قالوا: نقل السفارة الأمريكية للقدس عمل جنوني لرئيس مجنون؟

محمد عبد الحكم دياب

 

 

حينما نشير إلى مسؤولين عرب صمتوا أو باركوا أو شاركوا في قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبارها عاصمة الدولة الصهيونية نعني بذلك المسؤولين ومراكز القوى والأحزاب والجماعات السياسية، من الذين أدخلهم ترامب في حسابه، وأبلغهم بقراره قبيل اقتراف هذه الحماقة الكبرى. وذكرت وكالات الأنباء العربية والعالمية أن من بين من اتصل بهم كان المشير السيسي رئيس جمهورية مصر العربية، ومحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، والملك عبد الله الثاني، ملك الأردن وهناك غيرهم، لم يُسْتَشاروا ولم يستنكروا أو يشجبوا القرار، يربط بينهم جميعا قلقهم وحرصهم على عملية السلام، وهي عملية لا وجود لها على أرض الواقع، ولا تمت للسلام بصلة، وَوُجدت لمزيد من الاستيطان ودعم الإرهاب والعنف، ونشر الفوضى، ووضع أقصى ضمانات لأمن الدولة الصهيونية وبقائها وتفوقها، وسحب أي رصيد من كل دولة أو جماعة ترفض الاحتلال وتسعى من أجل السلام العادل، والذين اكتفوا بالصمت، ينطبق عليهم مَثَل السكوت علامة الرضا..

والمشهد لم يكن قاصرا على ترامب وحده، ورعونته وعنصريته ضد العرب والمسلمين، وضد الداعين للاستقرار والعدل والمساواة، والرافضين للصهيونية والفصل العنصري أيا كانت طبيعته وشكله، وترامب وجه من وجهي عملة مزيفة، وجهها الثاني تمثله حالة عربية تعاني من ضعف حاد وصل حد الهوان، وبه اعتاد العرب تسليم رؤوسهم لمن يتولى قطافها.. وارتاحوا لمن ينوب عنهم في اتخاذ المواقف التي لا تهدد وجودهم ولا تضر بمصالحهم ولا ببقائهم على مقاعد الحكم. والإدارة الأمريكية من بين هؤلاء، وكوفئت مقدما على جنوحها وجنونها، وحصلت على عقود وصفقات، بلغت حصيلتها أكثر من 400 مليار دولار.

وكانت الدول الافريقية أكثر تشددا ضد قرار ترامب، ومعها باكستان وإيران وتركيا وبنغلاديش وماليزيا. وتوقع الكاتب روبرت فيسك، خبير الشؤون العربية والشرق أوسطية، بصحيفة الاندبندنت البريطانية في مقال عنوانه حلم صهيوني يتحول إلى حقيقة وكابوس بالنسبة للعرب، إذا ما أعلن ترامب القدس عاصمة للدولة الصهيونية، وتنبأ بإقدامه على هذا العمل، الذي وصفه فيسك بالجنون، قائلا الرؤساء المجانين يُقْدِمون على أعمال جنونية، واستبعد تكرار الحفاوة واستقبال ترامب الحار برقصة السيف التقليدية في الرياض مرة أخرى، وهذا المقال نُشر الثلاثاء الماضي، في اليوم السابق على قرار نقل السفارة. وضمَّنه تساؤل:أليس هناك أحد في البيت الأبيض قادر على كبح جماح هذا الرئيس؟ حتى جاريد كوشنر رجله للشرق الأوسط، عاجز بسبب التورط في فضيحة المشاركة في إدارة مؤسسة تمول بناء المستوطنات في الضفة الغربية.

كان القرار مستفزا وخطيرا بالنسبة للعرب، وما إذا كانت السعودية ستشتري أسلحة بمليارات الدولارات من أمريكا عقب هذا القرار؟ في منطقة لم يكن ينقصها غير قرار مستفز مثل هذا، إنه قرار مجنون من رئيس مجنون، على حد قول فيسك.. ألا تكفي الحروب المستعرة في الشرق الأوسط لتضاف إليها تداعيات القرار الكارثية؟ سيقول العرب، مسلمون ومسيحيون، إن مدينتهم المقدسة أُعطِيت لليهود وحدهم، وليس لهم، وهو أمر لا يقبلونه. وأعطى نقل السفارة معنى تجريد عروس المدائن من طبيعتها المقدسة، بالنسبة للمسلمين والمسيحيين واليهود، ولن يتمكن الفلسطينيون من تقاسمها والعيش فيها، وعملية السلام ألقيت جانبا وطواها النسيان، ولم تعد قائمة حتى في مخيلة البعض، وبقرار نقل السفارة ستتقَطُّع علاقة واشنطن بالاتحاد الأوروبي، ويلحق الضرر بعلاقتها بكندا، المعارضة للقرار. إما نتنياهو رئيس وزراء الدولة الصهيونية فكان سعيدا، إذ سيصبح طليق اليد في زرع المستوطنات على الأراضي العربية، وهو ما يفاقم الوضع الفلسطيني، فاليهود يسرقون أراضي أصحاب الأرض، وجاءهم من يجهض حلمهم في دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.

