الشعب التونسي ينتفض دفاعاً عن "رجولته".. ماذا عنا؟

صائب خليل

 

 

يقول حمزتوف: "ما أشد المناظر شناعة على الإطلاق؟  - رجل يرتجف خوفا! وما هو أشد شناعة من ذلك؟ - رجل يرتجف خوفا!". فجزء من الرجولة أن يستطيع الرجل أن يثبت، حتى حين يخاف، وألا يتصرف كرعديد، ومن يفعل ذلك، لا يكون رجلاً بالمعنى الكامل، ولذلك فمنظره "بشع جدا"، كمنظر كائن مشوه الخلق، فقد إحدى عينيه. إنه يدفع بالإنسان السوي لإبعاد عينه عنه بسرعة لأنه يسبب له جرحاً وألما.

المنتظر من "الرجل" ان يكون شجاعاً، وأن يستطيع أن يقول ما يراه صحيحاً، لا ان يقول ما يملى عليه. وإن كان الرجل سوياً فمعنى ذلك أن يقف مع الحق، وأن يتحمل الخسارة والمخاطرة من اجل ذلك. ألا يقبل أن يهان انسان امامه، خاصة إن كان ضعيفا أو طفلا لا يستطيع ان يدافع عن نفسه. احترامه لنفسه يقتضي أن يفعل ما يستطيع، وألا يخذل ضعيفا يحتاج حمايته.

لننظر الآن إن كان هذا ينطبق على "رجال" جامعة الدول العربية، خاصة في اجتماعهم الأخير وبيانهم الختامي.

لكي يعرف "الرجل" الحق ثم ليقرر ان يقف معه، عليه أولا ان يفهم ما يجري. وهذا ليس صعبا ابداً في حالة موضوع الجامعة الأخير. أمامنا دولة عربية (السعودية) تشكو أن دولة عربية أخرى (اليمن) ضربتها بصاروخ من صنع إيراني، أطلقه كما ادعت، رجال من حزب الله اللبناني. من المعتدي هنا؟ ومن المعتدى عليه الذي يجب ان نقف معه لنحافظ على "رجولتنا"؟

لا أظن ان احداً، حتى من طأطأ رأسه أمام الضغط السعودي او الأمريكي، له من الوقاحة ان يراوغ في الحقيقة. فإحدى الدولتان تضرب منذ سنين، الدولة الأخرى وتتحالف من اجل التدخل في شؤونها وتحاصر وتجوع شعبها، والدولة الأخرى لم تفعل وليس لديها إمكانية ان تفعل نفس الشيء بالمقابل. دولة من أثرى الدول في العالم وأشدها تسلحا بالنسبة لحجمها، تتراصف مع أعتى دولتين في تاريخ البشرية قوة وعدوانية، لضرب دولة فقيرة ضعيفة، بحيث ان الدولة المعتدية اتهمت جهة أخرى بأنها من أطلق الصاروخ عليها، مما يعني انها لا تعتقد بأن بإمكان تلك الدولة ان تطلق صاروخاً بنفسها، حتى لو حصلت عليه!

 

فما حدث في الجامعة "العربية" هو سوق لقطيع من الغنم لتوقع بيانا تعلم انه كاذب وأنه ضد الضمير والإنسانية، ومفضوح بشكل مدهش. موقعو البيان لم يمتنعوا فقط عن الدفاع عن المظلوم، وهم أطفال يموتون جوعا ومن الكوليرا، وهو ما يكفي بدون شك ناقصي الرجولة، إنما ذهبوا أبعد من ذلك بخضوعهم للظالم ومهاجمة من تجرأ ان يقف مع المظلومين بدلا منهم!

والحكومة العراقية، التي تحفظت على بندين من البيان لظروفها الخاصة الداخلية، وافقت على جميع البنود الأخرى الكافية تماما لوصفها بنقص الرجولة، المذكورة أعلاه! من يشعر مثلهم يلجأ عادة لدرأ التهمة عنهم وعن نفسه بتصوير تخليهم عن واجبهم بأنه "حكمة" و "سياسة" و "تعقل" ويصف من يلومهم بأنه "يبحث عن العنتريات". لكنها كلمات مكشوفة دوافعها الخوف على المصالح والتخلي عن الضعيف وعن العدل.

