دلالات التصويت في الأمم المتحدة

 

زياد حافظ

 

 

 

التصويت الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم الخميس في 21 كانون الثاني/ديسمبر 2017 يشكّل في رأينا، وفي رأي العديد من المراقبين في الولايات المتحدة وخارج الولايات المتحدة، وصول سياسة الخارجية الأميركية في الوطن العربي بشكل عام والشرق الأوسط بشكل خاص إلى طريق مسدود. القدس كانت موضوع النقاش ومن وخلالها القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني. أراد الرئيس الأميركي أن يكسر العقدة الغوردية، أسوة بالملك المكدوني إسكندر الأكبر، التي تشكّله القدس في مشاريع الحلول المتداولة لإنهاء النزاع في فلسطين. فكان قراره العبثي حول القدس. صحيح أن الكونغرس الأميركي صوّت بشكل شبه اجماعي عام 1995 على ذلك لكن جميع الرؤساء حرصوا على عدم تنفيذ ذلك القرار حتى وصول ترمب إلى البيت الأبيض، وذلك إدراكا منهم جميعا لعواقب ذلك القرار.

التصويت الذي جرى في قاعة الجمعية العمومية للأمم المتحدة كشف العورة الدبلوماسية للولايات المتحدة ومدى عزلة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فالحلفاء التقليديون للولايات المتحدة صوّتوا مع القرار الذي يدين قرار الرئيس الأميركي، وهذا قد سبقه تصويتهم حتى في مجلس الأمن. كما أن الدول التي صوتّت ضد القرار دول صغيرة جغرافيا وسكّانيا في المحيط الهادي يكاد لا يراها المرء إلاّ بالمجهر على الخرائط ولا يتجاوز مجموع سكّانها أحد أحياء مدينة بيروت!  فهذه الدول دول اصطناعية أوجدت لتكون أرقاما عددية لصالح الولايات المتحدة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة. اما الدولة الإفريقية التي صوّتت ضد القرار، هي دولة توغو. نذكّر هنا القارئ أن توغو من روّاد التطبيع مع الكيان الصهيوني وحاولت في مطلع هذا العام إقامة قمة إفريقية خارج إطار منظمة اتحاد الدول الإفريقية ويحضرها الكيان الصهيوني. فكانت مبادرة سورية ومعها عدد من الدول العربية الإفريقية كمصر والجزائر والمغرب للضغط على منظمة اتحاد الدول الإفريقية فتمّ إلغاء تلك القمة.

أما دولة هندوراس في أميركا اللاتينية، فالانتخابات الرئاسية التي أقيمت منذ عدّة أسابيع كانت مزوّرة وضد قرار الشعب الهوندوري الذي انتخب على ما يبدو شخصية جذورها فلسطينية. فعملية التزوير غطّتها كل من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الموساد المتوغّل في الأجهزة الأمنية في ذلك البلد. أي في آخر المطاف، الدول التي صوّتت ضد القرار هي دول تابعة عضويا للولايات المتحدة، ما يؤكّد عزلتها.

أما فيما يتعلّق بالدول الممتنعة، فالدولة الوازنة الوحيدة كانت كندا. امتناع كندا كان مخيّبا للآمال خاصة بعد سلسلة تصريحات رئيس وزرائها جستين ترودو المنتقدة لقرار الرئيس الأميركي. غير أن قوة دفع اللوبي الصهيوني في كندا حالت دون التصويت مع القرار. أما باقي الدول فمعظمها من كتلة دول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية التي لا تستطيع معاكسة الولايات المتحدة كما أنها لا تستطيع التماهي معها في قرارها الأخير.

أما على الصعيد العربي فإذا كانت اجتماعات وزراء خارجية جامعة الدول العربية في القاهرة في 10 كانون الأول 2017 تحمل بعض الإيجابيات إلاّ أنها في رأينا ما زالت دون المستوى المطلوب. وإذا أردنا أن نتفهّم ظروف بعض الدول العربية في عدم اتخاذ قرارات أكثر وضوحا وفعّالية فإنها تعود إلى فرضية أن الولايات المتحدة قد تؤثّر سلبا على استقرار تلك الدول. فنظرية ال 99 بالمائة من أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة ما زالت قائمة عند تلك الدول وليس هناك من نظرة مخالفة لها عند النخب العربية الحاكمة. لكن كل ذلك يبدو قد تغيّر أو في إطار التغيير. لقد وصلت سياسة البلطجة الأميركية إلى طريق مسدود.

لكن التفهّم لا يعني الموافقة أو التبرير لتخاذل عربي مخزي. لم تكن الإدارة الأميركية لتأخذ قرارات معاكسة لمصالح العرب والمسلمين لولا تساهل النظام الرسمي العربي. فهو مسؤول كما الكيان الصهيوني والإدارة الأميركية عن الويلات التي أصابت الشعوب العربية. كما أن قمعها للشعوب أعطت الانطباع عند الكيان والإدارة أن ضبط الجماهير ممكن فلن تستطيع التأثير في السياسات التي ترسمها. هذا السوء في التقدير عند النظام العربي والكيان الصهيوني والإدارة الأميركية قاتل وسيجلب المزيد من الهزائم لهم. فعلى النظام العربي أن يصحّح مساره تلقائيا وإلاّ ستفرض الجماهير العربية التغيير القسري والمؤلم.

