حول كتاب "الثورة العربية الكبرى" ليوجين يونغ

د. زياد حافظ

 

 

عندما طلب منّي الصديق الأستاذ أنطوان سعد مساهمة في تقديم ترجمة كتاب الصحافي الفرنسي يوجين يونغ حول "الثورة العربية الكبرى" لم أتردّد ابدا للأسباب التالية: أولا، من الصعب رفض طلب الصديق العزيز الأستاذ أنطوان. فدعوته لي لها تقدير كبير عندي خاصة أننا نتحاور بشكل دائم عندما نلتقي ونحن من مشارب سياسية مختلفة. فموضوعية الأستاذ أنطوان في مقاربة الأمور تثري التنوّع الفكري والسياسي عبر الاحترام المتبادل للأفكار المختلفة والتي يتّسم بها لبنان الذي نحب ونريد. فإقباله على تناول حقبة تاريخية في المشرق العربي عبر نشره ترجمة كتاب مراقب فرنسي واكب الأحداث من الداخل تدلّ على حرصه في البحث عن الحقيقة التاريخية. ثانيا، إن حرّية الأمة العربية عزيزة عليّ كقومي عربي وأي كتاب عنوانه يتناول الوطن العربي من قريب أو بعيد يهمّني قراءته. ثالثا، لأن ما يُسمّى ب "الثورة العربية الكبرى" يجب أن تخضع لمراجعة من قبل مختلف العروبيين. رابعا-إن موضوع الكتاب يروي ويوثق المزاج العام في الوطن العربي وخاصة في مشرقه وفي مصر وفي العواصم العربية قبل الحرب العالمية الأولى وفقا لرؤية الكاتب، ولأنها تظهر بوضوح تناقضا بين الأهداف والرؤية السياسية لتحقيق الأهداف، وهذا ما سنتناوله في مقاربتنا لموضوع الكتاب.

الكتاب نشر بالفرنسية عام 1925، وبالتالي يشكّل وثيقة أولية حول التحليلات في تلك الحقبة للمشهد في المشرق العربي وأوروبا. قرأنا الكتاب مرّتين: مرّة باللغة العربية، أي الترجمة التي ينشرها صديقنا الأستاذ أنطوان، ومرّة ثانية باللغة الفرنسية للاطّلاع حول جودة الترجمة.

اعتبر الكاتب في مقدّمته أن كتابه استكمال لما صدر عنه عام 1906 وأنه يهدف لوضع القارئ في أجواء الأحداث التي أدّت إلى ما سُمّي فيما بعد ب "الثورة العربية الكبرى". لكن قبل التعليق على مضمون الكتاب لا بد لنا من إبداء بعض الملاحظات حول النص المُترجم.

فالملاحظة الأولى هي حول الترجمة نفسها، فلا بد من التنويه للمجهود الذي بُذل كي يصبح النص مفهوما، على الأقل من وجهة نظرنا. في هذه الحال كان من الواضح أن الترجمة كانت أحسن من النص الأساسي الفرنسي. ونقول ذلك لأن النص الفرنسي نصّ غير سهل القراءة لغياب المنهجية والتصميم. فمن الصعب إيجاد الخط البياني للسردية التي أوجدها الكاتب الفرنسي لأن الكتاب مزيج من التوثيق غير الممنهج لرسائل ومقتطفات صحفية ولتحليل سياسي لخبر الإعلامي. يعترف الكاتب بأنه ليس مؤرّخا ويترك تأريخ الحقبة لصديقه نجيب عزوري لأنه كان في قلب الأحداث التي يرويها الكاتب لكن هذا لا يعفيه من مسؤولية ضرورة ترتيب السردية.

الملاحظة الثانية هي عدم وجود في تقديم الكتاب أسباب الترجمة. لماذا تمّت ترجمة كتاب بعد مرور حوالي تسعين سنة على صدوره؟  فهل هناك تقدير أن الكتاب يشكّل وثيقة تاريخية هامة في تاريخ المنطقة، أو في المحاولات لبعض الشخصيات الفرنسية في التأثير على مجريات الأمور؟ وكيف تمّ اختيار الكاتب للترجمة؟  ربما هناك قصّة قد يكون من المفيد معرفتها.

