اختلاق حائط المبكى

 

أحمد الدبش

 

 

تناقلت وكالات الأنباء في (16/12/2017) تصريحات مسؤول أميركي، في مؤتمر صحافي عقده يوم الجمعة (15/12/2017) قال فيها: "لا نستطيع تصور أي وضع لا يكون فيه حائط المبكى - أي حائط البراق، وهو الجدار الغربي للمسجد الأقصى- جزءا من "إسرائيل"، لكنْ كما ذكر الرئيس "ترمب"، فإن ترسيم حدود دولة "إسرائيل" السيادية سيكون جزءا من الاتفاق بشأن الوضع النهائي. وتجدر الإشارة إلى أننا لا نستطيع التصور أن "إسرائيل" سوف توقع على اتفاقية سلام لا تشمل حائط المبكى".

أصبح من الواضح -اليوم- بفَضل المكتشفات الأثرية، أنه لم يكن ثمة هيكل في فلسطين يعرف باسم هيكل سليمان، إن قصة بناء الهيكل السليماني غير قابلة للتصديق، وإنها مجرد اختلاق توراتي. "يُراجع مقالنا: اختلاق هيكل سليمان".

والواقع أن كل المصادر التي تتحدث عن يھود القدس - حتى القرن السادس عشر- تُلاحظ ارتباطھم بموقع الھيكل وحسب، ولا توجد أية إشارة محدَّدة إلى الحائط الغربي. كما أن الكاتب اليھودي نحمانيدس، في القرن الثالث عشر، لم يذكر الحائط الغربي في وصفه التفصيلي لموقع الھيكل في 1267م، ولم يأت له ذكر أيضاً في المصادر اليھودية التي تتضمن وصفاً  للقدس حتى القرن الخامس عشر. ويرفض الحاخام هيرش، رئيس جماعة الناطوري كارتا، الذي يعيش في القدس على بعد أمتار من الحائط، زيارته ويؤكد أن تقديس الحائط ما هو إلا حيلة من الحيل السياسية للصهيونية.

نُشرت تصريحات للحاخام اليهودي يهورام مزور، أمين سر مجلس اليهودية التقدمية، في العدد الأول من مجلة "بلتم اليهودية"، الصادرة عن المجلس في 1999م، تحت عنوان "هل من المهم تأدية الصلاة على وجه التحديد عند حائط البراق!؟"، وأجاب الحاخام مزور: "لا توجد قدسية لحائط المبكى في الديانة اليهودية"، ويرفض إقامة حفلات البلوغ أو أي شعائر أخرى هناك. وأضاف: "إننا نلتقي طوال ساعات اليوم أشخاصا في هذا المكان يؤدون الصلاة في موقع هم الذين قدّسوه، إن ذلك يشبه عبادة الأوثان، وإن على مجلس الحاخامات التقدميين في "إسرائيل" اختيار موقع آخر لصلاة اليهود". [جريدة القدس، 24/8/1999]. يؤكد الأمريكي إرنست مارتن، أستاذ في الدراسات الكتابية، أن الحرم القدسي الشريف لم يكن يوماً في التاريخ مكاناً للهيكل.. وأن "حائط المبكى" الحالي لا علاقة له بالهيكل، وأنه "حائط مزور".

في هذا الصدد، تقول كارين أرمسترونغ، في كتابها "أورشليم مدينة واحدة من ثلاثة أديان": "قيل إن سليمان رأى الرسول محمدا - صلي الله عليه وسلم- في منامه،‏ وأنه أمره أن ينظم دفاعا عن ‏القدس،‏ وعلى أية حال،‏ فقد أمر سليمان بإعادة بناء أسوار المدينة،‏ وكانت تلك خطة طموحة استغرقت مهارة عظيمة ونفقات باهظة،‏ وبلغ طول الحائط الذي ما زال قائما حتى اليوم ميلين، وارتفاعه قرابة أربعين قدما، وأحاط الحائط بالمدينة إحاطة كاملة‏".‏

وكان فيه أربعة وثلاثون برجا وسبع بوابات،‏ وفي تلك الأثناء،‏ مر مهندس البلاط العظيم سنان باشا ‏في القدس، وقيل إنه هو الذي صمم بوابة دمشق،‏ وحينما أنهى بناء السور في 1541‏م أصبحت ‏القدس ‏محصنة لأول مرة منذ ما يربو على 300 عام‏.‏ ومن أجل تدعيم قوة المدينة،‏ حاول السلطان إقناع رعاياه بالإقامة هناك،‏ خاصة اللاجئين اليهود الذين استقروا في الإمبراطورية العثمانية بعد طردهم من إسبانيا المسيحية عام ‏1492.‏

وحينما كان سنان باشا يقيم بالمدينة أثناء بناء حائط ‏القدس،‏ ويقبل على إنشاء بوابة دمشق‏،‏ أصدر سليمان فرمانا يسمح بحق اليهود في الصلاة عند الحائط الغربي،‏ ويقال إن سنان هو الذي قام بتخطيط الموقع وبالحفر كي يقيم للحائط ارتفاعا أكبر، وأقام بيتا‏ وحائطا موازيا له كي يفصل مصلى اليهود عن حي المغاربة‏.‏ وكانت تلك المنطقة من الضيق بحيث لم يتعد عرضها ثمانية أقدام‏..‏ غير أن ذلك الضيق كان له ميزة جعلت الحائط ذا التواء رأسي مؤثر على المصلين‏..‏ وسرعان ما أصبحت المنطقة المحاطة عند الحائط الغربي مركز الحياة الدينية ليهود ‏القدس، ولم تكن تقام هناك بعد طقوس رسمية للعبادة، غير أن اليهود كانوا يحبون قضاء فترة ما بعد الظهيرة هناك،‏ يقرأون المزامير ويقبّلون الأحجار‏.

