الإستراتيجيّة الأميركيّة والإستراتيجيّة الصينيّة.. لمن الغلبة؟

عدنان برجي

 

خلال شهر تشرين الثاني 2017 انعقد المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني الحاكم برئاسة الرئيس الصيني القوي شي جينبنغ، وقد خرج هذا المؤتمر المهّم باستراتيجيّة يصل مداها الى منتصف القرن الحالي 2050 تضمنّها التقرير الصادر عنه. استُتبع هذا المؤتمر بمؤتمر الحوار رفيع المستوى لأحزاب على مستوى العالم شاركت فيه وفود من 120 دولة تحدّث اليهم مباشرة الرئيس شي، ومسؤولين كبارا في الحكومة الصينيّة وفي الحزب الشيوعي الصيني، وكان التوجه واضحاً وصريحاً بوجوب مأسسة هذاالمؤتمر ليكون فاعلاً وناشطاً ومؤثراً خلال السنوات القادمة، طبعا من خلال الإستراتيجية المنوّه عنها آنفاً.

بالمقابل فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استراتيجيّة الأمن القومي الأميركي. فماذا في كلا الإسترتيجيّتين الصينّية والأميركيّة، وهل هما على لقاء ام افتراق، ولمن الغلبة بينهما؟

ابرز ما جاء في استرتيجيّة الأمن القومي الأميركي:

1-إعادة بناء القوّة العسكريّة الأميركيّة لضمان بقائها في المرتبة الأولى (ذلك يؤكدأن القوة العسكريّة الأميركيّة قد تراجعت ومُنيت بنكسات ظهرت واضحة في السنوات الأخيرة أمام المقاومة العربيّة في العراق وسورية ولبنان).

2-الحفاظ على توازن القوى لصالح الولايات المتحدّة الأميركيّة في المناطق الرئيسيّة من العالم: الهند والمحيط الهادي واوروبا والشرق الأوسط! (كيف يكون ذلك وقد استطاعت روسيا تثبيت قواعدها في سوريا فيما لم تكن كذلك في السابق، كما انها استعادت جزيرة القرم ولم تتراجع في اوروبا، اما في المحيط الهادي فقد دعا الرئيس ترامب في 9 تشرين الثاني 2017 الصين الى الإنخراط بصورة كاملة لحل الأزمة الكوريّة، أي طلب الوساطة الصينيّة، وهي ليست المرّة الأولى).

3-الولايات المتحدة الأميركية لن تتسامح بعد الآن مع العدائية الإقتصادية او الممارسات التجاريّة غير العادلة (إتهام للصين، في الوقت الذي ارتقع فيه عجز الميزان التجاري بين الصين وأميركا الى 368 مليار دولار في العام 2017 فيما كان 347 مليار دولار في العام 2016).

4-مواصلة تعزيز النفوذ الأميركي في الخارج لحماية الشعب الأميركي وتعزيز الإزدهار (طبعاً عن طريق المزيد من الممارسات الإستعماريّة والعدوانيّة التي اتسمت بها السياسة الأميركيّة منذ الحرب العالميّة الثانية حيث كانت البداية في هيروشيما ونكازاكي وليس  آخرها في العراق وأفغانستان وسورية وليبيا وغيرهم من الدول التي دُمّرت ودفعت شعوبها عشرات ملايين الشهداء والمعاقين والمهجرّين نتيجة الرغبات الأميركية الجامحة في تعزيز النفوذ على حساب الشعوب والمبادىء والقيم الإنسانيّة).

 باختصار فإن ملامح الإستراتيجيّة الأميركيّة هي ملامح عدوانيّة نتيجة أحلام استعماريّة متأصلّة، في الوقت الذي تغيّر فيه العالم، فلم تعد الولايات المتحدّة الأميركيّة بتلك القوة التي امتلكتها في بداية تسعينيات القرن الماضي حين سقط الإتحاد السوفياتي وتحوّل العالم الى نظام القطب الواحد. وقد بشّرت الإدارات الأميركيّة آنذاك بأن القرن الواحد والعشرون سيكون قرناً اميركيّاً فإذ بالأميركيين يضطرون للإنسحاب عسكريا من العراق والتراجع في افغانستان قبل نهاية العقد الأول من القرن، وإذ بأسوأ ازمة اقتصادية تصيب الأسواق الأميركية عام 2008 ولا تزال آثارها مستمرة حتى الآن باعتراف الرئيس ترامب بقوله "سنعيد تنشيط اقتصادنا").

