تصويت القدس – درزن انتصارات بضربة واحدة!

صائب خليل

 

 

23 ك1 2017

ربما لم يكن حجم الانتصار العربي والاسلامي، بل والإنساني حول القدس واضحا للجميع، لذلك دعونا نضعه في نقاط ونراجع حقائقه. 

 1-نسبة التصويت 14 إلى 1: هذه النسبة الرائعة من 128 مقابل 9 أصوات من ضمنها صوتي الولايات المتحدة وإسرائيل، ليست بإنجاز قليل.

 2-مجموع سكانهم اقل من سكان العراق: الأصوات السبعة التي حصلت الولايات المتحدة وإسرائيل على تأييدها (غواتيمالا: توغو: ناورو: بالاو: ميكرونيسيا: جزر مارشال: هندوراس) أصوات لا يقال عنها أكثر من أنها أصوات بائسة. دول ليس لها اية علاقة بالشرق الأوسط ولم تبد يوما أي اهتمام به، وهو ما يعني ان تصويتها ليس له أية علاقة بموقف حقيقي، لا لشعبها ولا لحكوماتها. إضافة إلى أنها صغيرة وأحيانا "لا ترى بالعين المجردة" ومجموع سكانها كلها أقل من سكان العراق وحده! 

 3-أصدقاء أميركا وإسرائيل يصوتون ضدها: عندما تصوت جميع دول أوروبا الغربية رغم كل الضغوط الإسرائيلية التي تتعرض لها، ضد إسرائيل فهي ليست مسألة سهلة.

 4-ذيول أميركا وإسرائيل يصوتون ضدها: من الممتع ان يراقب المرء التوابع الإسرائيلية والأمريكية وهي تتلوى تحت الضغط فتقول عكس ما تريد بالضبط! فلم يجرؤ أي من هؤلاء مشاركة نتانياهو سعادته.

محمود عباس اتفق مع هنية على ضرورة تعبير الجماهير عن غضبها، والأمين العام للجامعة "العبرية" أبو الغيط وصفه باستفزاز غير مبرر، والسيسي رفض القرار، وشيخ الأزهر، المؤسسة المشبوهة حذر من تداعيات خطيرة، وحتى السعودية، الذيل الإسرائيلي المتزايد الصلافة اعتبرته "انحيازا كبيرا وإخلالاً بالموقف الأميركي “المحايد”، وقطر اعتبرته "إعدام لمساعي السلام"..

المغرب استدعى القائم بالأعمال الأميركي وكذلك حكومة العبادي الذيلية والسودان والعميل الرسمي المخضرم أباً عن جد، ملك الأردن أعرب عن “قلقه الشديد”، وأردوغان أقرب رئيس تركي الى اسرائيل في التاريخ، نظم قمة للتعاون الإسلامي.

ميلادينوف، المعروف بأنه "صديق إسرائيل" (كان ممثل بعثة الأمم في العراق، والآن ممثلها للشرق الأوسط) قال إن وضع القدس موضع تفاوض. الرئيس الفرنسي ماكرون الذي يوصف بأنه "كلب اميركا" قال إن القرار يتناقض مع القانون الدولي. وأيضا الموقف الكندي المنافق الذي امتنع عن التصويت قال: وضع القدس يحل في إطار تسوية عامة. وأخيراً رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي التي كانت تفخر بذكرى وعد بلفور قبل أسابيع، اضطرت أن "لا توافق" على قرار ترمب وقالت إنها لن تنقل السفارة البريطانية.(1)

نحن لا نخدع أنفسنا بتصديق هذه المسرحيات، لكنه مؤشر بالخير بأن هناك مازال من ضغط الشعب العربي والعالمي على هذه الذيول ما يكفي لإخافتها أكثر مما يخيفها اسيادها، ويجعلها تتراقص كالبهلوانات. هذه بذاتها اخبار عظيمة.

 5-دول صغيرة وفقيرة انتصرت لكرامتها: لماذا تتحمل دول مثل "أندورا" وأذربيجان وبيليز وإستونيا وأثيوبيا ونيجيريا وليتوانيا وغيرها كثير، موقفا قد يكلفها، إن لم يكن هناك إحساس بالكرامة الإنسانية الذي يمنعها من الانحطاط؟ سواء كانت تلك الكرامة حكومية أو بضغط شعبي، فهي شيء يدعو للتفاؤل.

