لا شيء يدعو للعجب

نصير المهدي

 

 

 

لا شيء في اليمن يدعو الى العجب وخاصة في جبهة التحالفات سواء داخل اليمن أو في محيطها الإقليمي وحتى الدولي في عام بحيث يصبح الحوثيون أنصار الملكية التقليدية التي إنهارت في اليمن في ثورة 26 أيلول 62 حلفاء رئيس جمهورية سابق وهو الآخر قد حارب الحوثيين وحاربهم ومع أنه نسي في شهر العسل بين الطرفين هذا الأمر فقد عاد في إعلانه الإنقلاب عليهم يدعي الدفاع عن الجمهورية وهذه قضية لها وقعها في قلوب اليمنيين .

وحتى تكون الصورة واضحة أمام القارئ الكريم فقد كانت هناك أسرة حاكمة في اليمن التي كانت تحمل اسم المملكة المتوكلية اليمينية نسبة الى الامام يحيى محمد حميد الدين محمد المتوكل الذي تولى الحكم في نهاية القرن الثامن عشر وخاض حروبا مع العثمانيين هزمهم فيها فاعترفوا به إماما مستقلا وفي اليمن تحكم سلالات أئمة المذهب الزيدي " نسبة الى زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام " مع أن هذه السلالات التي حكمت اليوم أكثر من ألف كلها تقريبا ما عدا إمامين تعود بالنسب الى الإمام الحسن عليه السلام وقد كانت هذه الأسر حاكمة في مكة المكرمة مقابل أسر حسينية النسب تحكم المدينة وقد حدثت بين الطرفين حروب كثيرة لتوسيع مناطق السلطة والنفوذ .

والمذهب الشيعي الزيدي بخلاف المذهب الامامي الإثني عشري يرى الإمامة في علي والحسنين وعلي بن الحسين وولده زيد ثم بمن قام بالسيف من ولد فاطمة حسنيا كان أو حسينيا ولهذا كان حكم الأئمة في اليمن من هذا الباب ومع أن الحكم وراثي فإنه لم يقتصر على أسرة واحدة بل تداولته أسر عديدة وصولا الى الأسرة المتوكلية الأخيرة وملكها الأخير محمد البدر الذي لجأ الى الجبال عند الإطاحة به ومن هناك بدأت الحرب ضد النظام الجمهوري تدعمها السعودية وتطورت الحرب التي تواصلت من عام 62 - 70 ويسجل في اليمن أمران مهمان وهما رغم امتداد الإمامة الزيدية " الخلافة " لأكثر من ألف عام لم يسجل التاريخ اضطهادا من أي نوع للمذهب الشافعي السني السائد في اليمن كما أن الحرب التي بدأت بعد الإطاحة بحكم الإمامة على يد المشير عبد الله السلال ورفاقه لم يكن لها أي وجه طائفي فقد تصدت قبائل شيعية زيدية وأخرى سنية ذات وزن في البلاد للنظام الجمهوري نصرة للملكية وفي الثوار أيضا وجوه زيدية وقد كانت حركة القبائل الملكية من القوة بحيث حاصرت صنعاء شهورا عديدة وعد حصار صنعاء من المآثر الكبرى لأنصار الجمهورية خاصة بعد اختفاء عامل التوازن الحاسم على الأرض بانسحاب الوجود العسكري المصري الذي حمى النظام الجمهوري في مواجهة أعدائه وصعدة اليمنية الحصينة كانت مقر التمرد الملكي الرئيسي في مواجهة النظام الجمهوري وستشتهر أيضا في التطورات اللاحقة .

في الستينات كانت أحداث اليمن الدموية والصاخبة تشغل عناوين الأخبار يوميا تقريبا وكانت اليمن أيضا واحدة من ساحات تصفية الحسابات بين مصر التي كانت تقود المشروع القومي في المنطقة ومملكة آل سعود التي تناوئه والخلافات بينهما كانت تترجم على الفور على الأرض اليمنية تهدئة وتصعيدا ولم تنته تلك الحرب الطاحنة عمليا الا عام 70 بعقد مؤتمر للمصالحة في جدة السعودية بعد مؤتمرات عديدة في الكويت والقاهرة وفي الأثناء تخلى الإمام اليمني الزيدي " الأمير محمد بن الحسين " الذي وصلت اليه الإمامة عن المطالبة بالعرش وتحول الإمامة الى مركز ديني له الصدارة في المذهب الزيدي .