"اشد المناظر شناعة" منتشر في السياسة، وقد شاهدناه وسبب لنا جرحاً مرات عديدة، مثل الصورة سيئة الصيت للعبادي وفريقه "التفاوضي" مع ترامب، والسيسي وفريقه، على سبيل المثال لا الحصر وكلما شاهدت مثل هذا الموقف "الشنيع" كنت أتساءل: ما هو موقف هؤلاء عندما يعودون إلى زوجاتهم وأطفالهم؟ وكيف سيواجه هؤلاء اصدقائهم الذين شاهدوا الأب في ذلك الموقف المخجل؟

لم تتح الفرصة لرؤية ردود أفعال هؤلاء، لكني رأيت اليوم نموذجاً لهذا المنظر، من موقف وزير الخارجية التونسي امام امرأة بطلة اثبتت مرة أخرى أن "الرجولة" كما نفهمها، ليست من اختصاص الرجال وحدهم، بل لعلها في النساء أكثر اليوم من الرجال. شاهدوا وجه وزير الخارجية التونسي وهو يتلقى المهانة في هذا الفيديو (الذي نسخت نصه ادناه، ويمكن تجاوزه لمن يتمكن من رؤية الفيديو)، وهي تقول له:

"وزير الخارجية السعودي أصبح هو المحدد للسياسة الخارجية لبلادنا".. "لم تستحوا من أشلاء أطفال اليمن وأنتم تتضامنون مع الدولة المعتدية".. وهو مشدوه لا يحير كلاماً، لتؤكد له في النهاية: "هناك في الشام يصاغ العالم من جديد وهناك تولد العروبة من جديد رغما عن الجامعة العربية العميلة الجبانة."

لقد كان المنظر تعبيرا عمليا لقول نيتشة: "لقد استرجلت النساء، لقلة من اتصف بالرجولة من الرجال"!

أتمنى رؤية وجه زوجة وزير الخارجية التونسي وهي ترى امرأة تهين زوجها وتطعن في كرامته، فلا يستطيع ان يفتح فمه بكلمة واحدة! اليس هذا "اشد المناظر بشاعة" الذي تحدث عنه حمزتوف؟

ولكن مقابل "اشد المناظر بشاعة"، هناك هذه المرأة.. النائب مباركة عواينية البراهمي عن كتلة الجبهة الشعبية التونسية. هذا الانسان الشجاع الرائع الذي عبر عن انتفاض الشعب التونسي دفاعا عن رجولته، ورفض ذوي العاهات من ساسته. لقد ذهبت إلى صفحة تلك الجبهة في الفيسبوك وقمت بمتابعتها، وارسلت لهم التحية والشكر. لقد دافعت هذه المرأة عن ضميرها وكرامتها، وهي تخاطر بحياتها من أجل ذلك كما فعل زوجها الشهيد الذي اغتالته يد الإرهاب الذي تدعمه السعودية في بلادها، فلماذا إذن لا يستطيع قادة ووزراء بلداننا ان يفعلوا ما هو أقل وهم المحميين بالمدججين بالسلاح، ويحفظون كرامتهم من هذه المواقف المهينة البشعة؟ لأنهم سيخسرون مناصبهم؟ إننا نستطيع على كل حال، وليس لدينا ما نخسره. لقد أعطت تونس المثال، والدور علينا وعلى بقية العرب المستهدفين في رجولتهم من خلال ساستهم المخنثين، أن يقرروا رفض هذه البشاعة أو قبولها بالصمت!

******************

نص كلمة النائب مباركة عواينية البراهمي عن كتلة الجبهة الشعبية التونسية (الرابط في ذيل المقالة للمشاهدة( *

السيد وزير الخارجية السعودي أصبح هو المحدد للسياسة الخارجية لبلادنا وسيادتكم اما تبارك او تتوارى خلفه، وهذا مؤسف جدا، وتونس لا تستحق منكم هذا.

في عهدكم السعيد تم الاعتداء على قرارنا السيادي بالزج بنا في الحلف السعودي الإسرائيلي دون أن نعلم مثلما زج سابقوكم بنا سابقا في الحلف القطري التركي دون ان نعلم أيضا.

وسيادتك لا تستطيع ان تنفي او تؤكد انخراطنا في هذا الحلف الذي سأحدثك عنه لاحقا، لأنه على ما يبدو خارجيتنا لا تعلم عنه شيئا. ثم تم التعدي على قرارنا الوطني بتصنيف حزب الله تنظيما إرهابيا من قبل وزير الداخلية السعودي أيضا، على ارضنا وفي وطننا ووزارة الخارجية بتاعنا تومئ برأسها.