الملاحظة الثالثة هي التمنّي أن تكون في المقدمة كلمة للناشر تُعرّف بالكاتب الفرنسي يوجين يونغ. نعترف بأننا لم نسمع به قبل قراءة الكتاب ونعتقد أن العديد من المتابعين للشأن العربي منذ بداية القرن العشرين لا يعرفون من هو يوجين يونغ وخاصة بعد تسعة عقود.

الملاحظة الرابعة هي التمنّي أيضا أن توجد هوامش توضيحية أو ملاحق عن الشخصيات التي يذكرها الكاتب، وهي عديدة، ولا يُعرف عنها إلاّ القليل خاصة فيما يتعلّق بالشخصيات الأوروبية المذكورة وما كان دورها في السردية التي أوجدها الكاتب.

أما فيما يتعلّق بالكتاب نفسه فإن قراءته لم تكن سهلة لغياب منهجية أو خط بياني للسردية. صحيح أن الكاتب قسّم مؤلّفه إلى أربع مراحل تاريخية غير أنه لم يفسّر لماذا وما هي أهمية تلك المراحل في السياق العام للأحداث التي سبقت انطلاق "الثورة العربية الكبرى". من جهة أخرى لم يكن واضحا لنا من هي الشخصيات العربية التي كانت تطالب بالإصلاحات من داخل السلطنة العثمانية. بات واضحا أن الكاتب كانت له صداقات وخلافات مع عدد من الناشطين العرب غير أن المعلومات التي أوردها غير كافية للتصديق على تقييمه لهم. كما لم يفصح الكاتب عن الجهة أو الجهات التي كانت تعمل لتحقيق استقلال ما أو إصلاحات داخل الكنف العثماني. فبات واضحا أن الوزن السياسي لتلك الشخصيات كان ضعيفا للغاية (دون التقليل من قيمتهم الشخصية على الصعيد الفكري أو على الصعيد النضالي) وإلاّ لكان الاهتمام الرسمي الأوروبي بهم أكبر وأجدى!

الكتاب من وجهة نظرنا هو سرد لسلسلة من الرسائل التي وجّهها الكاتب إلى عدد من المسؤولين الفرنسيين والردود التي حصل عليها. كما هناك مقتطفات من الصحف والمقالات تشكّل متن السردية دون أن تكون مترابطة. لكنها سلسلة من الوثائق التي يمكن الاطلاع عليها لمن هو مهتم بتأريخ تلك الحقبة. هنا تكمن القيمة التوثيقية للكتاب إذ يتضح مستوى الاهتمام أو اللامبالاة للمسؤولين الذي تمّ مراسلتهم. من خلال هذه الردود يمكن استشراف مواقف الدول الأوروبية والصراعات أو التنافس بينها فيما يتعلّق بقضايا العرب. فهي تشكّل مصدرا اوّليا للتأريخ.

قراءة الكتاب أكّدت ما ندعو إليه كعروبيين لضرورة مراجعة الثورة العربية الكبرى. موضوع الكتاب ليس الثورة بحدّ ذاتها بل الأجواء والمناخات التي سبقتها كما يرويها الكاتب. ينطلق الكاتب من مسلّمات كان ربما من المفيد مناقشتها أي أن العرب كانوا يريدون التخلّص مما وصفه بالاستبداد العثماني. صحيح أن نخبا عربية كانت منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر كانت تنادي بالمزيد من الحرّية. نذكر هنا الكتاب المفصلي لأحد روّاد النهضة العربية الناشط عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902) أي "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" (1900). ولكن الكاتب أورد رسائل لبعض الشخصيات العربية التي كانت تريد إصلاحات ضمن كنف السلطنة العثمانية ولم يأت على ذكر من كان يريد الاستقلال بحد ذاته إلاّ بشكل موارب. كما لم يأت على ذلك أي من رجال النهضة العربية سواء في الإصلاح السياسي أو الديني أو اللغوي. لذلك يصعب علينا فهم علاقة الناشطين المذكورين في الكتاب مع حركة النهضة العربية في المشرق العربي وما هي حيثياتهم السياسية على ارض الواقع التي نعتقد أنها كانت محدودة للغاية وغير معبّرة بشكل قاطع عن المزاج العربي العام.

