في مئوية الخالد الذكر - عبد الناصر والهوية الجامعة

 

معن بشور

 

 

بعد 48 عاما على رحيل الزعيم الخالد الذكر، وبعد مئة عام على ميلاده في 15/1/1918، يبقى السؤال يلح باستمرار على العقل العربي، كما على الوجدان القومي ما الذي ابقى جمال عبد الناصر حاضرا في ضمير امته رغم مرور العقود على رحيله، وما الذي يبقي اجيالا من شباب الامة لم تعرفه، متمسكة بتراثه، مصرة على احياء المناسبات المتصلة بتجربته.

هل هي كاريزمية الرجل التي قلّما عرفت امتنا مثيلاً لها، هل هي في انجازاته، التي رغم ما رافقها من خيبات، تبقى علامات مشرقة في حياة مصر والامة العربية بل والعالم الثالث بأسره، هل هي روح العزة والكرامة التي بثها الزعيم الراحل في نفوس ابناء شعبه وامته وهم الذين يعيشون اليوم واقع الذل والمهانة على غير صعيد...

قد تفسر هذه الاسباب مجتمعة مكانة جمال عبد الناصر في مصر والوطن العربي، ولكنها وحدها لا تفسّر بقاءه حاضراً رغم  مرور نصف قرن تقريبا على الرحيل، وقرن كامل على الميلاد.

ان مكانة جمال عبد الناصر المتعاظمة لدى شعبه وامته واحرار العالم يفسرها بشكل خاص هو حال امته اليوم ومنذ ان رحل الرجل الكبير حيث بدأت رحلة محلية واقليمية وعالمية لتشويه صورته وتحجيم انجازاته لا انتقاما من قائد هزم الاستعمار وهدد الصهيونية واعاد الاعتبار للفقراء والكادحين وقد عانوا طويلا من الاستغلال والاحتكار... بل ايضا لمنع اي قائد مصري او عربي ان يفكر لحظة بالاقتداء بالرجل العظيم...

لكن المواطن العربي عموماَ، والمصري خصوصاَ، وهو يواجه الهزيمة تلو الاخرى، والفتنة بعد الفتنة، وانتهاك السيادة في هذا القطر بعد انتهاكها في قطر آخر، يسأل نفسه: ماذا لو كان جمال عبد الناصر موجوداَ بيننا...

أن ما تفتقده، مصر اليوم، ومعها الأمّة كلها، في غياب قائد الثورة جمال عبد الناصر هو قدرته الهائلة على صوغ معادلة تكامل الهويات في وجه تناحرها المصطنع على يد كل من يريد لهذه المنطقة التفتت والتشرذم والاحتراب الأهلي المستمر.

ففي تجربة جمال عبد الناصر ورفاقه وثورة 23 يوليو تكاملت الوطنية المصرية مع القومية العربية، مع الحضارة الإسلامية مع العمق الاستراتيجي الإفريقي مع البعد الإنساني العالمي، فلم يكن هناك مجال لافتعال خصومات مدمّرة بين مكونات الهوية لجر الأمّة إلى صراعات أهلية لا تتوقف.

في زمن عبد الناصر لم يكن هناك مناخ يسمح بإثارة عصبية عرقية أو طائفية أو مذهبية أو عنصرية أو إقليمية، أو جهوية، وإذكاء نار الفتن بينها، لأن تكامل العروبة والإسلام، كما عبّر عنه جمال عبد الناصر ومدارس الفكر القومي العربي المعاصرة، يوفر للأمّة، كما لأقطارها، معادلة الوحدة والأمان الداخلي والأمن القومي والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والقومي، فالعروبة جامعة للعرب المسلمين والعرب غير المسلمين، والإسلام جامع للمسلمين عرباً وغير عرب، والكل حسب هذه المعادلة ينتمي إلى الأكثرية العربية أو الإسلامية، فلا أقليات في معادلة التكامل بين الهويات، ولا تمييز في مجتمع يقوم على المواطنة.

في ظلّ هذه المعادلة ساهم جمال عبد الناصر في بناء الكاتدرائية المرقصية في العباسية كمقر للكنيسة القبطية، ومن خلال هذه المعادلة التوحيدية اعتبر الأزهر الشريف المذهب الجعفري الإثنا عشري مذهباً خامساً يدرس فيه كالمذاهب الأخرى، وفي ظلّ هذه المعادلة توجهت بعثات الأزهر إلى كل الدول الإسلامية تعلّم القرآن الكريم وتشدّ المسلمين إلى بعضهم البعض.

في ظلّ هذه المعادلة أيضاً أدركت مصر دورها في محيطها والعالم، فقادت حركات التحرر في آسيا وإفريقيا وصولاً إلى أمريكا الجنوبية، وبنت حركة عدم الانحياز ضمانة لاستقلال الأمم عن الارتهان لهذا القطب الدولي أو ذاك، وعبأت طاقات الأمّة كلها لمقاومة الاستعمار بشكليه القديم والجديد، وبأساطيله وجيوشه وأحلافه وأحابيله، فأسست لروح المقاومة التي رأينا تباشيرها في ثورة الجزائر وبلدان المغرب العربي، وفي اليمن والمحميات من حوله، وفي العراق الذي أسقط شعبه حلف بغداد في الخمسينات، وأسقطت مقاومته اليوم الحلف الجديد المسمى الشرق الأوسط الكبير بعد الاحتلال الامريكي عام 2003، وفي لبنان الذي اتصلت مقاومته لمشروع إيزنهاور في الخمسينات بمقاومته للاحتلال الصهيوني اليوم وعلى مدى عقود، وفي سوريا التي أسقطت الانفصال بعد أن أسقطت الحصار والأحلاف من حولها، فشاركت مصر في "عبور" العاشر من رمضان الخالد عام 1973، فاتصلت مقاومتها القوية للاحلاف والمشاريع الاستعمارية بالامس بمقاومتها الجديدة لمشاريع الفتنة والتقسيم وضرب وحدتها وعروبتها. ، أما في فلسطين فيكفيها أن شعبها كان يتحرك دوما وفق مقولة ناصر "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" وقد باتت شعار كل المقاومين.

وكم نحن اليوم بحاجة إلى نهج عبد الناصر وفكره وتمسكه بالهوية الجامعة التي لا حرية ولا استقلال ولا وحدة ولا استقرار ولا تنمية ولا تقدّم بدونها، والحرب الأهلية الدائرة في أقطارنا، المعلنة منها والكامنة، ما كان لها أن تقوم لولا تلك الحملة الممنهجة، فكرياً وسياسياً وإعلامياً ومادياً، التي سبقتها ضد العروبة والإسلام معاً، وضد كل ما هو عروبي ومقاوم.

وإذا كان من المستحيل العودة بعقارب التاريخ إلى الوراء، فإنه من الممكن جداَ أن نستلهم من هذا التاريخ، قديمه وجديده، ما يجعلنا قادرين على مواجهة التحديات.

فمن كان مثل عبد الناصر لا يسجن في الماضي، بل نتعلم منه في الحاضر، ونرى من خلال رؤيته أنوار المستقبل.