المبالغة السعودية: ولي العهد يطلق النار في كل الاتجاهات

حيمي شليف

 

 

هآرتس 17/11/2017    

          عالم السفن الفاخرة ينقسم الى يخت كبير ويخت كبير جدا. أحد أكبر اليخوت الفاخرة هو "سيرين"، والذي بني في العام 2011 ليوري شفلر، الملياردير الروسي، ملك الفودكا الروسية بشكل عام والستولتسنيا بشكل خاص. يبلغ طول اليخت، الذي هو أفخم يخت بنته شركة بناء السفن الكبيرة الايطالية "بنكانتيري"، 140 متر، وارتفاعه تقريبا 20 متر. هذا اليخت مخصص لاستضافة 24 شخص في ظروف "سوبر ديلوكس"، اضافة الى 52 شخص كطاقم خدمة له. ويوجد فيه مهبطين للطائرات المروحية وبركة سباحة داخلية وبركة خارجية وسينما حديثة رقمية ومنشأة رسو للغواصات عند الحاجة.

          قبل سنتين، في الوقت الذي كان يجري فيه تقليصات واصلاحات في المملكة، نائب ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الذي اصبح منذ ذلك الحين وليا للعهد والحاكم الفعلي، قام بشراء "سيرين" من شفلر مقابل 550 مليون دولار. هذه الصفقة الضخمة التي تم عقدها بعد أن شاهد الامير اليخت الفاخر اثناء ابحاره في مياه الريفيرا الفرنسية، اثارت انتقادا كبيرا في العالم العربي، لكن هذا الانتقاد مر قبل شهرين بهدوء.

في ظروف غامضة اصطدم "سيرين" بجبل صخري في البحر الاحمر، على بعد 20 كم عن شرق شرم الشيخ. وقد تعرض لاضرار كبيرة، وفي الوقت الحالي هو خارج الخدمة. اسرائيل والولايات المتحدة عليهما الصلاة بأن لا يكون مصير يخت اللهو هذا لولي العهد السعودي يشبه الكوارث التي ستنبع من نزواته الاخرى الاكثر خطرا.

من كاره الى محب

          أمر واحد مؤكد هو أنه في المنافسة على قلب الرئيس ترامب، فان اليخت الفاخر لمحمد بن سلمان هو ورقة رابحة. بنيامين نتنياهو يعرف يحصل على الراحة من اصحاب الملياردات، لكن ولي العهد السعودي هو "الصفقة الحقيقية"، مع ثراء، وبالاساس نمط حياة يمكن لشخص مثل ترامب أن يحسده عليه. عندما يتبادلون الاحاديث حول تجاربهم مع الطائرات الخاصة، القصور الصيفية وحياة الاثرياء والمشاهير، يكون إبن سلمان متحدثا جيدا بالنسبة لترامب. في حين أن نتنياهو هو "هاو" جاء الى ناد ليس عضوا فيه.

          بنفس القدر، نتنياهو يمكنه التفاخر بالتحسين البارز في الاجواء بين اسرائيل والولايات المتحدة بعد انتخاب ترامب، إلا أن الثورة التي قام بها الامير السعودي في العلاقة بين الرياض وواشنطن، أكبر وأكثر درامية بعدة مرات. بعد كل ذلك، خلافا لثناء ترامب الكبير على اسرائيل خلال الحملة الانتخابية للرئاسة، فانه وصف السعودية بالدولة الاصولية المتطرفة تنشر سم الاسلام الراديكالي، والدولة المسؤولة عن عمليات الحادي عشر من ايلول، التي يجب مقاطعتها.

          انتخاب ترامب للرئاسة هدد كما يبدو خلق شرخ غير مسبوق في العلاقات المميزة بين الولايات المتحدة والسعودية منذ أن قام أمير شاب باسم الامير فيصل، الذي اصبح ملكا فيما بعد وهو عم محمد بن سلمان، بسحر واشنطن عندما زارها للمرة الاولى في تشرين الثاني 1943. محادثاته مهدت الطريق للقاء الشهير بين الرئيس روزفلت المريض والملك إبن سعود، الذي عقد في شباط 1945 على متن المدمرة الامريكية "كوينسي" في البحيرات المرة في مصر. وقد تم هناك وضع أسس التحالف الاستراتيجي للدفاع الامريكي مقابل نفط ودعم السعودية. هذا التحالف انتصر على اسرائيل واللوبي اليهودي في الصراع على توفير طائرات التجسس "ايواكس" في 1981، كما أن التحالف صمد في الامتحان الكبير عند غزو العراق للكويت في 1990، كما أنه حافظ على البقاء بعد العمليات الارهابية في 11 ايلول 2001، رغم أن منفذيها كانوا من المواطنين السعوديين وتربطهم علاقات متشعبة مع العائلة المالكة. ترامب، اذا حكمنا حسب تصريحاته في الحملة الانتخابية، كان يشكل خطرا واضحا، فوريا ونادرا، على التحالف الامريكي السعودي.