سلوك الرئيس الأميركي ومعه سفيرته إلى الأمم المتحدة نيكي هالي، وهي الشخصية المحبّبة لدى شلدون ادلسون الملياردير الصهيوني وأحد المموّلين الرئيسيين لحملة ترمب الانتخابية، سلوك لا يوجد فيه إلاّ الفظاظة. فالتهويل والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور للدول التي تتلقّى مساعدات أميركية كشف عدّة أمور. الأمر الأول هو تململ الدول من عنجهية الولايات المتحدة. الأمر الثاني شعور هذه الدول، والعالم معها، أن قدرة الولايات المتحدة على التأثير أصبحت محدودة. الأمر الثالث، هو أن اللجوء إلى التهديد يعني عدم قدرة على الإقناع.

الخط البياني الذي بدأ بالعدوان على العراق واحتلاله خارج الوفاق الدولي وصل إلى نهايته. فعندما تتقدّم مصر بمشروع قرار إلى مجلس الأمن لإلغاء قرار الرئيس الأميركي أو إجباره على التراجع فهذا له دلالات عدة.

الدلالة الأولى هي تقدّم مصر بذلك القرار ممثلة الدول العربية بالإجماع، وهي المستفيدة الثانية بعد الكيان الصهيوني من المساعدات الأميركية. هذه المساعدات جزء من اتفاقيات كامب دافيد وبالتالي التهديد بقطع المساعدات قد يشكّل انتهاكا لأحد عناصر الاتفاق. فهل الولايات المتحدة مستعدّة لذلك وما يمكن أن ينتج من "تحرير" مصر من التزامات كامب دافيد؟  فالقرار المصري ينذر بعودة مصر إلى استعادة دورها العربي وربما في الصراع العربي الصهيوني رغم اتفاقية كامب دافيد.

الدلالة الثانية هي أن السردية القائمة بعدم وجود إرادة عربية تبيّنت أنها غير صحيحة. ففي الحد الأدنى هناك مبالغة والدليل على ذلك أقدام الدول العربية على نقض القرار الأميركي، وفي الحد الأقصى تبيّن أن الضغط الشعبي العربي ما زال مؤثرا على سلوك الحكومات. هذا لا يعني أن ما أقدمت عليه الحكومة المصرية بناء على قرار من جامعة الدول العربية هو كاف، بل في رأينا بداية تحوّل يجب العمل على تطويره عبر المزيد من الضغوط الجماهيرية على الحكومات العربية.

الدلالة الثالثة هي استمرار مركزية القضية الفلسطينية في الوجدان العربي الذي مكّن الجماهير من الضغط على الحكومات العربية. وهذه المركزية يغذّيها صمود الشعب الفلسطيني رغم القمع والقتل الممنهج الذي تقوم به سلطات الاحتلال، ورغم التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وسلطة الكيان.

سيكون للتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة نتائج عديدة. النتيجة الأولى هي تغذية الحراك الشعبي في فلسطين وفي الوطن العربي. ففرص انطلاق انتفاضة جديدة تشمل كل فلسطين أصبحت أكثر حظوظا مما كانت عليه قبل التصويت. النتيجة الثانية هو فقدان دور الولايات المتحدة في أي حلّ سياسي في المدى المنظور، هذا إذا وجد. النتيجة الثالثة هي تبيان عدم وجود مخالب للرئيس الأميركي على حد قول الصحف الصهيونية التي عبّرت عن خيبة أملها لدى التصويت. النتيجة الرابعة هي تعطيل مفعول سردية "صفقة القرن" التي قد تتحوّل إلى "صفعة القرن" لكل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومن صدّقها من الدول العربية.

لكن بالمقابل ليس هناك من دليل على استمرار تثبيت ثم تطوير الموقف العربي الموحد. فالحراك الشعبي والانتفاضة وانخراط المثقفين في الحراك والانتفاضة في فلسطين من ضرورات التأثير على الموقف العربي لتثبيته وتطويره ولمنعه من انحراف جديد، وإن كانت فرص الانحراف على طريق التبدّد بسبب الضعف الأميركي. بالمناسبة، نذكّر أن بطاريات الدفاع الصاروخية الأميركية الصنع لم تستطع منع الصواريخ البالستية اليمنية من إصابة أهدافها مما فتح الباب لروسيا لعقد صفقات مع حكومة الرياض حول منظومة دفاعية صاروخية وما يمكن أن يؤدّي إلى خلط الأوراق في التفاهمات والتحالفات في المنطقة.

المضحك والمبكي في آن واحد هو أن الإدارة الأميركية لن تتعظ من المواقف التي ظهرت مؤخرا عند حلفائها قبل خصومها. لن نستبعد ان تستمر الإدارة الأميركية في اتباع سياسة الهروب إلى الأمام وعدم الاكتراث من الحراك الشعبي في فلسطين والوطن العربي وحتى في العواصم الإسلامية وغير الإسلامية. قد تقدم إدارة ترمب على اعلان يهودية الكيان وشطب حق العودة وعلى العرب والمسلمين أن يتكيّفوا مع ذلك الواقع الجديد الذي قد تقدم على إيجاده. فالأسابيع القادمة قد تكون مفصلية في مسار الصراع العربي الصهيوني وقد تشهد مواقف لم يكن لها بالحسبان عند جميع الأطراف المتحاربة.