الرأسمالية والهرب من السؤال الأساسي: كيف نوزع الأرباح؟

صائب خليل

 

 

يعترف بروفسور الاقتصاد روندو كامرون (وهو استاذ رأسمالي المنطلق) بصعوبة تحديد "التطور" استناداً إلى "النمو" (الرأسمالي) في الاقتصاد لأن "زيادة الدخل القومي للفرد، لا تخبرنا عن توزيع ذلك الدخل بين الناس". والذي قد يعني زيادة فقر نسبة عالية من الناس رغم تلك الزيادة العامة التي تحتسب كمعدل، بقسمة الدخل القومي (أو الوطني) على عدد السكان.

يستمر كامرون: "إن تمييز "التوزيع الجيد للأرباح" عن "التوزيع السيء"، مسألة "أخلاقية" لا علاقة لعلم الاقتصاد بها".

وصحيح ما يقول البروفسور كامرون، ما دمنا نتحدث عن "علم الاقتصاد الرأسمالي"، الذي يضع هدفا حسابياً له هو "زيادة الأرباح"، ويدعو المشتغلين به إلى التركيز على ذلك الهدف فقط، دون التدخل في السؤال: أين تذهب تلك الأرباح.

وقد يبدو هذا الموقف "الحيادي" فيما يتعلق بالتوزيع، موقفا "علمياً" مثالياً لأول وهلة: ألا يفترض بنا مثلا حين نجري تجربة فيزيائية أن "نتجرد" عن مصالحنا ورغباتنا ونركز على "العلم" وحده لنصل إلى "الحقيقة"؟

الأمر مختلف تماماً في الحقيقة.. فنحن نجري التجربة العلمية بحثاً عن حقيقة مجردة لا علاقة لنا بها. فإذا أردنا مثلا معرفة ما إذا كان تغير الضغط يغير درجة الغليان أم لا، فعلينا ان نجري التجربة بحيادية تامة لأن "مصلحتنا" في معرفة تلك الحقيقة المجردة كما هي. أما حين نضع نظاماً ما لحياتنا، فإننا نفعل ذلك من أجل ان نستفيد منه، وعندها لا معنى للحياد. إن لم تأت التجربة العلمية بالنتيجة التي كنا نتوقعها، فستبقى قيمتها كما هي، بل ربما تزيد، لكن إن لم ينتج النشاط الاقتصادي رفاهاً لنا، فلا معنى له! لذلك فالسؤال عن توزيع الأرباح سؤال مركزي وأساسي ويجب طرحه والاتفاق عليه قبل المباشرة بذلك النشاط، ودراسته كجزء من النظام الاقتصادي المتبع لاكتشاف إن كان يناسبنا أم لا. إن كانت الرأسمالية تشترط علينا ان نترك هذا السؤال لصراع القوة ليحدد نسب التوزيع بيننا وبين "شريكنا" الرأسمالي الأقوى، فيجب ان نرفض الرأسمالية ببساطة!

لماذا يتهرب النظام الرأسمالي بكل السبل والحيل من هذا الموضوع ويعده كهنته "موقفاً سياسيا" لا علاقة لعلم الاقتصاد به؟ الحقيقة هي أن النظام الرأسمالي قائم على سرقة جزء من "فائض القيمة"، كما برهن ماركس بوضوح رياضي تام. لذلك فأية محاولة جدية لدراسة توزيع الارباح ستكشف هذه الحقيقة "غير المناسبة". ولذلك يدعونا الرأسماليون ومنظروهم إلى أن "لا نتدخل في توزيع الأرباح"، وأن "نتركها للسوق" ليقررها.

هل يتم توزيع الارباح إذن بشكل عشوائي بدون أي تدخل؟ الحقيقة النظام الرأسمالي "يتدخل" تماما في توزيع الارباح، حين يترك "توازن القوة" بين الرأسمالي والعامل يقررها من خلال تأثيره على قانون العرض والطلب. فما يبدو كـ "إتفاق حر" بين طرفين، ليس سوى اتفاق تحت تهديد مسدس الجوع، ومن طرف واحد. فالعامل يجوع إن رفض، اما الرأسمالي فيمكنه العيش طويلا بهناء حتى يأتي العامل راضخاً. ففارق القوة بين الطرفين كبير جداً.

الأمل الوحيد للعامل أو الموظف هو في التجمع بشكل نقابات لموازنة القوة ولو جزئيا. ولا غرابة أننا نجد أن تلك الممارسة بالذات تقابل برفض شرس من الرأسماليين. ونلاحظ في التاريخ أنه كلما ازدادت قوة النقابات قليلا، تقام لها مذبحة في ذلك البلد في الوقت المناسب، ولم يستثن عن ذلك حتى كبريات الدول الرأسمالية مثل اميركا.

لذلك كله، يفضل "علم الاقتصاد" الرأسمالي أن يبقى بعيداً عن مسألة توزيع الارباح، وأن يتركها لتوازن القوة المختل، وإن حاول أحد تعديل هذا الميزان قليلا، يتم تكليف رجال الأمن والشرطة السرية لإعادته إلى اختلاله المطلوب، ويعود الحديث بأن توزيع الأرباح "مسألة "أخلاقية" أو "سياسية"، وأن "لا علاقة لعلم الاقتصاد بها"، كما يؤكد كامرون وكل دعاة الرأسمالية.