الانتفاضة العالمية وإمكانية ظهور نظام دولي بديل

محمد عبد الحكم دياب

 

 

نودع عاما ونستقبل آخر، فعام 2017 كان الأغرب والأكثر فوضى وعنصرية، ومن أسباب ذلك دخول شخص على شاكلة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وجلوسه على مقعد الرئاسة الأمريكية. فانطبع العام المنصرم بالجهالة، واعتمدها ترامب فلسفة لحكمه، بما فيها من قصور في الرؤى والتفكير والقوى العقلية.

كانت البداية فوزه على مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، ويبدو أنه وجد في الفوز فرصة لاستخدام الرهاب الإسلامي (الإسلاموفوبيا) في ترويع العالم مع أن ممارسات المتطرفين واحدة ومتكررة مارسها الجيش الأحمر الياباني وكان مصدرا لإثارة الرعب في سبعينات القرن الماضي، ومثله كانت الألوية الحمراء الإيطالية، وجماعة بادر ماينهوف الألمانية.

وقتها لم نسمع برهاب ياباني وإيطالي وألماني، أو سمعنا بإرهاب شانتوي (نسبة لعقيدة الشانتو اليابانية)، ولا آخر بروتستنتي أو ثالث كاثوليكي.. وحين يتعلق الأمر بفلسطين والعرب أو المسلمين فالتعميم مطلوب لتوظيفه، وللتغطيه على الإرهاب الصهيوني. وكانت منظماته وجماعاته أكثر دموية وتنكيلا وإبادة للفلسطينيين الآمنين.. عصابات دموية.. وجدت الدعم من الدول الاستعمارية، خاصة بريطانيا وفرنسا ثم أمريكا، فتمكنوا من اقتلاع شعب وتهجيره وتشريده والاستيلاء على ممتلكاته وأرضه.

وإذا كانت الشرائع والقوانين تمنح الحق لمن أُغتُصِبت أرضه واحْتُلت أن يكافح ويقاوم، بكل السبل المشروعة بما فيها حمل السلاح لاستعادة الأرض وتحريرها، وهذا كان وما زال حقا للشعب الفلسطيني، وإذا قامت المنظومة الصهيو غربية بتصنيع وتشكيل جماعات للقتل على الهوية، وإضفاء الصفة العربية والإسلامية عليه فيصورونه على أنه إرهاب حلال، أو إرهاب شرعي، هدفه واضح، وهو حشد العالم ضد كل من يرفع عقيرته للتصدي للإرهاب الصهيوني، وكم من مسؤول رسمي وشبه رسمي أمريكي وغير أمريكي، كم صرحوا بدور الدولة وأجهزتها في تصنيع وتمويل الجماعات والتنظيمات الإرهابية في كثير من بقاع العالم.

وترامب يعلم حجم دوره المطلوب لتمكين الإمبراطورية الصهيونية من القارة العربية، واستهدافها بالتطهير العرقي والثقافي والإبادة الجماعية، وهذا هدف صهيو غربي ليس وليد اللحظة، وهكذا بدأ العام بتنصيب ترامب، ثم انتهى بصدور قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة للدولة الصهيونية.

لم يحسب ترامب حساب التغيير الذي حدث، وسأم العالم من غطرسته، وملله من ابتزازه، ولم تبق لدى أحد قدرة على تحمل سخافاته واستعراضاته.

ومن شواهد التغيير الذي حدث بنهاية عام 2017:

1ـ تضاؤل وزن الولايات المتحدة، ليتدنى إلى مستوى مستوطنة صهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة والضفة الغربية، وكانت واشنطن حتى الأمس القريب عاصمة لدولة عظمى، ذات قوة ونفوذ على مستوى العالم!! وتضاءلت أمام بلد صغير مثل كوريا الشمالية، التي تمكنت من تحييد قوة أمريكا العسكرية والنووية

2  ـ خطأ حسابات ترامب في أن العالم أضعف من يقول له لا، أو يواجه تهديداته المنفلتة، وعجز عن رؤية أثر ابتزازه الذي انتهى بتمرد دولي غير مسبوق من داخل المنظمات التي أقامها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، حفاظا على مكاسبهم، وضمانا لاستمرار هيمنتهم على العالم.

3 ـ العجز عن استشراف ما يجري في القارة العربية ومحيطها وفي إقليم الشرق الأوسط وتطوراته، خاصة في إيران وسوريا ولبنان وتركيا، والآثار التي ما زالت شاخصة في تونس ومصر، وثورتيهما المجهضتين، وما زال وهجهما تحت الرماد يتحين فرصة التنفيس أو الانفجار.

