فلسطين بين الانتفاضة ومشروع كوشنير

 

زياد حافظ

 

 

 

ما زال الجدل قائما بين النخب العربية حول تداعيات قرار الرئيس الأميركي بنقل السفارة الأميركية من تل ابيب إلى القدس.  فهناك من يعتقد أن الحراك الشعبي الذي بدأ في كافة أنحاء فلسطين وفي المدن العربية على مدى الوطن العربي قد بدأت بالترهلّ بعد ما نجح النظام العربي الرسمي بتنفيس الاحتقان الشعبي العربي.  بالمقابل هناك من يعتقد أن الحراك ما زال في بدايته وسيأخذ منحى التصعيد.  بل أكثر من ذلك، يمكننا أن نقول إن الحراك الشعبي على الأقل في الأراضي المحتلّة، وهذا هو الأهم، هو حراك ممنهج ومبرمج.  له قيادات وله برامج عمل وله أهداف.  ليس من الضروري بالنسبة للرأي العام معرفة من يقود أو ما هو البرنامج.  استمرار الحراك هو هدف بحد ذاته وسيأخذ أشكالا مختلفة نكتشفها عندما تحصل.

في الحقيقة، إن المسار المستقبلي للحراك المقاوم الشعبي الفلسطيني مسار طويل بدأ منذ مائة عام وقد يستمر حتى التحرير.  هناك من يشكّك بإمكانية التحرير ويدعو إلى "الواقعية السياسية" وتطبيق نظرية "خذ وطالب" وكأن هناك من يريد أن "يعطي" وكأن هناك من يستطيع أن "يأخذ".  وهناك من يقول إن الدعم السياسي لقيادات فلسطينية وعربية للحراك الشعبي هو "تكتيك" لاستيعاب الاحتقان.  ما لا يفهمه هؤلاء أن الجيل الرابع المقاوم من أبناء الشعب الفلسطيني غير معني بموقف النخب.  فإذا كانت هذه النخب معه فهذا جيد، وإذا كانت مواكبة لفترة محدّدة فقط، فهذا جيّد أيضا، وإذا كانت على وشك التخلّي عن الحراك فلن يؤثّر ذلك بشيء.  الجيل الرابع المقاوم هو أكثر شراسة من أسلافه فليأخذ المشكّكون ذلك بعين الاعتبار.

مستقبل فلسطين على مفترق طرق.  فإما الانتفاضة وما أقوى من الانتفاضة وإما الاستسلام إلى مشروع "صفقة القرن"، أي مشروع كوشنير حيث لا يأخذ الفلسطينيون أكثر من "حكم إداري" دون أي سيادة، مع شطب حق العودة، والاعتراف بيهودية فلسطين بأكملها، وإنهاء الصراع.  طبعا، يتطلّب ذلك الأمر طرفا فلسطينيا ما زال غير موجود حتى الآن يقبل بذلك.  وليس هناك بالأفق من بوادر ظهور قيادة فلسطينية تقبل بذلك رغم كل الترويج الإعلامي الخليجي لوجود بدائل عن الرئيس عباس.  الرئيس محمود عباس ليس في وارد القبول.  ليس هناك من رغبة وليس هناك من قدرة، وإن كانت الرغبة أهم من القدرة وليس العكس.  فالمعلومات المتوفرة لدينا مصدرها مسؤولون مقرّبون من الرئيس عباس يقرّون أن القيادات الصهيونية الحالية ليست على استعداد لوصول لأي اتفاق ولا حتى مضمون "صفقة القرن" لا اليوم ولا غدا.  والسؤال الذي يؤرق الصهاينة هو "ماذا نفعل بالفلسطينيين؟"  فإمكانية "ترحيل" الفلسطينيين بما فيهم أهلنا في 1948 أو الضفة الغربية غير متوفّرة.  فماذا بعد؟

بات واضحا أن الهيكلية السياسية القائمة بعد اتفاق أوسلو لم تعد قادرة على مواكبة التطوّرات.  بعض المسؤولين قالوا لنا أن إعادة هيكلة السلطة التي جمعت كافة صلاحيات منظمة التحرير الفلسطينية لم تعد قادرة على الاستمرار، وذلك رغم وجود طبقة مستفيدة من المساعدات المالية التي كانت تتدفّق على السلطة، ورغم البحبوحة الاقتصادية التي أوجدتها المنظّمات غير الحكومية المموّلة من جهات دولية لخلق طبقة من المنتفعين من الوضع القائم وغير معنيين بتحرير الأرض من الاحتلال.  ويضيف المسؤولون أنه لا بد من إنهاء هيكلية أوسلو وإعادة تحديد دور "السلطة".  ويضيفون أن مهمة السلطة كانت تأمين حماية الكيان من أي انتفاضة أو حراك شعبي فلسطيني وهذا ما سيكون موضوع مراجعة.  لكن متى وكيف فهذا أمر متروك للتطوّرات في الميدان وفي السياسة العربية والإقليمية والدولية، ولكنه لن يطول!

