الطائفة المرشدية في سوريا.. الوجود المغيب

هوازن خداج

 

 

 2017/08/24

شكّلت الجغرافيا البشرية المتنوعة دينيا وطائفيا وإثنيا جزءا خصبا في حياة المجتمع السوري، بحيث مهّدت الطريق لإمكانية ظهور دين أو فئة دينية لها مذهبها ونهجها الخاص فأضيفت إلى مساحات التنوع الديني العقيدة المرشدية التي انشقّت عن الطائفة العلوية وتعدّ أحدث معتقد ديني في القرن العشرين، ويقدّر عدد أفرادها بنصف مليون شخص يتواجد معظمهم في سوريا.

شقّت المرشدية طريقها للوجود في 1923 إبّان عهد الاستعمار الفرنسي على يد سلمان المرشد (يشتهر باسم سليمان المرشد) ابن قرية جوبة برغال، الواقعة في منطقة الحدود الجبليّة بين محافظتي اللاذقية وحماة، وامتدّت الدعوة إلى مناطق أخرى من سوريا.

بشّر سلمان بقرب ظهور المهدي لـيملأ الأرض عدلا، ودعا إلى إلغاء العادات التي ترسّخ سيطرة مشايخ العلويين على أتباعهم، ووحّد سلمان أهالي منطقته وحارب الفرنسيين فسجن ونفي إلى مدينة الرقة ووضع تحت الإقامة الجبرية 6 سنوات نتيجة معارضته البعثات التبشيرية، ثم نجح في الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 1943، لكن الاتهامات الكثيرة بالخيانة والتآمر مع فرنسا وادعاء الألوهية كتهمة مبطّنة ما لبثت أن لاحقته، وكان اتهامه بقتل زوجته سببا في اعتقاله.

ورث مجيب المرشد أفكار أبيه سلمان ليكون هو المؤسس الحقيقي للدعوة المرشدية باعتباره القائم الموعود الذي أطلق الدعوة في 25/ 8 /1951، ويعتبره المرشديون المخلّص الذي أعطى المعرفة الجديدة عن الله. قبل مقتل مجيب في 27/ 11/ 1952 في عهد الرئيس أديب الشيشكلي أشار لأخيه ساجي ليكون الإمام ومعلّم الدين الذي يلجأ إليه المرشديون في أمور دينهم، وبموت الإمام ساجي أو غيبته عام 1998، لم يوص لأحد من بعده، ولم تعد لدى المرشدية مرجعية دينية، انطلاقا من المعتقد المرشدي بأن موت الإمام غيبة، فالإمام ساجي غاب ولم يمت، وصار الأخ الأصغر نور المضيء هو الملقّن الذي تم اختياره من قبل الجماعة المرشدية لتلقين طقس الصلاة لكل من يبلغ الرابعة عشرة من عمره ذكرا أم أنثى وذلك مرة واحدة في السنة.

غياب التفاصيل الدقيقة عن القناعات الدينيّة للمرشديين، خاصّة أنهم لم يقدّموا تعاليمهم كدين ممنهج، ووضعت المرشدية في مرمى الشائعات التي اعتبرتها دينا مارقا وطائفة منحرفة من غلاة النصيرية، وضيّعت حدود شخصيّة المؤسّس إن كان كما يزعمون أم مجرّد مصلح اجتماعي، فما أسّسه سلمان المرشد من استقلالية في الناحية العقائدية عن الطائفة العلوية جعل من المرشدية طائفة مختلفة بعقيدتها وأفكارها التي ألغت السلطة الدينية، إذ لا وجود للعلماء أو المشايخ ولا مكان للواجبات والفروض أو الأوامر والنواهي الشرعية التي يعتبرونها حالة من القسر، فالابتعاد عن الشر وعمل الخير إن لم ينبع من تلقاء النفس فلا فضل لفاعله. ولم يقدم المرشديون على أي عمل دعوي تبشيري إنما يعطى الدين بناء على طلب المريد، ويقولون في تعاليمهم ليست علينا مهمة إنقاذ العالم.