4 ـ شخص ترامب لا يستطيع استيعاب الجَزْر الذي تعيشه القارة العربية، وانتشار حروب الطوائف ومعارك المذاهب واقتتال المناطق وصراعات العشائر، كأعراض لمخلفات الاستعمار وأمراض الاستبداد والتخلف الطويل، بجانب آثار الاستيطان في تدمير فلسطين، وما أحدثه تقسيم القارة العربية من تعقيدات، وقد استنفد أغراضه وتكشفت مخططاته

5 ـ خطأ تقييم القدرة الصهيونية على تأسيس نظام دولي بديل عادل ومتوازن، وكل ما تقدر عليه الحركة الصهيونية هو تكوين حلف إرهابي عالمي متمكن برعايتها، والاستناد على القوة الأمريكية، على أمل استمرار الانفراد بالهيمنة على العالم، بما تبقى لها من نفوذ.

وما حدث في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان واضح بالخروج عن الطاعة الصهيو ـ أمريكية.. وتوجه صريح بإعادة النظر في نظام الأمم المتحدة، المستمر لأكثر من سبعين عاما، واستنفذ أغراضه.. ويدفع العالم نحو نظام دولي بديل أكثر مساواةً وأقل استغلالا وأكثر عدلا

وقد يستغرب البعض أن ذلك كان محور نقاشات شبه دائمة بين مجموعة أصدقاء يعدون على الأصابع، تلتقي بشكل شبه منتظم وبعد دخول ترامب البيت الأبيض، زاد النقاش حول اندلاع الحرب العالمية الثالثة، وأكد أحدنا أنها خلال شهور إن لم تكن أسابيع، وأقصاها اذار/مارس 2018، وإعلانها مهمة ترامب، وقد يتحمل وزرها، فيُعزل ويدان، مفسحا المجال أمام نظام دولي، على قواعد النظام المالي الفاسد القائم، على أن يدار بشخوص شابة، ومظاهر جاذبة، وثياب أنيقة، وتتصور الحركة الصهيونية أنها بهذه المسرحية يمكنها إخراج العالم من أزمته المالية الطاحنة، وتعزيز القيادة الصهيونية له، وتكون قد جددت من نفسها وتخلصت من التبعات القانونية والأخلاقية البالية، فتنطلق وتتصرف بحرية كيفما شاءت..

وقد يكون ذلك صحيحا بالمعادلات الرياضية، وهي معادلات دقيقة في الحسابات الرقمية، لكن لا بد من مراعاة العوامل البشرية، التي قد تؤجل أو تعجل أو تلغي الدخول أو الخروج من مرحلة إلى أخرى.. ونتذكر كارل ماركس ومدرسة التحليل المادي للتاريخ، التي توقعت اندلاع الثورة العمالية في البلدان الصناعية، وكانت بريطانيا مرشحة لها ومعها ألمانيا، وفوجئ العالم بالثورة في روسيا، المجتمع القيصري شبه الاقطاعي، بقيمه الريفية وتماسكه الأسري.

هنا يبرز العامل البشري ودور لينين ورفاقه والحزب الاشتراكي الروسي، وقيامه بوظيفة القابلة التي أخرجت الثورة حية من رحم مجتمع لم يكن مؤهلا لها، وفيما بين الحربين (الأولى والثانية) وما كاد عقد الثلاثينات من القرن الماضي ينتهي بعد معاناة العالم الشديدة من الأزمة الاقتصادية العالمية حتى تبلور نظام دولي ثنائي القطبية، استمر حتى العقد الأخير من القرن الماضي، وسقوط الاتحاد السوفييتي، وانهيار كتلة شرق أوروبا، ولم يقض هذا على ذلك النظام تماما، مكتفيا بقص جناحه الشرقي، ولم يتمكن الجناح الآخر من التحليق وحده، وكانت هذه وما زالت أزمة الحقبة التي انفردت فيها أمريكا بالعالم، وانتظر العالم قص الجناح الآخر أو انهيار النصف المتبقي من النظام السابق..

ويبدو أن الانتفاضة العالمية الراهنة أذنت بالإجهاز على النصف المتبقي، وتهية العالم لنظام بديل، وعلى القارة العربية أن تستعد، بالاعتمد على نفسها وعدم الركون إلى غيرها.

وأخيرا نقول أن إضافة القوة الأمريكية الغاشمة إلى قوة الحركة الصهيونية يزيد الأوضاع تعقيدا، فضلا عن عداء ذلك لحركة التاريخ، وكثيرا ما رددت هذا الكلام بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق في أكثر من محفل، ومع أكثر من طرف إلى أن حانت لحظة الحقيقة على لسان ترامب.. ويصدق هنا قول:خذوا الحكمة من أفواه المجانين..