الطريق إلى الضفة

 

كمال خلف الطويل

 

 

ليس من سؤال يتردد على الألسن ، هذه الأوقات ، بتواترٍ لافت مثلما سؤال: هل ما تلا القرار الترامبي ، بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل ، من ردود أفعال فلسطينية محضُ هبةٍ شعبيةٍ محدودةٍ وعابرة ، أم هي ارهاصات انتفاضة مستدامة تفتح الطريق الى دحر الاحتلال وقبع الاستيطان دون قيد أو شرط ؟

 ليس علمياً ولا مسوَّغاً قول "يجوز الوجهان" ، لأنه ببساطة لا يجوزْ. كيفْ ؟ خلفُنا حصادُ ثلاثة وعشرون عاماً من الخيبة، أشعلت خلالها سلطة أوسلو أصابعها العشر لاسرائيل والولايات المتحدة طلباً للرضاء وسعياً للرضا ، فحَمت أمن الأولى ودرأت عنها غوائل مقاومة ، وماشت الثانية في رغائبها الاقليمية ما استطاعت لذلك سبيلا , وأدامت احتراباً بالنار وما دونها مع الاسلام السياسي بما ضاعف من حصار العدو والجار لقطاع غزة أثراً وتأثيراً ، بل وأشدّ إيلاما .. لا لشي إلا لأن الشعب واحد.

ثم أجرت ، ولعقدٍ الاّن ، هندسةً اجتماعيةً حقنت فيه مجتمع الضفة بمخدّر قوي المفعول من دعةٍ مصنّعة ، مادّتها الإقراض والاستدانة ، وضريبتها تطويق أعناق الناس بحِملٍ يُنسيهم وجعهم العام بوهم سعادة فردية.

ظنّت أن إخراج السياسة من الحيّز العام وحصرها بين يديها قمينٌ بفسحة مناورة رحبة ، فيها تبارز بالدبلوماسية وتتمايل بين الأسطر والجُمَل وتداعب هذا وتلاطف ذاك ، وتُطامن نفسها أنْ طالما قدرة الفيتو على تمرير مالا يمكن تمريره ، سواء لأحدٍ أم لها قبل كلِّ أحد ، في حرزٍ حريزٍ لدنها فهي وشعبها وقضيتها في خيرٍ عميم.

غاب عنها أن "السياسة" في فلسطين لا يمكن إلا أن تكون حيّزاً عاماً ، ولعل الفضل في ذلك يعود أولاً لمن يتمنَون لو لم تكن فلسطين ولا فلسطينيون. فهم ، حتى لو سهى ساهٍ عند غفوة تاريخ ، لهم ميقظون. والحال ان شعباً قدّم مليون سجينٍ ونيّف ، من أصل ستة ملايين على أرض 67 وعبر عقود احتلالها الأربعة ، مثالٌ حيّ على كفاحيةٍ صلدةٍ لا تلين.

الخيبة المتراكمة ، معطوفةً على كفاحيةٍ ثاوية ، تؤشّر إلى مفصلٍ فيصلْ ما كان يحتاج إلا الى خميرة تفاعل ، إنْ هي إلا دونالد ترامب وما يمثّل. فذٌ هو!! لمّا نكش من جديد ، وبرعونةٍ ، رمزية القدس .. لم يستفد من درس تموز الفائت ولا من عِبَر عامين انصرما ، بحمولتهما من الدعس والطعن ، فمضى في غيِّه يعمه.

والشاهد أن المحبَطين أصحاب "مافيش فايدة" يدركون ان أوسلو ذاتها لم تُستكمل , ، فلا منطقة ج ولا معظم ب هي بعدُ داخل إطارها ، وأن غول الاستيطان ينهش في حشايا الضفة بلا رادعْ ، وأن "الراعي" الأمريكي لم ولن يحرّك ساكناً طالما لم تقبل السياسية الفلسطينية ب"إنهاء الصراع" ، أي التعبير الكودي عن قبول السردية الصهيونية ويهودية الدولة. ثم أن كلاً من المحتل وسيّده رأى في وقائع "الربيع" العربي ما حسِبه ، والسعادة تغمره ، تطالقاً بين شعوب عربية انصرفت لدواخلها وبين فلسطين وناسها ، ممن رأت فيهم عبئاً طال حمْله ، وإذن فقد لاحت بشارة الاستسلام.

