدت مع انحسار الدور الأمريكي عن القارة العربية، فارتبكت دولها؛ وركزت على مصالحها الخاصة وأولوياتها دون انتظار واشنطن، التي قد لا تأتي، ووضعت السعودية على رأس أولوياتها مواجهة إيران والتصدي لنفوذها المتنامي، وتركزت أولويات المشير على إنهاء الوجود الفعلي للإخوان المسلمين.

وذكر تسفي مزئيل السفير الصهيوني السابق في القاهرة أن موقف الطرفين السعودي والمصري من جماعة الإخوان المسلمين تسبب في فتور العلاقات بين الدولتين. وقال مزئيل في مقال نشره منذ أكثر من عام أن المصلحتين السعودية والمصرية تصادمتا حول سوريا. فالرياض مع التنظيمات المسلحة وفيها جماعات إخوانية، وينطبق ذلك على دعم الرياض لحزب الإصلاح الإخواني في اليمن، والمشير يتحسب لسقوط الدولة السورية ويؤيد الموقفين الروسي والإيراني في هذا الصدد، وفي ليبيا يجري الاقتتال بين جماعات مسلحة؛ بعضها محسوب على الإخوان.

وما زال المشير في حاجة إلى مساعدات السعودية، وهي مساعدات ليست مجانية، وخطرها كبير على بلد يعادي حاكمه الانتاج والتنمية، ويتولى خفض مستوى المعيشة المنهار بشكل منتظم ويومي، لكن يطمع في فترة رئاسية ثانية.. فهل هذا معقول!!