 6-الدول الممتنعة تكشف الضغوط: قائمة الدول الممتنعة عن التصويت تبعث على التفاؤل ايضاً، رغم بعض النقاط المؤسفة قليلا. وحتى هذه المؤسفة هناك تعويض يحيدها. أولاً القائمة بمعظمها من دول متعبة وصغيرة أو معروفة التبعية مثل "بولونيا" و"تشيكيا". وهناك "البوسنة" التي تعاطفنا معها يوما بشدة عندما كانوا ضحايا. وهناك "استراليا"، ولعل أكثرها إثارة للأسف، "كندا".

والحقيقة أن اكتفاء "تشيكيا" بالامتناع وليس التصويت ضد القرار، هو انتصار وليس هزيمة، فهذه الدولة وكر إسرائيل المميز والأشد انعداما للحياء في الاتحاد الأوروبي. الدولة التي تأسست فيها اوكار الثورات الملونة للتآمر على الحكومات التي تريد اميركا واسرائيل تحطيمها، والتي كان لحكومتها من الصلافة أن تؤيد إسرائيل بقوة حتى في عدوانها الوحشي على غزة، حينما كان العالم يستنكره بشدة وكانت اميركا تتهرب منه. دولة مستعدة للصراع مع رفاقها في الاتحاد الأوروبي من اجل إسرائيل، وهي التي ولد من رحمها العفن الكثير من "أصدقاء إسرائيل" الذي يملؤون أروقة السياسة الدولية ويرسلون بشكل مبعوثي أمم متحدة إلى العراق، وللعراق علاقة مميزة مع هذا الذيل الإسرائيلي، وهو ما يكشف حقيقة من يدير الأمور في العراق.

الحكومة الأسترالية اليوم مقاربة في مواقفها وذيليتها شبه التامة للولايات المتحدة ولا ينتظر منها أكثر. وكذلك حكومة "الوسيم" ترودو في كندا، والذي تغنى به العرب وخاصة الليبراليون لأنه يركب الدراجة ويعين النساء والملونين في الحكومة، ناسين أن هذا المحتال كان اول من حظر على مواطني بلده حق مقاطعة إسرائيل، ووقف معها في كل المواقف السابقة في الأمم المتحدة. وقد عرضت حكومتا استراليا وكندا نفسها لانتقاد شعبي شديد، ولهجوم جهات سياسية محلية سخرت منها وامتعضت من موقفها الرخو واعتبرته اذعانا للإرادة الأمريكية، رغم أن كندا أعلنت انها لن تنقل سفارتها إلى القدس. لذلك كله لا يمكننا ان نعتبر امتناع كندا وأستراليا عن التصويت هزيمة حقيقية فقد تسببت لأعدائنا بفضيحة مجانية، أما اكتفاء تشيكيا بالامتناع فهو في الحقيقة انتصار للقدس.

 7-رد الفعل الشعبي في الدول الممتنعة انتصار آخر: كان أكثر من قرأت ردود افعالهم المستاءة من حكوماتهم هم مواطنو كندا وأستراليا، الذين عبروا عن "خجلهم" من بلادهم على موقفها: "لقد أذعنت "أوسي" الصغيرة مع المذعنين" (مواطن استرالي يعبر عن خجله من موقف بلاده).. "كمواطن كندي اشعر بالحزن ان وطننا امتنع عن التصويت. سمعت انه بفعل تهديد ترمب وليس كموقف من فلسطين". ... "اشعر بالخجل من حكومتي وأساليبها الجبانة. هيا يا كندا انهضي وكوني عظيمة من جديد وقفي مع الحقيقة والحق. لا تسمحي للبلطجية على حدودنا الجنوبية أن يجعلوك كلبا أليفا لهم"... "أنا أعيش في استراليا.. ولدت فيها أيضا.. كم نحن ضعفاء لنمتنع عن التصويت ضد اميركا.. حتى بريطانيا امتلكت الجرأة للتصويت ضد اميركا ونحن لا"...

ما الذي يعنيه هذا بالنسبة لنا؟ إنه يعني أن مواطني هذه الدول يشعرون أكثر فأكثر بالمهانة وأن بلادهم تحت الضغط الإسرائيلي الأمريكي، وبالتالي فأن مشاعرهم تجاه حكوماتهم التي تخذلهم وتجاه من يسلبهم حقهم في تسيير امور بلادهم (اميركا واسرائيل)، ستكون مشاعر سلبية وغاضبة، وهذا انتصار للحق.