ربما ما لفت نظرنا هو ما أتى به الكاتب في ختام مقدمّته. كان يتكلّم عن صديق له اسمه جان داماس الذي أكّد حسب قوله إن مستقبل المنطقة رهن تطوّر العلاقات العربية التركية وأن الثورة العربية الكبرى هي عنوان المرحلة. لم يخطئ في رأينا الكاتب في التقييم حول أهمية دور العلاقات العربية التركية غير أن الأسباب قد تكون مختلفة عما حاول الإيحاء بها. في قراءتنا للتاريخ، وخاصة لتلك الحقبة التي ما زلنا نعيش تداعياتها، فإن عدم الاستقرار الذي يشهده اليوم المشرق العربي يعود إلى تفكيك السلطنة العثمانية دون أخذ بعين الاعتبار مصالح شعوبها. كما أن الكيانات التي وجدت من جرّاء ذلك التفكيك والذي تجسّد في اتقاف سايكس بيكو (الذي لم يتكلّم عنه وإن كان في مطلع الكتاب أورد أنه يؤرخ الحقبة من 1906 حتى اليوم، أي 1924!) فهي أصبحت مهدّدة اليوم من قبل القوى التي ساهمت في خلقها ومعها طبعا الكيان الصهيوني.

 

فالكيانات التي أوجدت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، ما زالت الدوائر الخارجية تحاول إحياءها اليوم. كما خلقت مصالح لنخب أوجدها أو مكّنها المستعمر الأوروبي فتماهت معه سواء كان فرنسيا أو بريطانيا.  بالمقابل ظهرت مواقف ونظريات مخالفة لما أراده المستعمر من تفتيت وتمييز عن سائر مكوّنات المجتمعات العربية. فما زالت أفكار الوحدة بين الأقطار سائدة سواء في نظريات قومية إقليمية كنظرية الحزب القومي السوري الاجتماعي أو سواء في نظريات الوحدة العربية التي حملها كل من حزب البعث العربي أو حركة قوميين العرب أو التيّار الناصري. أضف إلى كل ذلك زُرع كيان خارجي مع مفعول سرطاني في وسط الأمة، أي الكيان الصهيوني، فزاد من عدم الاستقرار البنيوي للمنطقة وأوجد حاجزا بين بلاد الشام والرافدين وبلاد والجزيرة العربية وبلاد وادي النيل والمغرب العربي الكبير.

خطورة الفكر العروبي على المستعمر القديم الجديد أجبره، في هذه الأيام، على محاولة جديدة للتفكيك ولكن بشراسة أكبر عبر تشجيع جماعات التعصّب والغلو والتوحش التي لم ترض لنتائج تفكّك السلطنة العثمانية. فمهمة تلك الجماعات هي عبر عمليات التصفيات الدينية والمذهبية لإيجاد مبرر لكيانات أصغر إضافة إلى تبرير وجود الكيان الصهيوني. والعروبة التي تجمع بين مكوّنات المجتمعات العربية حوربت من قبل هؤلاء كما حوربت من قبل دول عربية وجدت مصلحة لها في إضعاف الأمة. كما كانت مصلحة القوى المعولمة في العالم في جعل مجتمعات المنطقة مجتمعات استهلاكية لا هوية واضحة لها إلاّ الهويات الفرعية التي تُغرق أهلها في صراعات دائمة تمنعها من التوحّد. ففي الوحدة قوة وفي القوة نهضة وهذا ما لم تكن تريده قوى الاستعمار القديم واليوم قوى العولمة بقيادة الولايات المتحدة. هذا الموضوع يستحق النقاش والتوقف عنده ويأتي من وحي ما جاء في الكتاب ولكن يخرج عن إطار المهمة الموكلة لنا أي إبداء رأي فيما جاء في الكتاب.