أهمية هذا الكلام يكمن في مصدره الذين كانوا من المؤيّدين لأوسلو وما زالوا على تواصل وتوافق مع الرئيس محمود عبّاس.  كما عبّروا أن مستقبل الكيان في المدى الطويل أصبح قاب قوسين لفقدان الدعم العالمي له كما تبيّن من التصويت الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة.  والحراك الشعبي في الدول العربية والعالم أظهر الفجوة بين مزاج الجماهير العربية ومواقف النخب العربية والدولية.

ما زلنا على رأينا أن ما حصل بعد قرار الرئيس الأميركي والمعطوف على الإخفاقات في المشاريع الأميركية الصهيونية بمشاركة بعض العرب في كل من العراق وسورية واليمن ولبنان نقطة تحوّل تاريخية في مسار الصراع العربي الصهيوني.  فإن صمود محور المقاومة في التصدّي للعدوان الكوني على سورية وقبلها العراق خلق موازين قوّة جديدة لا تستطيع لا الولايات المتحدة ولا الكيان الصهيوني ولا بعض الدول الخليجية في تغييره على الأقل في المدى المنظور وحتى البعيد.  بل نرى تحوّلات تؤكّد التغيير في ميزان القوة.  لذلك نرى أن مصر التي لم تقبل بالمشاركة في العدوان على سورية، والتي شاركت بشكل رمزي في التحالف العربي في العدوان على اليمن، والتي أقدمت على رعاية مصالحة بين حركتي حماس وفتح بعد قمّة الرياض التي جمعت الرئيس الأميركي برؤساء دول عربية وإسلامية، فهذا مصر تساهم في خلط الأوراق التي كانت محسوبة على الولايات المتحدة.  من هذه الزاوية نفهم بروز المحور السوداني القطري التركي الذي يستهدف دور مصر في المرحلة الراهنة والقادمة والذي لا يريد أن تستعيد دورها العربي.  وإذا ما أقدمت القيادات الفلسطينية على الشروع بإعادة هيكلة السلطة مما يفرغ اتفاقية أوسلو من مضمونها فإن ذلك قد يشكّل سابقة قد تستفيد منها مصر للتملّص من التزامات كامب دافيد.  لم تصل الأمور إلى هذه الدرجة وقد تكون في الوقت الحاضر مجرّد رغبات عند العروبيين في مصر وغير مصر ولكن لم يعد ممكنا استبعاد ذلك التحوّل بسبب مسار الأمور على الأرض وضعف الولايات المتحدة التي تكلّمنا عنه في أماكن عديدة.

ما يمكن أن يُسرّع في التحوّل في الموقف الفلسطيني الرسمي دخول محور المقاومة على الخط وما يمثّله من ثقل عسكري وبشري وسياسي.  فالمعادلة الجديدة تظهر وجود حوالي نصف مليون مقاتل جاهز للمواجهة مع الكيان دون الاضطرار إلى إطلاق طلقة واحدة.  فالثقل الجاذبي لما يمثّله المحور نقلة نوعية في مسار الصراع العربي الصهيوني.  لا ننسى أن انتفاضة القدس عام 2000 حصلت بعد تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الصهيوني دون قيد أو شرط.  المقاومة وثقافتها كانت نقطة تحوّل، والتركيز اليوم في أولوية محور المقاومة على فلسطين يعزّز منطق وتداعيات وجود المقاومة إلى جانب الحراك الشعبي. هذا ما سيؤدّي في رأينا إلى الزيادة في الزخم للحراك الشعبي في فلسطين المحتلّة وفلسطين المغتصبة وفي الدول العربية وكل حراك يغذّي الآخر.  وما لمسناه من كلام المسؤولين الفلسطينيين هو الاقتناع التدريجي أن الاحتلال لم يعد قدرا على فلسطين، بل حتى وجود الكيان لم يعد قدرا على الأمة اللهم إلاّ في عقول بعض النخب التي ينخرها ثقافة الهزيمة.  لكن ترجمة هذه التحوّلات قد تأخذ بعض الوقت بسبب المصالح الذاتية المرتبطة بالوضع الحالي.