ابرز ما جاء في الإستراتيجية الصينية من خلال كلمة الرئيس شي جينبنغ في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني التاسع عشر وفي افتتاح مؤتمر الحوار رفيع المستوى في بكين الذي شاركت فيه وفود من 120 دولة من مختلف القارات وأشكال النظم السياسية والإقتصادية:

1-الصين ترفع راية "السلام والتنمية والتعاون والفوز المشترك"، والتواصل بين الدول على قاعدة " الحوار لا المجابهة والشراكة لا الإنحياز "و" احترام تنوع حضارات العالم، وتجاوز الحاجز الحضاري بالتبادل الحضاري وليس التصادم الحضاري، وبالإستفادة المتبادلة حضاريا وبالتعايش الحضاري".

2-مواجهة التحديات العالمية بالتعاون: "لا تستطيع دولة بمفردها مواجهة التحديات الكثيرة التي تواجه البشريّة، ولا تستطيع اية دولة في الوقت نفسه ان تنسحب الى نوع من العزلة"، لذلك "ينبغي ان يقوم مصير مشترك للبشريّة على الإحترام المتبادل والتنوع والحوار القائم على المساواة والتعايش السلمي بين الحضارات المختلفة، ولا يتعيّن تعزيز النظام العالمي من قبل بلد واحد او بلدان قليلة". وقد سبق ان قال الرئيس شي جينبنغ بوضوح تام وبصراحة مطلقة في منتدى بواد الآسيوي عام 2015: "كون دولة ما هي دولة كبرى خلال هذا العصر فلا يعني ذلك فرض السيطرة على الآخرين، إنما يعني تحمّل أكبر للمسؤوليات من أجل السلام والتنمية على المستويين العالمي والإقليمي".

3-إضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات الدوليّة، والسعي لإنشاء منصّة جديدة للتعاون الدولي، وزيادة المساعدات للدول النامية، وتعزيز التبادل والتعاون بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب والمنظّمات السياسيّة في مختلف الدول.

4-إدراك أن النوايا الحسنة لا تحقق وحدها الأحلام الكبيرة وسط غابة المصالح الدوليّة وتمسّك البعض بأحلام السيطرة الإستعمارية والخروج على كل القوانين والأعراف الدوليّة. لذلك تُقر الإستراتيجية الصينيّة بالتمسك بالتوحيد "بينإثراء الوطن وتقوية الجيش". فينبغي "بناء الدفاع الوطني القويّ والمتين والحديث للدفاع عن حدودنا ومجالينا البحري والجوّي"، كما يتعيّن رفع الجودة والفعاليّة في عمليّة بناء الدفاع الوطني والجيش للتكيّف مع اتجاه تطوّر الثورة العسكريّة الجديدة ومطالب أمن الدولة، والإرتقاء بالقدرة الإستراتيجيّة الى حد كبير بحلول عام 2020، وتحقيق عصرنة الدفاع الوطني والجيش بشكل اساس عام 2035، وتحويل الجيش الشعبي الى جيش من الدرجة الأولى في العام 2050". و "كي يتحقق ذلك فعلى اللجنة العسكريّة المركزيّة في الصين وعلى الشرطة المسلّحة دراسة روح مؤتمر الحزب التاسع عشر بدقّة". الجدير ذكره أن الصين هي من أكبر المساهمين في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في العالم، كما أنه لأول مرة في التاريخ تبني الصين قاعدة عسكريّة لها خارج الصين، إنها قاعدة جيبوتي التي تضم 3000 ضابط وجندي صيني".

