زيارة للتاريخ

 

د. كمال خلف الطويل

 

 

كنتُ من جُلٍ أدمن "مبدأ" -Doctrine- أن حرب 67 كانت مسبقة التدبير ومحددة التوقيت ومكتملة الأركان ، وأنها فخٌ نُصب لعبدالناصر ووقع فيه. ولعل من مشى بالأطروحة أشواطاً طوال كان الأستاذ هيكل في ثنائي "سنوات الغليان والانفجار". لكن هدأة الجَرح والتعديل بمضيّ العقود ، فضلاً عن توفر زادٍ ثمين من سابق مخبوئات الأرشيفات الصهيونية والغربية ، كفلت توفّر أدوات تحليلٍ تفضي الى سياق مختلف. السياق هذا عندي هو "مبدأ التحيّن" ، والفارق بينه وبين سالف التدبير ليس في مطلب الاستهداف بل في الظرف الذي يتيح نيله.

بكلمةْ، كانت واشنجتن- ليندون جونسون قد قطعت الأمل في ترويض وإخضاع عبدالناصر منذ صيف 66 ، ومن ثمّ سعت لإهانته في أعزّ ما عنده: سمعته كقائد مشروع ورمز أمة .. تجلّى ذلك في غارة السموع (نوفمبر 66) وإغارة دمشق الجوية (نيسان 67) ليظهر عاجزاً عن حماية جيرانه من اسرائيل وليسقط من أعين شعبه وأمته ، عطفاً على الضغوط الاقتصادية المتعاظمة وتكاليف حرب اليمن الكبيرة.

كان الرهان أن تهيبه من ورطة جديدة هو فيصل حركته من سكونه وأن مزيداً من الحتّ والتعرية بواسطة التلويح - ثم الفعل - الاسرائيلي بغزو دمشق , وتنصيب حكم موالٍ فيها قبل الانسحاب ، سيكون الضربة القاضية لعبدالناصر ، الذي هو عندهم مسكونٌ برهاب التورط في مزيد.

طرح يوسي ملمان مشوبٌ بأخطاء: يتحدث عن صراع بين صلاح جديد من جهة وبين حافظ الأسد وأحمد سويداني من جهة أخرى سبَق الحرب ، والحال أن سويداني كان حينها من أقرب المقرّبين لجديد ... لم يكن قد تقرر شيء بعد في 13 مايو حتى يتلقط التنصت الاسرائيلي خبر حشدٍ في سيناء: البحث في القرار بدأ مساء 13 مايو ولم يتبلور حتى صباح 15 مايو عندما أعلنت حالة التأهب القصوى وبدأ ارسال القوات الى سيناء (ربما القصد أن التنصت تمّ في 14 مايو ، لكنني أميَل الى ان ذكر التنصت هو للهوبرة) ... لم يتملص جونسون من لقاء ابا ايبان ، بل قابله في 26 مايو وسمع منه عن تدبير مصري لهجوم بري-جوي محدود على النقب في اليوم التالي ، وأسمعه ان التروي لأسبوعين هو أمر اليوم