نتوقف هنا عند حادثة رواها الكاتب عن لقاء حصل بين أوروبيين وبعض الأهالي في منطقة وادي الأردن. أقرّ الراوي أنه لم يستطع التمييز بين من هو مسلم ومن هو مسيحي ما يدلّ على الإلفة كانت موجودة بين الأهالي من مختلف المشارب طالما كانت بعيدة عن التدخّلات الأوروبية. نذكّر هنا برواية "صخرة طانيوس" للكاتب الفرنسي اللبناني الأصل امين معلوف الذي أظهر مدى تدخّل الفرنسيين والبريطانيين في زرع الفتنة وبناء المتاريس النفسية بدلا من الجسور وذلك تحت راية "الهوية" و"التمدين"!

كنّا نتمنّى أن يقدم الكاتب على تأريخ حقبة ما سمّاها بالثورة العربية الكبرى وما تلاها. بالمناسبة لا نفهم لماذا تمّ ترجمة مصطلح révolte بمصطلح ثورة. فالمصطلح الفرنسي أقرب إلى مصطلح "انتفاضة" أو حتى "تمرّد" من مصطلح ثورة الذي هو ((révolution والذي يحمل في طيّاته تغييرات جذرية في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والذي غاب كلّيا عما يُسمّى ب "الثورة العربية الكبرى". المسألة أهم من سفسطة في المصطلحات بل دقّة في المعاني والمضامين. ربما تأثّر المترجم ببعض الأدبيات العربية التي روّجت لمصطلح "الثورة العربية" التي لم تكن في رأينا "ثورة" بل تمرّدا مدعوما من البريطانيين بوعود كاذبة لهزم السلطنة العثمانية. لم تكن ثورة بل تعبيرا عن طموح شخصيات من الحجاز ارتبطت بالمستعمر البريطاني ومستفيدة من حنق شعبي تجاه ممارسات القمع للسلطنة العثمانية. كان أهم مساهمة لهذه "الثورة" نسف سكّة الحديد الذي يربط الحجاز بإستنبول والذي ما زال حتى الآن منقطعا!!  فتقطيع الأوصال بين الهضبة الأناضولية والمقاطعات العربية وخاصة مع الجزيرة العربية ما زالت قائمة حتى الساعة وهدفه منع استمرار التشبيك التاريخي. فقطع الخط التواصلي يشبه محاولة قطع التواصل بين بغداد ودمشق في الحرب الكونية على سورية في السنوات الماضية والتي فشلت اليوم، بينما قطع سكّة الحجاز نجحت. فعدم التواصل بين الشمال والجنوب في المشرق العربي ما زال قائما. والغريب في ذلك أنه حتى مع وصول حزب حمل لواء العروبة والوحدة إلى السلطة في كل من العراق وسورية فخط التواصل السياسي بين بغداد ودمشق كان مقطوعا. تحريم ذلك التواصل كان من ثوابت الدول الأوروبية وحاليا الأميركية والكيان الصهيوني ولكن يتمّ هزمه في هذه الأيام ميدانيا.

إن ما جاء في الكتاب من مواقف لبعض المسؤولين الفرنسيين والبريطانيين والألمان يدلّ بوضوح أن الهدف المبيّت إن لم يكن المعلن هو تقطيع الولايات العربية إلى مناطق نفوذ مباشر لها وليس "تحرير" العرب. كان الكاتب يعي ذلك وعارضه وأشار إليه في بعض الرسائل ولكن دون التوقف عليه. الانطباع الذي يخرج به القارئ هو أن فرنسا لم تكن مهتمة بتحرير المنطقة العربية في المشرق من القبضة العثمانية بمقدار ما كانت تريد مخاطبة ود السلطنة بسبب تأثيرها في شمال إفريقيا التي احتلّتها وضرورة تخفيض التحريض عليها، ومخاطبة ود حليف السلطنة أي ألمانيا لاسترجاع بعض المقاطعات التي خسرتها في حرب 1870 كمدينة ميتز في مقاطعة اللورين المحتلّة. كما أن تقديرها لحجم الناشطين المطالبين لمساعدتهم كان محدودا.