عند هذه النقطة نهاية 2016 - كانت أحوال المؤسسة الأمريكية الحاكمة قد وصلت الى شوكة طريق ، فارقت مسار تقليدييها "الدولتيين" عن مسار مستجدّيها "القوميين" ، ليس كتنويعاتٍ على المقام بل تجسيداً لفسطاطَين متنافرَين. الأول كان قد لامس وجوب استبقاء فرصة كيان "قابل للحياة" على ارض 67 ، فيما اشترط الثاني تلبية مطامع التوسع الاستيطاني الاسرائيلي أولاً ولو أضحى ما تبقّى فُتاتْ. مضى الأخير في سعيه بمظنّة أن لا قد شطبت من القاموس ، وسمّت غثاءها صفقة قرن ... ثم ولجت القدس.

والحاصل ان مشهدية الأسبوعين الفائتين ترسم لوحة متنافرة الألوان ومتباينة المدارس لكن فيها إشارةً لا تخطئها عين: أن معنا صيرورةٌ غير قابلة للكبح ، لكنها خلطةً من الإقدام والاحتياج والترقّب والتثبّت والتشجّع والتذكّر قد تضلّل الأبعدين ، بل وبعض الأقربين.

لبّ المسألة من أوجه أربعة: لزوم نأي الأمن الفلسطيني بنفسه عن سبّة الوقوف في وجه شعبه ... فقدان ثقة الناس بالسلطة حكْماً وإدارة ... ارتقاب فتح وحماس من منهما يبدأ ... وتردي سمعة الفصائل النضالية بين الناس. لم يعد دحر الاحتلال عند الناس أمنية انعتاق بل أمسى ضرورة حياة ، لكنهم مشبعون بعبَر تجارب سلفت ومتطيرون من نصب السلطة أمنها حاجزاً يقي المحتل من نزولهم الشارع.

والحاصل أنه مهما كان الرأي في الفصائل فهم جمعٌ فارقٌ لا يستقيم أمر نزالٍ دون انخراطها فيه بالقضّ والقضيضّ. ما تحتاجه والناس: التراضي على قاسمٍ مشتركٍ أدنى هو دحر احتلال الضفة والقدس بلا أي قيدٍ أو شرطٍ هدفاً ، و اعتماد العصيان المدني السلمي المتدرج والشامل وسيلة نضالٍ وحيدةٍ سبيلاً.

والحاصل أن اللجوء الى السلاح في هذه الأوقات دعوةٌ مجّانيةٌ لإيذاء النفس ، وتنفيرٌ قصير النظر والنفَس لأرتال من المتعاطفين عبر المعمورة ، تستقوي بسلمية الكفاح الشعبي فتنصره. ولأن ظروف الحاضر لا تؤمّن للفلسطيني راعياً كونياً فليس من نصيرٍ له سوى شعوب الأرض ، أمرٌ يضاعف من أهمية الشعار والسبيل.

في المقابل ، فالمشترك الفلسطيني يعظّم من دواعي تلاقي المحورين الإيراني والتركي ، مما يصحح الى حدٍ ملحوظٍ اختلال موازين الاقوى في الإقليم ... لصالح فلسطين ؛ وكم يتعزز ذلك بعدُ باستنهاض كتل الإسلام الاّسيوي رفداً ودعماً ، سيما وواشنطن في عزلة غير مسبوقة لا تشاركها فيها إلا اسرائيل.

والشاهد ان الصلة جدليةٌ بين وتيرة الكفاحية الشعبية الفلسطينية وبين استجماع شعوب القارات الثلاثة ، بل وأوربا ، عزمها على قطع سرّة اسرائيل الدولية ؛ ولا أبالغ في لحظ تمدد تلك  الجدلية الى عمق حزام واشنطن تسعيراً وتأجيجاً لتفارقٍ مكتوم ، حول مسألة القدس بالذات وعقابيلها ، بين الترامبية والدولتية.

تدرك سلطة رام الله أنها أمام امتحان التاريخ ؛ ومَنْ خيرٌ من فلسطينيي الضفة والقدس بيئةً ضاغطةً عليها لإنفاذ أمرين: الانزياح عن درب شعبها وهو يلج بوابة العصيان المدني ،  والاشتغالُ خلية حربٍ دبلوماسيةٍ تلاحق اسرائيل في كل محفل ، ها وقد نالت اعتراف مجتمع الدول .. وإن منقوصاً.

فإذا جمعنا سنوح فرصة إلى ثبات عزيمة مع اقتدار إدارة نكون على سكّة تحرير 67 ، دون مسّ ملف 48 ، ومن دون قيد أو شرط.