وأحب اليهود سليمان السلطان‏، الذي - ربما- كان معتادا على جذب مزيد من اليهود للقدس كصديق وراع لإسرائيل‏.. وروت الأساطير اليهودية أنه قد ساعد في تنظيف الموقع بنفسه،‏ وأنه قام بغسل الحائط بماء الورد لتطهيره‏. وسرعان ما اجتذب الحائط الغربي أساطير كثيرة معتادة تتصل بالأماكن المقدسة‏؛‏ فقد تم ربط الحائط بأقاويل من التلمود تخص الحائط الغربي للهيكل (‏Dever Shekhinah) والذي قال عنها الحاخامات إن الحضور الإلهي لم يفارقه أبدا، وإن الله قد وعد أن يحفظه مدى الدهر‏..‏ وبدأ اليهود في خلع أحذيتهم عند الدخول إلى المكان، كما كانوا يحبون كتابة الالتماسات على قصاصات ورق ويدخلونها بين الأحجار كي ينظرها الرب‏.

كما كان يفعل يهودا في الخيمة من وراء ستار مع المريدين،‏ وقيل إن باب الجنة يقع مباشرة أعلى الحائط الغربي وإن الصلوات تصعد مباشرة من تلك المنطقة المحاطة بالعرش الإلهي‏. هذه شهادة سيدة بريطانية عن أساطير هذا المعبد وعن أصله وفصله،‏ وكيف تحول السلطان سليمان العثماني فجأة إلي الملك سليمان عند اليهود المحدثين‏، مثله مثل كثير من الأولياء..

كتب د. عصام سخنيني، في كتابه "القدس تاريخ مُختَطَف وآثار مُزوَّرَة" أن أول من أدخل زعم "حائط المبكى"، وإسباغ صفة القداسة عليه في العقيدة اليهودية، كان أحد كبار الكهنة اليهود في القرن السادس عشر الميلادي، وصاحب مدرسة في اللاهوت اليهودي كان لها تأثيرها الكبير في صياغة هذا اللاهوت لقرون عدة بعد وفاته. كان هذا إسحاق لوريا (Isaac Luria)، الذي ولد في القدس سنة 1534م، واستقر بعد جولات عديده له في صفد "شمال فلسطين"، وأخذ من هناك ينشر أفكاره إلى وفاته فيها سنة 1572م.

وانطلاقاً من زعمه عن قدرته على تحديد الأماكن، نُسب إلى لوريا تعيين موقع "حائط المبكى" وتطويبه مكاناً مقدساً، وذلك في حكاية غرائبية تروى عنه، تشمل مفردات عديدة من فكرة "الأسرار الباطنية"، تقول الحكاية: "إن لوريا قال مرة للحاخام أبراهام حليفي -أحد تلاميذه-: "اعلم أن أيامك معدودة وسوف تموت فوراً إن لم تعمل ما سوف أخبرك به، لكن إذا عملت ذلك فسوف تعيش اثنتين وعشرين سنة. وهذا ما أطلبه منك؛ اذهب إلى القدس واجهد في صلواتك أمام حائط المبكى، وبذلك تحظى برؤية الحضرة الإلهية هناك".

وعلى هذا ذهب الحاخام أبراهام إلى بيته وأغلقه عليه لثلاثة أيام وثلاث ليال، وكان خلالها يرتدي مسوحاً من الخيش ويضع على نفسه الرماد ويصوم صوماً متواصلاً، وبعد ذلك ذهب إلى القدس ووقف يصلي أمام حائط المبكى ويتفكر بعمق وهو يبكي، وفجأة ظهرت له على الجدار صورة امرأة في ملابس سوداء، فسقط على الأرض وقد انتابه رعب شديد، ثم أخذ ينتف شعره وهو يصرخ: "الويل لي، ماذا رأيت؟"، وبعد ذلك ذهب في سبات عميق رأى خلاله الحضرة الإلهية في ملابس جميلة وهي تقول له: "واسِ نفسك يا بُنيّ أبراهام، إذ لا يزال هناك أمل لك، فإن بني إسرائيل سوف يعودون إلى ميراثهم وسوف أشملهم برحمتي". عند ذلك نهض وعاد إلى صفد، وعندما رآه لوريا، قال له فوراً: "الآن أنا أعلم أنك قد قابلت الحضرة الإلهية، وثق بأنك سوف تعيش اثنتين وعشرين سنة أخرى".

كانت مثل هذه الحكاية الخرافية، بما للوريا من تأثير ديني عميق في الأوساط اليهودية، تؤسس منذ القرن السادس عشر لأسطورة "حائط المبكى" التي دخلت في المعتقد اليهودي كأحد مكوناته الأساسية، غير أن هذه الخرافة، ومن حيث هي خرافة، لم تفعل سوى أن زادت من تراكم الألغاز والأحجيات التى نسجت ليس حول الحائط فقط، بل تلك التى تحيط بموقع الهيكل نفسه. وفي الماضي لعب الخيال والأيديولوجيا دور الفعل التأسيسي في صياغة هذه الأحجيات، بينما جعلتها السياسة في الزمن الراهن أداة من أدوات تحقيق أهدافها. فالحائط و"الهيكل" إجمالاً يقعان ضمن مكونات المشروع الصهيوني في تعزيز دعائم عملية تهويد القدس وصهينتها، وليس أكفأ من هذا "الإرث" ليكون رمزاً محفزاً لمواصلة تلك العملية.