ويتبيّن حقد الكاتب على براعة الدبلوماسية البريطانية أو سياسة الخداع التي برعت فيها. فمن الواضح أن النظرة البريطانية للأمور لم تكن محصورة برؤية محدودة في الجغرافيا بل من خلال رؤيتها الكونية وحفاظها على طريق الهند. فالأمور بالنسبة للبريطانيين في المشرق العربي مرتبطة بإضعاف السلطنة أو تفتيتها والحفاظ على خط الهند. ليس هنا دورنا مناقشة الرؤية الفرنسية أو الرؤية البريطانية أو الرؤية الألمانية بل موقف النخب العربية التي لجأت إلى طلب المساعدة من تلك الدول وكأن تلك الدول مؤسسات اجتماعية لتوزيع الصدقات!  إن اعتقاد تلك النخب بأن الدول الأوروبية كانت تحمل قيم الحرّية والعدالة وكرامة الإنسان لم يكن موفّقا خاصة أن تلك القيم كانت محصورة بالرجل الأبيض!  سذاجة تلك النخب كانت قاتلة. تبيّن فيما بعد في مفاوضات السلام بعد الحرب العالمية الأولى بأن عرب المشرق "بحاجة" إلى دول منتدبة مهمتّها "تأهيلها" للحصول على الاستقلال!  فالرجل الأبيض هو المؤهّل للقيادة والترقّي وليس الأسمر، فما بالك عن الأسود أو الأصفر!  فلا ننسى ذريعة البريطانيين في مغامرتهم الاستعمارية أي "عبء الرجل الأبيض"، أو "المهمّة التمدينية" للفرنسيين. لا ننسى مقولة الجنود السنغاليين الذين جاءوا مع الجيش الفرنسي إلى لبنان وقالوا بلغة فرنسية مكسّرة إنهم "جاءوا لتمديننا"!

 ((nous, venir civiliser vous.

المشكلة كانت في رأينا عند النخب العربية التي اعتقدت أن الدول الأوروبية حريصة على استقلال العرب ونست حملات الفرنج في القرون الوسطى ومحاكم التفتيش في القرنين الخامس والسادس والسابع عشر. كما أن حملة بونابارت على بلاد المشرق غابت عن ذاكرتها، واحتلال فرنسا للشمال إفريقيا لم تكن موجودة في ذهنهم!  أما البريطانيون فكانوا يحتلّون وادي النيل من مصر إلى السودان إلى أواسط إفريقيا. فكيف خطر على بال تلك النخب العربية أن الدول المستعمرة لأقطار عربية وإسلامية كانت تريد "تحرير" العرب من القبضة العثمانية؟!

ما يهمنا من قراءة بعض المراسلات التي أوردها الكاتب هو أن الاجماع على الخروج من كنف السلطنة لم يكن موجودا على الأقل في المرحلة التي يتكلّم عنها أي من بداية القرن حتى 1914. كما أن المطالبين بالتدخل الأوروبي لم تكن لهم حيثيات سياسية قوية بل كانوا من النخب ومن أصحاب الأفكار المتغرّبة. لم تكن هناك إحصاءات تشير إلى اتجاهات الرأي العام ولم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي تنقل المعلومة مباشرة وتمكّن التعبئة والتنظيم. فالحركة السياسية كانت محصورة بالنخب المثقّفة بينما معظم الشعب كان أمّيا. كما أن الأحزاب الناشئة لم تكن جماهرية التوجّه. على كل حال هذه نقطة يمكن مناقشتها ولكن قناعتنا أنه لم تكن هناك موجة عارمة جماهرية تريد الخروج عن كنف السلطنة كما تبيّن من معظم كتابات روّاد النهضة العربية.