لا يفرّق المرشديون بين الأديان السماوية أم الأرضية، فكل دين هو طريق موصلة لله، فهم لا يُدينون أو يكفّرون أحدا، فالديّان هو اللهُ ولا أحد وصي على أحد، كما تدعو المرشدية إلى المساواة بين الرجل والمرأة، فللمرأة المرشدية الحقُّ في التعليم الدنيوي واختيار عملها وشريكها دون أي إكراه، ولها الحق في التعليم الديني والاطلاع على أمور الدين بشكل مخالف لتعاليم الطائفة العلوية التي تحرّم الدين على النساء.

استقلت المرشدية عن الأديان السماوية بنظرتها للإنسان المتدين ولكيفية اتباعه الله، فطهارةُ السريرة مقدَّمـة على الشريعة، فالشريعة مجرد نصيحة تختلف باختلاف الزمان والمكان وليس هناك من دين يحيط بالله، واعتبرت التزام الأخلاق طريقا للفوز برحمة الله الواحد وأساسا للارتقاء إلى الكمال. وللمرشدية عيد وحيد هو (عيد الفرح بالله) الذي يصادف يوم 25 أغسطس تاريخ إطلاق الدعوة على يد مجيب المرشد عام 1951- ويستمر ثلاثة أيام يتلون فيها صلواتهم الخاصة، ويحتفلون بعيدهم في أماكن مخصصة تسمى الساحات وكلمة المعايدة هي هنأك الله على الإيمان، ورغم عدم سرية العيد وطقوسه لم يسلم من الشائعات بأنه ليال من الشهوة والجنس بلا تمييز بين محارم وغيرهم، ويعيب كثيرون على المرشديين صدق وثوقهم بإمامهم سلمان وبأنه بالنسبة إليهم في مصاف المقدس.

وظلت المرشدية حقيقة غامضة ومحاصرة بسور من الشائعات إلى أن سُلّطت الأضواء عليها عبر الإنترنت وبعض الكتب التي نشرت حولها، وأهمها كتابان محاورات حول الحركة المرشدية ولمحة خاطفة عن الحركة المرشدية خطهما النجل الثاني لسلمان المرشد واسمه نور المضيء المرشد/ الملقّن الذي لم يتمتع بأي مكانة أو سلطة دينية وتوفي في 18/11/ 2015، حيث يتم التركيز فيهما على أن المرشدية دين للجميع وليست حزبا، ولكنها لم تجد طريقها إلى التأطير أو تنال الشرعية كدين، لتقبع خلف سور أعتى كأقلية لم تنل الاعتراف بها كديانة لها وجودها.

لم تشفع الميول السلمية للمرشديين في الابتعاد عن واجهة الأحداث التي عاشتها البلاد بعد الاستقلال، فلم تسلم من ردة الفعل الغاضبة من الطائفة العلوية على انشقاقها والغارات المتفرقة عليهم التي أسفرت عن مقتل الكثيرين منهم، ولم تأمن جانب الأغلبية السنية منذ مقتل زعيمها وإبقاء أولاده ساجي ومحمد الفاتح ونور المضيء تحت الإقامة الجبرية حتى 1970.

ومع قيام الثورة اختارت المرجعيات الروحية للمرشدية الحياد، لكن عدم منحهم الأمان وخوفهم على وجودهم من الفصائل الإسلامية ودخول الجيش الحر أكثر من قرية لهم في ريف اللاذقية واستباحة أملاكهم ومنازلهم، دفعت الكثيرين من شبابها إلى مشاركة النظام في الحرب، وامتنع آخرون عن الالتحاق بالجيش، ما جعلهم عرضة لملاحقة الشرطة العسكرية، ليصير المرشديون كغيرهم من أقليات سوريا يمارسون طقوسهم ويُحيون عيد فرحهم بين نارين.