 8-انتصار عظيم رغم الضغط: لكن ما منحنا أكثر رموز الانتصار بلا منازع هو الأسلوب التهديدي الذي اتبعته الحكومة الأمريكية، وأول تلك الرموز هو أنه جعل من تلك النسبة اقوى دلالة! فعندما تضطر إلى الخروج على كل أصول الدبلوماسية والمنطق، لتحصل على سبعة دول تافهة، فهو يعني بلا شك أنك لم تكن ستحصل على أي شيء بدون ذلك الضغط ولو كان بالإمكان لما لجأت اميركا الى هذا الأسلوب! إن الانتصار الكبير مع الضغط يساوي انتصاراً تاما وكاملا بدونه!

 9-أميركا تكشف نفسها بلطجية العالم وتجعل من نفسها مسخرة: إنها ليست معلومات جديدة عن حقيقة أميركا، لكن ربما هي المرة الأولى في التاريخ أن تسجل أية دولة في العالم مثل هذا الفشل الدبلوماسي وتكشف نفسها بكل هذا الوضوح كبلطجي دولي يهدد من يصوت ضده بالعقوبات.

اتهمت نيكي هالي الأمم المتحدة بأنها "تقف موقفا معادياً لإسرائيل" وقالت إن هذا "عار على المنظمة". ولنلاحظ انه عندما تصوت الأمم المتحدة ضد خصوم اميركا فإنه عار على أولئك الخصوم الناشزين على "المجتمع الدولي". أما عندما يكون الأمر مع إسرائيل، فالعار هو على "المجتمع الدولي" ذاته!

لكن هذا أمر حسن.. فهو اعتراف صريح بأن العالم يحتقر إسرائيل ويقف ضدها. واضطرار أميركا للتهديد بقطع المساعدات عن الأمم المتحدة ذاتها وعن الدول التي تصوت بالضد من أميركا وإسرائيل، يدل على انها تنطلق من حالة يأس وأنها لم تجد أية طريقة شريفة للحصول على الأصوات، وهو اعتراف بأن القضية التي تدافع عنها غير اخلاقية ومرفوضة من العالم.

 10-إن التهديد بالتجويع أو "تسجيل الأسماء المعارضة"، يعتبر "إرهابا" وفق التعريف الدولي للإرهاب، باعتباره "تهديدا يهدف إلى تغيير سياسة دولة". وبهذا كشفت أميركا نفسها كـ "إرهابي" علني. إضافة إلى تأثير هذا الأسلوب على الناس في العالم، فأن له اثراً محبطا على كل من يدافع عن اميركا وسياستها، سواء كان مؤمنا بما يفعل أو كان أجيراً يقبض مقابل ما يكتب ويقول. هؤلاء سيتم اخراسهم بسهولة أكبر مستقبلا، وسيفكرون مرات عديدة قبل ان يتحدثوا عن ديمقراطية أميركا. إنما يجب ان يتذكر من يعرف حقيقة اميركا هذه الحقيقة ويحفظها ويلجم بها من يتبجح بديمقراطية اميركا مستقبلا. أي ان لا نترك هذه الحقيقة تنسى أو تغيب في نقاشاتنا القادمة مع هؤلاء.

 11-الموقف كشف أيضا تبعية أميركا لإسرائيل بشكل شديد. فلماذا تعرض دولة "عظمى" نفسها لكل هذه المهانة والانعزال عن العالم لمجرد إرضاء حكومة دولة أخرى بـ "نقل سفارتها" إلى مدينة أخرى، ما لم تكن الدولة الأولى تابعة خانعة للدولة الثانية؟ أين هي مصلحة "الدولة العظمى" في ذلك الموقف، والذي اضطرها حتى إلى تحذير رعاياها من احتمال اعمال عنف ضدهم؟(2) مقابل ماذا وما الذي يسيرها في قراراتها وبعكس مصالحها؟ طبيعي أنها ليست المرة الأولى، فقد كانت هناك فضيحة اشتراط ولاية أمريكية على سكانها التعهد بعدم مقاطعة إسرائيل قبل منحهم المساعدات العاجلة للإعصار(3)، لكنها إضافة مهمة إلى تلك الحقائق. هذا التساؤل كفيل بزيادة وعي الناس في اميركا لحقيقة علاقة حكوماتهم بإسرائيل، وبنتائج ذلك الوعي.

 12-التهديد الأمريكي إهانة لكل من صوت معها: النظرة لكل من صوت مع اميركا أو امتنع، ستكون، سواء كان ذلك حقا ام لا، أنه متهم بالخضوع لأميركا، وعليه ان يدفع ثمن تلك النظرة الدونية اليه من قبل شعبه قبل الآخرين. والحقيقة أن مجرد وجود التهديد كان يجب ان يكون كافيا للحكومات الكريمة للتصويت ضد اميركا لدرء شبهة ذلك العار عنها. أميركا بتهديدها، الصقت العار بكل من صوت معها! ...