وعرضنا لرأي فيسك من أجل المقارنة بآراء ومواقف عربية رسمية، جسدت العجز بكل معانيه، وتستأسد على الضعفاء من الأشقاء وذوي القربي، وتستخدم القسوة المفرطة ضد بني الجلدة والأهل، وتستمتع بأن تكون طوع بنان المستعمرين والغزاة والقتلة، والإغداق عليهم وتدليلهم، وتقديم فروض الولاء والطاعة لهم.

وحل الدولتين، الذي اقترب منه المجتمع الدولي، لم يكن للمسؤولين العرب فيه جهد كبير، كانوا صدى لأصوات أوروبية، استشعرت خطر جمود القضية الفلسطينية على الوضعين الإقليمي والدولي، في منطقة تعيش فوق بركان معرض للانفجار في أي لحظة. ومن العرب من ركب الموجة، وسعد بها، وتكيف معها، لا يهمه بقاء القدس أو ذهابها. وأقصى نجاح له أنه صنع لنفسه عدوا من جار قريب، وصادَق وافدا ومحتلا قادما من وراء البحار، متصورا أن ذلك يعفيه من مسؤولية تحرير فلسطين.

صب قرار ترامب في صالح ما يعرف بمحور التشدد، الروسي الإيراني التركي السوري وامتداداته، ورغم تباينات مكوناته إلا أن شعور الخطر وحدهم. وقد تجاوزت حال العرب حال ملوك الطوائف الذين استعانوا بأعدائهم ضد أشقائهم ومن ثَم قُضِي عليهم جميعا. وحظ ترامب كان في توقيت القرار، وفي مناخ الهوان والضعف العربي، فتمكن من استعراض بقايا قوة آفلة، ومن يرتعب من كوريا الشمالية ويذهب إلى الصين صاغرا، ومن ويقرأ لغة الجسد أثناء لقاء ترامب والرئيس الصيني يتأكد من ضآلته في حضرة الرئيس الصيني، واستأسد على العرب، فلسطينيين وغير فلسطينيين، فهم يمثلون لديه حيطة مايلة، أي جدار آيل للسقوط، وهذا لن يدوم طويلا، ولن يهنأ باستمرار هذا الوضع الشاذ..

لنتخيل أن مجموعة الدول العربية والإسلامية، ومعها دول عدم الانحياز، بمكوناتها الأسيوية الافريقية اللاتينية، نتخيل أنها أجتمعت على موقف واحد مخالف لموقف ترامب، أساسه العزة والكرامة والتضحية، وقدرة على المواجهة والمقاومة، فهل كان ترامب ليجرؤ على اتخاذ ذلك القرار، وها هو يتابع العرب وهم يستجدونه ويتوسلون إليه كي يتراجع عنه، وما كان لرئيس جهاز المخابرات الصهيوني السابق عاموس يادلين، أن يقول الفلسطينيون والعرب والأتراك يهددون بمسدسٍ فارغٍ، ومشغولون في الصراع الدائر بين السعودية وإيران في اليمن ولبنان. ومن جانبنا نقول: لا يمكن تبرئة العرب والمسلمين من دم القدس.. وبراءتهم تماثل براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وكان بنيامين نتنياهو شريكا نائما في صناعة قرار نقل السفارة، بتدخله لإرجاء التصويت على مشروع قانون القدس الكبرى في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كي لا يربك ترامب ويغطي عليه، واستطاع تأجيل اجتماع اللجنة الوزارية المختصة التصويت، وكانت تعمل على تسريع الإحالة للكونغرس لإقراره، من أجل ضم الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة إلى بلدية القدس الغربية (المصهينة). وزيادة سلطات بلدية القدس لتمتد إلى مستوطنات جنوبي القدس وشرقها، وتقع في الضفة الغربية المحتلة منذ خمسين عاما. وجاء عام 2017 ليكون عام الاستيطان الأكبر في تاريخ المشروع الصهيوني، تمت فيه الموافقة على بناء 12 ألف وحدة سكنية، مثلت أربعة أضعاف ما بُني عام 2016 من وحدات استيطانية.

وبعد كل ذلك ألا يحتاج الأمر إلى وقفة مع النفس وإعادة النظر في مضامين وطرق وأساليب العمل والتصدي والمقاومة المشروعة، كي ينتهي ذلك الضيق المانع لانطلاق العمل الوطني، ووصوله حد الاختناق، وليس في ذلك أي مصلحة لا للحاكم أو المحكوم.