ثم اعتدى الموساد الإسرائيلي على بلادنا واغتال مواطنا تونسيا رميا بالرصاص أمام منزله هو الشهيد محمد زويري ولم نسمع صوتا لا لكم ولا لرئيس الجمهورية ... ويمكن أيضا اعتبار مشاركتكم في فضيحة ما سمي باجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير في القاهرة اقصى درجات المهزلة. فقد اجتمعتم لإدانة صاروخ يمني سقط في الصحراء، في المقابل سكتم عن قتل وتشريد الشعب اليمني بأكمله فلم تستحوا من أشلاء أطفال اليمن وأنتم تتضامنون مع الدولة المعتدية. أنتم وجامعتكم العربية سارعتم الى تجريم حزب الله المقاوم حامل البندقية الوحيد في وجه الكيان الصهيوني. في حين لم تنبس هذه الجامعة ببنت شفة.

عندما يتعلق الأمر بالتنظيمات الإرهابية التي اوغلت في دماء العرب والمسلمين على شاكلة طالبان وداعش وجبهة النصرة وجند الشام والجيش الحر وغيرها كثير. زد على ذلك فشلكم في الأزمة الليبية وعجزكم عن إعادة العلاقات مع سوريا حيث يمنعكم النظام السعودي وأميركا واسرائيل من ان تتخذوا هذا الموقف. سيادة الوزير ان ما يسمى كذبا بالحلف الإسلامي هو حلف بغداد الجديد وامينه العام هو بنيامين نتانياهو وقائد جيشه هو ازناكوف قائد ما يسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي والشعب التونسي الذي دفع الشهداء في كل المعارك العربية، لن يكون جزءاً من تحالف صهيوني أميركي رجعي، علاوة على انه حلف للمهزومين، ومن يراهن عليه مصيره السقوط والهزيمة.

هذا شعب 17 ديسمير. الشعب الذي رفع شعارات الشعب يريد تحرير فلسطين، والشعب يريد تجريم التطبيع. هذا الشعب تسيء اليه وزارة الخارجية. بخصوص تصنيف حزب الله حزب إرهابي فإننا على يقين من ان هذا التصنيف جاء مبيتا وان اجتماع الجامعة العربية جاء من اجل ذلك وهذا لن يخدم الا مصالح الكيان الصهيوني المتضرر الوحيد من تنامي المقاومة العربية بوجوده ومن انتصار المقاومة.

ولا تتعب حالك سيادة الوزير انت وزملاؤك في الجامعة العربية لأن ما لم تقدر عليه إسرائيل وما لم تقدر عليه داعش لن تقدروا عليه أنتم مجتمعين. وقد قلت في السنة الفارطة ان ما قبل حلب ليس ما بعد حلب. والآن سوريا تنتصر نصرا مبينا. وقريبا ستقفون في الطابور وقد تنتظرون طويلا. أحد الزملاء سأل متى ستعيدون العلاقات مع سوريا، أقول له زميلي العزيز: عندما يشير عليكم بذلك النظام السعودي.

سيدي الوزير كل ملفات الإرهاب والتسفير هناك في سوريا. ان كنت معنيا بمقاومة الإرهاب اللي غاصة فيه تونس (للعنكوش) وإعادة الإعمار هناك إن كنتم معنيين بالاقتصاد وهناك في الشام يصاغ العالم من جديد إن كنتم معنيين بذلك وهناك تولد العروبة من جديد رغما عن الجامعة العربية العميلة الجبانة.

سيدي الوزير. ليبيا هو عمقنا وهي قضية تونس امنيا وانسانيا واقتصاديا إذا أردتم فاجلعوا هذا الملف أولوية لكم ودعكم من التعاون مع الميليشيات وتجار الرقيق والمخدرات وتحاوروا مع الشعب الليبي فحلّ الهجرة السرية والإرهاب وتحسين الوضع الاقتصادي يمر حتما عبر سياسة خارجية قوية وشجاعة لحل الأزمة في ليبيا.

وإذا كنتم جادين في ضمان مستقبل المنطقة عليكم إعادة الحياة لمشروع وحدة المغرب العربي الكبير الذي هو الأمل المتبقي لمنطقتنا.

افريقيا سيادة الوزير، هي ميدان الصراع الاقتصادي الآن وفيها مستقبل العالم. وأتمنى ان تتراجعوا قليلا وتدعوا خدمة الأنظمة البالية التي هي في الأصل خادمة للصهاينة ولننتبه جميعا في بلدنا ومنطقتنا. لأن مصلحة تونس وشعبها ومصلحة الأمة العربية والإنسانية مع من يقاوم الظلم والاحتلال والاستغلال فنحن جزء من الشعوب المضطهدة والمنهوبة والمستقبل للمقاومين وثق ان ضريبة المواجهة اقل تكلفة من ضريبة الذل والتبعية وشكرا.

 

 

* كلمة مباركة عواينية البراهمي عن كتلة الجبهة الشعبية التونسية في البرلمان التونسي (@frontpopulaire2)

https://www.facebook.com/frontpopulaire2/videos/1976950912569675/