تولى الرئاسة بعد الانقلاب على أول رئيس يمني " عبد الله السلال " أثناء زيارة رسمية له لبغداد عام 67 القاضي الشهير عبد الرحمن الايرياني كحل وسط بين مختلف الفرقاء لما له من مكانة علمية وتاريخ طويل في مقارعة النظام الملكي وسجل حافل بسنوات السجون وقد شهدت فترة الايرياني وضعا شبيها بوضع العراق في عهد عبد الرحمن البزاز حيث محاولات تغليب الطابع المدني للسلطة وإقصاء العسكر الى الثكنات وقد نجح الايرياني في تحجيم تدخل الجيش في السياسة وتوجه الى تطوير الجيش ولكن وجود سلطة أخرى موازية هي سلطة القبائل تصدى للبرنامج الإصلاحي وأحبطه وللقبائل مجلس يتمتع بنفوذ رسمي حاسم اسمه مجلس الشورى وعلى خط الأزمة بين القبائل والرئيس وحكومته استقال الرئيس الايرياني وغادر اليمن لاجئا في سوريا فكان أن عاد الجيش الى السلطة والنفوذ مرة أخرى وتولى الرئاسة مجلس رئاسي يقوده المقدم إبراهيم الحمدي ذو الميول القومية الناصرية الذي حاول ثني الايرياني عن الاستقالة ولكنه لم يفلح في ذلك فآلت السلطة اليه .

في الأثناء برز بعد آخر في اليمن وهو إستقلال جنوب اليمن عن الاستعمار البريطاني الطويل وقيام نظام جمهوري اشتراكي النزعة فظهرت الى المهمات السياسية في اليمن مسألة الوحدة بين الشمال والجنوب وبدت الاصطفافات السياسية تقوم على ركيزتين : حماية النظام الجمهوري وضمنا التصدي للتدخلات السعودية في الشأن اليمني وتحقيق الوحدة بين شطري اليمن كما اشتهرت التسمية في ذلك الزمن .

كان إبراهيم الحمدي زيدي المذهب كما هو حال علي عبد الله صالح نفسه ولكن المذهبية لم يكن لها دور في الصراعات السياسية وسنرى لاحقا بأن عهد الأخير قد شهد تغلغلا واسع النطاق للدعوة الوهابية التي قلبت الأوضاع رأسا على عقب .

أغتيل الحمدي بعد ثلاث سنوات من حكمه وعزي السبب في حينه الى اندفاعه نحو الوحدة مع اليمن الجنوبي وعدائه لمملكة آل سعود وتشدده مع زعماء القبائل في داخل اليمن حيث استطاع تحجيم دورهم والتضييق عليهم وتولى الرئاسة بعده العقيد أحمد حسين الغشمي الذي انفجرت به حقيبة مفخخة حملها مبعوث من اليمن الجنوبي وعد العمل ثارا للحمدي الذي اغتيل قبل يوم من زيارة مزمعة لعدن ليكون أول رئيس شمالي يزور الجنوب والغشمي كان مندفعا في العلاقة مع السعودية بحيث دعا الى قيام الوحدة بين اليمن وبينها بدلا من توحيد شطري اليمن وعند اغتياله تشكل مجلس رئاسي من ثلاثة مدنيين وعسكري واحد هو علي عبد الله صالح الذي سيتولى السلطة في عام 78 حاكما مطلقا بعد عام من عضويته في مجلس الرئاسة .

وثائق ويكيليكس الأخيرة تشير الى أن علي عبد الله صالح هو من نفذ بيده قتل الحمدي وشقيقه عبد الله الحمدي بعد دعوتهما الى مأدبة غداء في دار رئيس الأركان أحمد حسين الغشمي الذي تولى الرئاسة بعد مقتل الحمدي وتشير الوثائق الى برقية مفصلة للسفارة الأميركية في صنعاء تصف فيها ظروف وملابسات مقتل الحمدي وكيف أن صالح استخدم خنجره في طعن الحمدي عدة طعنات كي يتأكد من موته .

في الصورة الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي وعلي عبد الله صالح .

ولهذا المنشور مقدمة على هذا الرابط :

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=2040709319543505&set=a.1473263359621440.1073741828.100008133698983&type=3&theater

 

وله تتمة لاحقة .