الجامعة العربية والصاروخ الذي طار بعكس الاتجاه المسموح

صائب خليل

 

 

 

ما الذي اثار مجموعة الذيول "العربية" من بين كل الكوارث التي تواجهها الامة التي يفترض أن هذه الجامعة قد أسست من اجلها لتجتمع في الجامعة العربية؟ هل هو حدث جلل متميز في شدته؟ هل هو عدوان منقطع النظير في صلافته لم تشاهد الامة العربية مثله من قبل؟ العكس تماما.. انه صاروخ أطلقه اليمانيون المدافعون عن بلدهم امام الاعتداء السعودي المستمر منذ سنوات والذي يضع شعبهم تحت حصار قاتل، لا يشبه في شيء إلا حصار إسرائيل على غزة! وهذا الشبه قد لا يكون مصادفة، فلعلها نفس المدرسة كما ذكر أحد المعلقين! فما هو السر إذن في غضب وحركة الجامعة العربية المفاجئ؟

وصف رئيس الجمهورية اللبنانية السابق أميل لحود ذلك التصرف قائلا: "لم تجتمع هذه الجامعة إلا لتدين الحزب العربي الذي وقف في وجه اسرائيل وفي وجه الإرهاب وساهم ويساهم في القضاء على داعش الإرهابي الذي يملك بعض من صاغ مقررات الاجتماع بصمات في صناعته. وأشار لحود الى أن بيان الجامعة صنف حزب الله بالإرهابي وصنف المقاومين في الدفاع عن بلدهم في اليمن بالإرهابيين، وتابع إذا كان هذا المعيار المعتمد فإن الإرهاب وسام على صدرنا سنواجه فيه الخاضعين والمتآمرين والمطبعين. وقال إن اهتمام وزراء الخارجية العرب كان يجب ان يتجه إلى احتجاز رئيس حكومة لبنان لأسبوعين في السعودية، لكن الجامعة صارت "أشبه بجمعية دفن الموتى" ... ولا ينقصها "إلا أن يضاف مقعد لإسرائيل".

والحقيقة ان المقعد المناسب لإسرائيل في الجامعة هو مقعد الرئيس الفعلي والثابت، الذي يأمر فيطاع في تلك المقبرة.

قبل 16 عاماً، علق البروفسور جومسكي مؤيداً ما قيل ان "العالم بعد 11 سبتمبر سيختلف عما قبله". لكنه أضاف أن السبب ليس لأن الإرهاب بدأ الآن أو أنه بلغ مرحلة أشد عنفاً، إنما فقط لأن الإرهاب "غير اتجاهه" إلى العكس!

وشرح أن الإرهاب حتى ذلك الحين كان يتجه من الولايات المتحدة إلى العالم، وأن 11 سبتمبر كانت المرة الأولى التي يصيب الإرهاب فيها الولايات المتحدة في الداخل، وهذا ما "غير العالم".

وبالفعل يمكننا ان نعدد ما لا نهاية له من جرائم الإرهاب الأمريكي التي لا تقل وحشية عن 11 سبتمبر، والتي لم تثر ما اثارته عملية أبراج التجارة في نيويورك. الناشطين الأمريكان قاموا بتعداد العديد من الجرائم الإرهابية الأخرى التي جرت حتى في ذات التاريخ (11 سبتمبر) في سنوات أخرى في بلدان أخرى، وكانت اميركا أما صامتة عنها او مشاركة فيها أو كانت الطرف الذي أدارها. وأشهرها الانقلاب العسكري الدموي على حكومة اليندي الاشتراكية في شيلي، والذي نسقته السي آي أي، وأغرق البلاد في الدماء لعشرات السنوات، مثلما فعلت في العراق حين جاءت بالبعث لقلب حكومة عبد الكريم قاسم وفي اندونيسيا حيث أتت بنظام سوهارتو الوحشي الذي قتل اكثر من مليون اندونيسي بعد انقلابه على سوكارنو، وبدعم امريكي صريح.

فمثلما كان حصار السعودية لليمن من نفس "مدرسة" حصار إسرائيل لغزة، فإن "المدرسة" التي اختارت هذا الصاروخ اليمني على السعودية لتركز عليه اهتمامها وغضبها، هي "نفس المدرسة" التي اختارت من الكوارث التي حدثت في 11 سبتمبر، ذلك الموجه ضد أميركا دون غيره لتعلن "تغير العالم" به. ومثلما تغافلت بنفاق أمس عن ضحايا الأمريكان الأكثر عددا من أي ضحايا في تاريخ البشرية، تتغافل اليوم عن آلاف الصواريخ وآلاف الضحايا من اليمنيين المقاومين المدافعين عن بلادهم، فلا تجد ما يدعوها للاجتماع والغضب، إلا صاروخ مفرد لم يسقط أية ضحايا على الإطلاق! لكن ما يميز هذا الصاروخ عن غيره، أنه تجرأ ليتجه بالاتجاه المعاكس لما هو مسموح به للصواريخ: أن يطلقها المعتدون من الجانب الأمريكي لتضرب الضحايا.

وإن حدث، فعلى هذه الضحايا ألا ترد! فضحايا أميركا يجب ان لا يتجرؤوا على الدفاع عن أنفسهم، فإن فعلوا فهم يرتكبون الجريمة التي ستثير الأهوال ضدهم كما يلاحظ جومسكي ساخراً، في حديثه عن الغضب الأمريكي على شراء إحدى دول اميركا الجنوبية السلاح للدفاع عن نفسها من إرهاب أميركي مستمر ضدها! واليوم يتمتع ذيول أميركا أيضا بميزة سيدهم "الفتوة". وينتظر بالتالي من ضحايا السعودية من اليمنيين، ان يتقبلوا قتل أولادهم وتجويعهم واصابتهم بالكوليرا بصمت ورضا، وأن لا يطلقوا صاروخاً في الاتجاه غير المناسب، وإلا فسوف تحل عليهم لعنة "الجامعة العربية" وينزل بهم عقاب من يتجرأ على الدفاع عن نفسه أمام فتوات العالم.