5-ان التركيز على بناء القوة العسكريّة الصينيّة ليس من باب السيطرة الإستعمارية بطبيعة الحال، فالصين لم تكن يوما بهذا التوجّه وهي التي عانت من استعمار الآخرين لها طوال قرون، ولم تتخلّص منه إلاّ بثورة شاملة امتدت على مدى ثلاثة عقود بقيادة ما وتسي تونغ. لقد نالت الصين استقلالها عام 1949، واستطاعت خلال سبعة عقود ان تصبح بهذه القوة الإقتصاديّة، وان توفّر الحياة الكريمة لشعبها وأن لا يبقى في الصين سوى 60 مليون فقير من أصل اكثر من 1300 مليون مواطن، وهذا العدد الى تقليص في السنوات الخمس القادمة وفق استراتيجيّة البناء الداخلي التي قررها مؤتمر الحزب التاسع عشر.إن بناء القوّة العسكريّة الصينيّة ينسجم في تقديرنا في إطار ما قاله الرئيس العربي الراحل جمال عبد الناصر من ان "الحق بدون القوّة ضائع".

6-باختصار فإن هدف الإستراتيجيّة الصينيّة هو "بناء عالم مفتوح وشامل ونظيف وجميل ينعم بالسلام الدائم والأمن الشامل والرخاء المشترك" والقضاء على تفاقم ظاهرة "زيادة الغنيّ غنىً والفقير فقراً".

بعد استعراض كلا الإستراتيجيّتين لمن الغلبة، وأيهما أقرب الى التحقيق والنجاح؟

 قبل الإجابة لا بد من التذكير بما يلي:

1-أن ميزان القوى الدوليّة يميل الى توازن اكثر بين الأقطاب، فلم تعد سياسة القطب الأوحد هي السائدة، ولم تعد أحلام الإمبراطوريّة الأميركيّة قابلة للتحقيق في ظل  هذه المتغيرّات، فضلاً عن أن كثيراً من الإستراتيجيّين ومنهم بول كنيدي يؤكدّون ان الولايات المتحدة الأميركيّة لا تملك مقوّمات الإمبراطوريّة في الأساس.

2-إن العقدين الأخيرين أثبتا تراجع القوّة الأميركيّة وقد انعكس ذلك تخّبطا في البنية السياسيّة الأميركيّة، حتى بات  البعض يرى في ما يجري من تضارب في السياسات بين الأحزاب الأميركيّة وداخل الحزب الواحد تعبيراً عن ازمة بنيوية وليس مجرد ازمة سياسيّة عابرة.

3-  إن إدارة ترامب مهتّزة وبعضهم يتوقع عدم قدرته على استكمال ولايته، فيما افكار الرئيس الصيني شي جينينغ تم إدخالها في الدستور الصيني، بمعنى أنها لم تعد افكاراً عظيمة صادرة عن رجل عظيم، انما هي افكار دخلت في صلب التجربة الصينيّة واصبحت ملزمة للحكومات اللاحقة باعتبارها مواداً دستوريّة وليست افكارا صادرة عن شخص برتبة رئيس.

4-إن منطلقات الإستراتيجيّة الصينيّة هي منطلقات إنسانيّة، فيما مٌنطلقات الإستراتيجيّة الأميركيّة هي  منطلقات عدوانيّة استعماريّة تقوم على مبدأ المغامرات وقهر الآخرين، وسلبهم ثرواتهم واستعبادهم. واذا ما أخذنا بعين الإعتبار الميل الفطري للإنسان نحو العدالة، فإن الشعوب بالتاكيد تقف الى جانب صاحب المنطلقات الإنسانيّة وليس صاحب المنطلقات العدوانيّة.

5-إن من يقارن بين شخصيّة ترامب وشخصيّة شي، يجد أن الأول متوتّر، انفعالي،واستفزازي للآخرين. فيما الثاني هادئ الطباع، واثق بنفسه، يحظى باحترام ومحبّة شعبه وتقدير رفاقه في الحزب. يضاف الى ذلك أن أفكار شي تتحوّل تلقائيّا الى برامج تنفيذيّة، فيما كلام ترامب يلقى صدّا وردّا وتمييعاً داخل جهات واسعة في حزبه ومن خلال الكونغرس وتضارب مصالح المؤسّسات العسكريّة والمؤسّسات السياسية، يشهد على ذلك التباينات بين البنتاغون ووزارة الخارجيّة والإستقالات المتتالية من إدارة ترامب التي سجلّت رقماًّ قياسيا بتاريخ إدارة رؤساء أميركا.

الخلاصة: من كل ما تقدّم يمكن القول بثقة كبيرة أن المستقبل يشي بانتصار الإستراتيجيّة الصينية وهزيمة الإستراتيجية الأميركيّة.