أما مطالبة الكاتب بإقامة دولة خلافة عربية يكون الخليفة من قريش تشبه الدعوة الوهابية في القرن الثامن عشر. وحتى المطالبة بمملكة عربية لم تكن مبنية على معطيات سياسية واقتصادية بل على شعور رومنسي إذا جاز الكلام. لكن ما أعطى شيئا من المصداقية لتلك المطالب فهو سوء تقدير قيادات حزب الاتحاد والترقّي في السلطنة العثمانية والحاكم الفعلي فيها في السنوات الأخيرة. ففي تلك الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، رفضت الأخذ بعين الاعتبار المطالب العربية في بعض من اللامركزية الإدارية وخصوصا الحفاظ على اللغة العربية كلغة رسمية. لكن مسار "تتريك" السلطنة في كافة الولايات العربية كانت ضربة قاسمة لمحاولات الإصلاح من ضمن كنف السلطنة.

لذلك فإن الأخطاء المشتركة من قبل بعض النخب العربية والنخب العثمانية أدّت إلى الهوّة والكارثة في تفكيك السلطنة. وما يعزّز تقديرنا للموقف هو رغبوية بعض التحليلات الواردة في الكتاب حول هشاشة النظام القائم في استنبول. لم يكن النظام بالضعف الذي كان يتصوّره الأوروبيون إلاّ بمقدار تراكم الأخطاء لقيادة حزب الاتحاد والترقّي. فذلك الحزب ربما كان الضعف البنيوي في السلطنة حيث السلطان وولي العهد كانا حريصين على الحفاظ على علاقة مقبولة مع النخب العربية كما ورد في الكتاب وخلافا لقيادة جماعة الاتحاد والترقّي التي تظاهرت بالود ولكن مارست أقسى أنواع التمييز والاحتقار تجاه العرب. فالموروث التاريخي المشترك لا يمكن التقليل من دوره وقوّته عند العرب كما عند الأتراك.

 

الأخطاء التي ارتكبتها قيادة الاتحاد والترقّي لم تكن محصورة بالنظرة الخاطئة تجاه العرب بل كانت أيضا في تقدير موازين القوّة بين الأطراف المتنازعة في أوروبا، أي التفاهم الثلاثي وقيصر المانيا. فما يعزّز تقديرنا بعدم صحّة هشاشة السلطنة هو ما استطاع القيام به كمال اتاتورك بعد هزيمة السلطنة العثمانية من طرد الفرنسيين والبريطانيين من الهضبة الأناضولية. كما لا ننسى الهزائم التي مّنيت بها قبل ذلك قوّات التحالف الأوروبي في معركة الدردنيل ونخصّ بذلك ملحمة غاليبولي. فخسارة القيصر الألماني في المسرح العسكري الأوروبي أدّت إلى انهيار السلطنة بقيادة جماعة الاتحاد والترقّي. فلو حافظت السلطنة على حدّ أدنى من الحياد في الصراع الأوروبي لربما كانت الأمور تؤول إلى نتائج مختلفة. لكن ذلك من ضمن السيناريوهات الافتراضية التي تجاوزتها الوقائع لكن يبقى أن التقييم لأداء قيادات الاتحاد والترقّي يضع في رقبتها المسؤولية عن الهزيمة التاريخية التي ما زلنا نعيش جميعا في المنطقة تداعياتها.

من ضمن المعلومات المميّزة التي وجدناها في الكتاب بضعة إحصاءات حول عدد المدارس الأوروبية في المشرق العربي وعدد الطلاّب الذين كانوا يقصدونها. وهذا العدد كان كبيرا نسبيا. هذه المدارس صنعت نخب المستقبل المشرقي العربي خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الأولى والتي أدّت إلى التطلّع إلى أوروبا كمصدر الحضارة والتقدّم. بعد قرن من الزمن تقريبا على نهاية الحرب العالمية الأولى لم تعد النظرة إلى أوروبا عند النخب الجديدة العربية كما كانت عليه آنذاك. لكن هناك بعض النخب العربية ما زالت تنظر إلى المستقبل وفق معايير تلك الحقبة الماضية وربما هنا تكمن المأساة. فالمستقبل لم يعد في الغرب بل عاد إلى الشرق. ولكن هذا حديث آخر.