 13-التهديد الأمريكي وسام شرف لمن صوت ضدها: ... وبالمقابل فأنه دليل مبدئية لكل من صوت ضد التهديد، فهو يدل على استعداد للتضحية من أجل الموقف ومن اجل الكرامة. هكذا منحت اميركا بتهديدها، وسام شرف لكل من وقف ضدها حتى قبل ان يبدأ التصويت!

لكل تلك الانتصارات الجميلة نهنئ كل من تحرك وتظاهر وحرّك واحتج وكتب.. وقبل كل هؤلاء لأولئك المضحين بدمائهم في فلسطين، ولكل سياسي شريف وقف مع ضميره.. شكرا لكم لإنقاذ شرف العالم في هذه اللحظة، ولا ننسى أيضا أن نوجه الشكر الجزيل لترمب ولحمقائه التي لا تحسن التمثيل.

 

(1) أبرز ردود الفعل الرافضة لقرار ترمب بشأن القدس

http://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2017/12/7/أبرز-ردود-الفعل-الرافضة-لقرار-ترمب-بشأن-القدس

(2) رسائل سرية تكشف رعب أمريكا من عواقب قرار "نقل السفارة

" https://arabic.sputniknews.com/world/201712051028111524- /

(3) صداقة مرعبة – أميركا تشترط لمساعدة مواطنيها المنكوبين تعهدهم بعدم مقاطعة إسرائيل!

https://www.facebook.com/saiebkhalil/photos/a.350693164987759.83177.320945874629155/1611977685525961/

 

روابط أخرى حول الموضوع

(4) Trump, Jerusalem and International Law

http://www.informationclearinghouse.info/48471.htm

(5) It’s Not Simply Jerusalem, It’s All of Palestine

https://www.globalresearch.ca/its-not-simply-jerusalem-its-all-of-palestine/5622460

(6) After Trump’s Jerusalem Move, Media Worry About ‘Violence’–Not Violation of International Law

https://www.globalresearch.ca/after-trumps-jerusalem-move-media-worry-about-violence-not-violation-of-international-law/5622276?utm_campaign=magnet&utm_source=article_page&utm_medium=related_articles

(7) UN General Assembly Votes for Palestinians

https://www.globalresearch.ca/un-general-assembly-votes-for-palestinians/5622234?utm_campaign=magnet&utm_source=article_page&utm_medium=related_articles

 (8) Why Jerusalem is not the capital of Israel

http://www.aljazeera.com/indepth/features/2017/05/jerusalem-capital-israel-170524091310050.html

(9) Haley Threatening UN Members: Trump 'Will Be Watching' Who Votes Against U.S

http://www.informationclearinghouse.info/48466.htm

(10) Defying Trump, U.N. General Assembly Condemns U.S. Decree on Jerusalem

https://www.nytimes.com/2017/12/21/world/middleeast/trump-jerusalem-united-nations.html

(11) Turkey Plans Embassy in East Jerusalem, Erdogan Says

https://www.nytimes.com/2017/12/17/world/middleeast/turkey-embassy-east-jerusalem-erdogan.html?ribbon-ad-idx=5&rref=world/middleeast

(12)Trump Threatens to End American Aid: ‘We’re Watching Those Votes’ at the U.N.

https://www.nytimes.com/2017/12/20/world/middleeast/trump-threatens-to-end-american-aid-were-watching-those-votes-at-the-un.html?&moduleDetail=section-news-4&action=click&contentCollection=Middle%20East&region=Footer&module=MoreInSection&version=WhatsNext&contentID=WhatsNext&pgtype=article

(13) Canada abstains as UN General Assembly backs resolution to nullify U.S. move on Jerusalem

http://www.cbc.ca/news/politics/canada-jerusalem-un-1.4460257

(14)UN General Assembly rejects Trump's Jerusalem move

http://www.aljazeera.com/news/2017/12/general-assembly-rejects-trump-jerusalem-move-171221135806725.html

(15) Ynetnews News - UN declares US Jerusalem decision 'null, void'

https://www.ynetnews.com/articles/0,7340,L-5060274,00.html

(16) UN Defies Trump's Threats by Passing Resolution on Jerusalem

http://www.informationclearinghouse.info/48470.htm

(17) Nikki Haley’s Speech to UN on Jerusalem

http://www.informationclearinghouse.info/48469.htm