 وعند معرفة نتائج الانتخابات، التي فاجأت الرياض مثل العالم، بدأ إبن سلمان بحملة تهدئة واستخذاء مكثفة لترامب ومحيطه القريب. فقد التقى مع الرئيس بصورة غير رسمية، واجرى معه لقاء رسمي أول في البيت الابيض في آذار، قبل قدوم نتنياهو الى واشنطن. في هذا اللقاء اتفقا على اعادة تقييم العلاقة بين الدولتين، وهي ثورة توضحت ابعادها للانظار في الاستقبال الاحتفالي الذي اقامته العائلة المالكة على شرف ترامب اثناء زيارته في الرياض في أيار، والذي تضمنت الرقص بالسيوف.

          اثناء ملء جيوب منتجي السلاح الامريكيين بصفقات بمئات المليارات، فان ترامب ومحمد بن سلمان طرحا أمام العالم تحالف أخوي متجدد بكامل هيبته. في الغرف المغلقة، حسب المعلقين، شجع أحدهما الآخر على المضي قدما وأن يأخذ على عاتقه أخطار غير محسوبة تماما. كثيرون يخشون من أن عيونهم أكبر كثيرا مما يمكنهم استيعابه حقا.

          وكأنه لا يكفي السعودية تورطها في اليمن، الذي يعتبر الامير هو المهندس المعماري الاساسي له، والذي تسبب بكارثة انسانية ومجاعة عامة، فان السعوديين ايضا فتحوا جبهة جديدة مع لبنان وحزب الله، حول قضية اختطاف سعد الحريري الغريبة. قبل ذلك يجب أن لا ننسى أن السعوديين فشلوا في عملية طموحة جدا في عزل واخضاع قطر. وقد كان ترامب هو الذي شجع السعودية على هذه الخطوة، الى أن اوضح له مساعدوه أن الامر يتعلق بمقامرة ستكون الولايات المتحدة هي الخاسرة فيها.

          وكأنه لا تكفي الاصلاحات المباركة بذاتها، التي يريد ولي العهد السعودي اجراءها في مملكته المغلقة والبدائية، وكأن تلك ليست مهمة ثقيلة جدا أن يقوم بتطبيق برنامجه الطموح لعدم اعتماد الاقتصاد السعودي على النفط فقط في العام 2030. الامير ايضا يركل بشدة منهج التوازن والكوابح الداخلية الذي مكن العائلة المالكة من الحكم بهذه الدرجة أو تلك من الاستقرار منذ تأسيس السعودية في 1932. باعتقالاته وتطهيراته فان ولي العهد السعودي قد جمع كل الاوراق، لكن من شأنه ايضا أن يهدم كل البيت.

          في رؤيته الطموحة فان ابن سلمان يريد المضي قدما بالسعودية الى القرن الواحد وعشرين، وفي نفس الوقت أن يضعها كقائدة للعالم السني ورأس الحربة امام الفيالق الايرانية الشيعية. على هذه الخلفية فانه هو ونتنياهو قاما بالضغط على ترامب كي يزيد حدة لهجته، وحتى أن يعمل على افشال الاتفاق النووي مع ايران، هذا الجهد الذي حقق حتى الآن نجاحا جزئيا. على خلفية قلق السعوديين من ايران وعدم رضاهم عن الاتفاق النووي لاوباما، فقد ازدهرت في السنوات الاخيرة ايضا الصداقة الاستراتيجية المدهشة بين اسرائيل والسعودية، التي يجد عدد من الاسرائيليين، وعلى رأسهم نتنياهو، صعوبة في ضبط انفسهم في التحدث عنها بشكل مفصل، والتي وصف عمقها وحجمها أمس رئيس الاركان آيزنكوت في في اول مقابلة له مع صحيفة سعودية.

          ربما في يوم ما سيتبين أن اسرائيل قدمت مساعدة كبيرة للسعوديين، وفي حالة اليمن يوجد لذلك ايضا سابقة تاريخية ذات صلة: في عملية "روتب" للموساد وجهاز الاستخبارات البريطاني في 1964 قامت طائرات سلاح الجو الاسرائيلي بنقل معدات عسكرية روسية أخذت كغنائم في عملية سيناء وتم انزالها بالمظلات للقوات اليمنية الملكية، التي حاربت جيش مصر والانقلابيين. السعوديون الذين دعموا الملكيين الذين هزموا تظاهروا بعدم معرفتهم عن المساعدة الاسرائيلية، لكن في حينه كان واضحا أنهم سيوافقون على غض النظر عن "الشيطان الاصغر" من اجل محاربة "الشيطان الاكبر" والاكثر تهديدا. في تلك الايام "الشيطان الاكبر" كان القومية، المناوئة للملكية، وعروبية جمال عبد الناصر. والآن هو الاصولية الشيعية المفترسة لنظام آيات الله.

