ليس بمواجهة ترامب بل بمواجهة أمريكا

 

صباح علي الشاهر

 

 

ترامب لم يعبر عن موقفه لوحده فحسب ، بل عبر عن الموقف الحقيقي للحزبين الديمقراطي والجمهوري ، وللكونكرس ومجلس الشيوخ ، ربما تعترض بعض القوى والمؤسسات الأمريكية على موعد هذا الإعلان ، لكنها لا تعارضه من حيث المبدأ . هذه مسألة ينبغي أن لا تغيب عن ذهن الذين ينبرون لمواجهة قرار ترامب . نحن لسنا بمواجهة ترامب المغامر ، وإنما نحن في حقيقة الأمر بمواجهة النظام الأمريكي ، الذي كان ومنذ البدء ليس منحازاً لإسرائيل فحسب ، بل داعماً لها ومشجعاً علناً أو من وراء الستار ، لكل جرائمها بحقنا كعرب ، وبحق الشعب الفلسطيني .

ربما يتصور البعض أن النجاح يكمن في إسقاط ترامب ، وهذا إن حدث أمر لا يؤخر ولا يقدم في الأمر شيئاً ، بل سيأتي نائبه " ما يك بينس" وهو أكثر صهيونية من رئيسه .

أغلبية القادة المتنفذين في الإدارة الأمريكية يؤمنون بما ورد في الكتاب المقدس عن بني إسرائيل ، حتى بخرافات الإسرائيليات عن وعد الله ، وليس بالموقف التأريخي الثابت والواضح للكنيسة المسيحية عن دور اليهود في صلب السيد المسيح ..

هل هذا ناتج عن إيمان ديني أم عن إستثمار للدين  كما لأي شيء آخر ؟ الإجابة على مثل هذا السؤال بالسلب أم الإيجاب أمر ليس بذي بال ، لأنه لا يقدم ولا يؤخر .

منذ عام 1995  حيث أصدر الكونكرس الأمريكي قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى  القدس ، وبأغلبية ساحقة من الأصوات ، وحتى قبل ذلك ، كان الرؤساء الأمريكيون من مؤيدي نقل السفارة إلى القدس ، التي أعتبروها عاصمة الكيان الإسرائيلي . لم يكن وجه أمريكا خافياً على احد ، ولا هم حاولوا إخفاءه ، لكن البعض الذي إرتبطت مصالحه بها ، أو هو ممن توهم أنه من دون أمريكا لن يعود أي قدر من الحق لأصحابه ، ومن توهم بسبب إنهياره وضعفه أن 99% من أوراق الحل بيد أمريكا ، ليس فيما يتعلق بفلسطين بل بمصائر العالم ، أو الذي توهم وأوهم أنه يمكن التأثير على أمريكا بالكلام وإعلان الصداقة من جانب واحد ، أو صدق أن أمريكا يمكن أن تقف مع حق الشعوب ، أو أنها  يمكن أن تكون حكما عادلاً ومحايداً ، وبغض النظر عن كل الأسباب التي أدت إلى إتخاذ مثل هذه المواقف ، فإن ما تم فيما بعد ، وما قام به العرب ، أو بعض أنظمتهم ، مهما إختلفت النوايا ، كان تقديماً لفلسطين ، وليس القدس فقط، على طبق من ذهب إلى الإسرائيليين الغزاة .

لم نكن مضطرين ، الآن وفي السابق لإعلان الحرب على أمريكا ، لكننا كنا قادرين على فرض إحترامها لنا ، وكنا وما زلنا نملك الكثير من الأوراق ، التي ما أحسنا ولم نحسن حتى الآن إستثمارها ..

أمر يكا عدوتنا .. وهي عدو قوي ، وأقوى دولة في  العالم ، وليس من الصائب والمفيد إستراتيجيا التعامل مع العدو كصديق ، لأننا نكون في هذه الحالة كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال ، وتكون نتيجتنا الحتمية الخسران المبين والهوان مسبقاً ، ولم يكن بإمكاننا بالتأكيد إعلان الحرب على أقوى دولة في العالم ، خصوصاً ونحن ممزقين وفي غاية الضعف ، ويقودونا من هو غير مؤهل فعلياً وعملياً لقيادة أصغر بلد في العالم . .

أمامنا خياران ، بعد إستبعاد خيار الحرب مع أمريكا ، أما أن نستسلم لما تريده ، وما تريده واضح وبين ، ليس من خلال كلامها فقط ، بل من خلال كل مواقفها منذ تأسيس إسرائيل وإلى اليوم ، والقضية لا تتعلق بتسليم فلسطين للمغتصبين فقط، بل بتسليم كل أمورنا لمن لا ينظر لنا إلا نظرة العداوة والإحتقار ، تارة بسبب إسرائيل ، وتارة بسبب ديننا وتأريخنا ، أو بسبب قوميتنا ، أو بسبب أننا وجدنا على أرض لا نستحقها ، كموقع جغرافي فريد ، وكخيرات وجدت في باطن أرضنا عن طريق الصدفة ..

والخيار الآخر المتاح أن نقاوم ، وهو الخيار الذي وقفنا على مشارفه يوماً ما ، لكننا لم ننتهجه إسلوباً فعالاً ، وإن إختاره بعضنا في فترة محدودة لا تمثل شيئاً قياساً إلى فترة الإرتهان بأمريكا ، وإنتظار المستحيل ,,

مصالح أمريكا المؤسسة والنظام ، قبل أي رئيس عاقل أم مجنون ، وقبل إسرائيل ، وأمريكا يمكن أن تنقلب بين ليلة وضحاها إذا أحست بأن مصالحها تتعرض للخطر ، ولمن لا يعرف طبيعة هذا النظام  عليه أن يقرأ قانون الكونغرس عام 1995 القاضي بنقل السفارة إلى القدس ، والذي أباح للرئيس تعطيل القرار لمدة ستة أشهر قابله للتجديد إذا كان تنفيذ القرار يتعارض مع المصالح العليا لأمريكا .

علينا بأن نمسك أمريكا من اليد التي توجعها ، والسبيل إلى هذا واضح بين لمن يريد فعلاً أن لا تضيع القدس ، ولا تصبح فلسطين في خبر كان ..