مبادرة ولي العهد

          المبادرة السياسية التي يعمل عليها ترامب وطاقمه هي محطة اخرى في حملة محمد بن سلمان، في عرضه الاول الاقليمي. الامير السعودي الذي عقد صلات قوية بشكل خاص مع صهر مستشار ترامب، جارد كوشنر، هو المسؤول الاول عن امتناع الرئيس الامريكي عن نقل السفارة الامريكية الى القدس. وهو ايضا الذي حث الادارة الامريكية على عرض خطة سلام اقليمية تشمل تطبيع واسع بين اسرائيل والدول العربية السنية، لكنها ايضا اطار اساسي لايجاد حل للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني. عندما يقوم ترامب ومساعدوه ببحث المبادرة ومحاولة بلورة صيغ لا يتم رفضها من قبل أحد الاطراف، فهم يرون امام اعينهم طوال الوقت الامر الاساسي وهي عدم احراج العائلة المالكة السعودية. نحن لا نقامر كثيرا اذا قدرنا أن ابن سلمان السعودي يعرف تفاصيل الخطة المتبلورة في البيت الابيض أكثر من بن تسيون الاسرائيلي.

          الامير السعودي يقامر بكل ما لديه. هو ينثر عشرات الرصاصات في الجو في نفس الوقت. إن كل انزلاق، ومن ضمنه مبادرة سلام تظهر السعوديين كمن باعوا الفلسطينيين مقابل ثمن بخس، من اجل أن يكتشفوا بشكل علني زواجهم الفاخر مع اسرائيل، يمكن أن يؤدي الى معارضة شديدة ترجح الكفة وتضعضع في نهاية المطاف المملكة، لهذا فان أي مبادرة امريكية ستستند بالضرورة الى المبادرة السعودية من العام 2002 في احدى نسخها. من اجل أن لا ينفجر الشرق الاوسط بضحكة جماعية، يجب على المبادرة الامريكية أن تتطرق الى اقامة الدولة الفلسطينية، وحدود ثابتة، ومستقبل المستوطنات وربما حتى القدس.

          ليس مهم كم سيفاجئنا الامريكيون بحلول ابداعية استهدفت تربيع الدوائر، وليس مهم بأي درجة سينجح السعوديون في اخضاع محمود عباس كي يكون ولدا طيبا وأن يجلس بهدوء في الزاوية، وبدون أي علاقة مع الجبال والتلال التي سيتعهد بها الامريكيون والسعوديون لاسرائيل مقابل موافقتها، لا يوجد وضع يستطيع فيه ترامب أن يسحب مبادرة لا تؤدي بسرعة وبالضرورة، الى تفكك الائتلاف. البطانية أقصر من أن تغطي المبادرة التي يمكن للسعوديين التفاخر بها، لأنها يجب أن تكون مقبولة ايضا على نفتالي بينيت والبيت اليهودي والمستوطنين واجزاء كبيرة من الليكود.

          في الوقت الحالي ليس من الواضح تماما متى سيتم طرح الخطة الموعودة. في الظروف الحالية حيث يتم شم رائحة صندوق الانتخابات، فمن المعقول الافتراض أن ازمة ائتلافية لن تؤدي الى تشكيل حكومة بديلة، بل الى انتخابات جديدة، يتنافس فيها نتنياهو أو لن يتنافس، هذا يتوقف على تطور التحقيقات معه، وأن يفوز أو لا يفوز، هذا يرتبط بقدرته على استغلال الوضع الامني المتصاعد لصالحه، أو عملية سياسية مهددة، أو كلاهما معا. بهذا المعنى، فان مبادرة امريكية جديدة يمكنها أن تخدم جيدا مصالح نتنياهو، وربما هذا ايضا يأخذه الامريكيون والسعوديون في الحسبان.

          في توقيت سليم وبادارة محكمة يمكننا أن نرى نتنياهو يذهب الى الانتخابات بقبعة مزدوجة باعتباره الشخص الوحيد الذي يستطيع الوقوف أمام ضغوط ترامب، لكن ايضا باعتباره الوحيد القادر على جذب اليمين الى اتفاق. يمكن أن نكون على يقين بأنه في اللحظة المناسبة سيدعي نتنياهو أنه أمام القضايا المصيرية الحاسمة التي تقف على رأس الاجندة، من مواجهة مصيرية مع ايران الى اتفاق تاريخي مع الفلسطينيين، فقط المتآمرون والخائنون يمكنهم الاستمرار في التمسك بتقديمه للمحاكمة بسبب الشمبانيا والسيجار. أين هؤلاء أمام مستقبل الشعب اليهودي، سيقول نتنياهو بصوت حزين.