امتان لا امةٌ واحدة وشعبان لا شعبٌ واحد !

عارف معروف

 

 

مع ان المواطن العراقي يُشتم ليلَ نهار ويُسخر من مدى جديته والتزامه بواجباته ودفاعه عن حقوقه او لامبالاته وعدم  تحمله للمسؤولية الوطنية والتاريخية فأن نفس الاقلام التي تشتمه ونفس الاصوات التي تعلن يأسها من فعاليته او ايجابيته او استفاقته لمواجهة ما يحيق به من ظلم ويتعرض له من لصوصية ويشّتد على حقوقه وثرواته من تكالب تروج ، وبقوّة ، لهذا اليأس والتسليم بكل ما هو واقع وساري وكأنه قضاءٌ مبرمٌ ونهائي ولا داعي لمواجهته مطلقا !

وسواءٌ جرى الحديث عن نفط الاقليم والمناطق المستحوذ عليها واستمرار القيادة الكردية المهيمنه في الاستحواذ عليه وبيعه الى تركيا واسرائيل ومصادرة عائداته دون ان يدخل في اي قيد رسمي ، او تواطؤ الحكومة الاتحادية  على استمرارهذا الواقع رغم الجعجعة التي تعالت منذ اشهر دون ان نرى طحينا !

او تعاظم الموارد المالية للدولة الاتحادية نفسها من تصدير النفط و تعظيم حجم ومسميات الرسوم والضرائب  والاستقطاعات في كل مجال من مجالات الحياة اليومية وبحذق وتفنن غير مسبوق ودون ان يقابل ذلك القيام باي واجب مما تقوم به اية دولة من خدمات ...بل وعلى العكس ، مواصلة تخليها عما عهدته كل الاجيال السابقة ونصّت عليه القوانين من تعليم عام مجاني اوخدمات صحة عامة اونقل عام ، او دعم غير مباشر لدخل المواطن عبر الحصة التموينية او توفير الكهرباء باسعار مدعومة بدلا من افشالها عمدا لخصخصتها  ...الخ

او  تفجع َ احدٌ على التجاوزات اليومية على المال العام او تمليك وخصخصة  الاراضي والاملاك العامة  لصوصيا باسم التجاوزات  والامر الواقع وهي السياسة المسكوت عنها او المرعية ، في الحقيقية ،  من قبل الاجهزة المختصة بمتابعتها ومنعها بحيث حولت العراق الى عشوائيات هائلة لا يمكن ضبطها او تنظيمها ولا اعادة اصلاح امرها ....

او كُتبَ عن  التلكؤ واللاجدية  في كل ما قيل عن الاصلاحات او مكافحة الفساد او صيانة وتعزيز الوحدة الوطنية  او السيادة ،  او واقع القضاء وعجزه الحقيقي امام الكبار والمتنفذين  او تخبط البرلمان والبرلمانيين في صراعات ذات مضمون لا يتعلق بصلب الواجبات او المهمات الملقاة على عاتقهم وجريهم خلف تشريعات لا تعني ولا تمس هذه القضايا الكبرى  او عجز السياسة الخارجية عن متابعة حقوق العراق السيادية ثم اخيرا التهديد المهلك الذي يتعرض له رافدي العراق الخالدين  دون ان تتصعد الاجراءات والسياسات الى مستوى الحدث وخطورته  ... الخ

في كل هذه الاحوال لن تجد سوى العبارات ذاتها ، تلك التي لا تغني ولا تسمن ، ناهيك عن فعلها المثبّط للهمم واثرها الداعي الى اليأس و التخلي عن المواجهة  تصدر عن ذات الاقلام والاصوات :

"  انها طبقة سياسية فاسدة من الجوعى  والحمقى والعملاء الذين جاءت بهم الدبابة الامريكية وانهم باعوا ويبيعون كل شيء وانهم مجرد روزخونيه جهلة  او  لصوص ومرتزقة يتقاسمون المغانم والاسلاب ولن ينفع معهم قول ولا يفلح ازاءهم جهد "

او

"  حسبي الله ونعم الوكيل في هؤلاء اللصوص والمجرمين . لعنهم الله على مايأكلون من سحت وجعله في بطونهم

مرض وعذاب وشقاء "

" اين المرجعية ؟ الا ترى وتسمع كل ما يجري ؟! "

." اليس لهؤلاء اخلاق ؟ الن يرعووا ويعودوا الى سواء السبيل ... الن يستغفروا الله ويتوبوا اليه ويعودوا الى الدين وروحه "

او غير ذلك من التنويعات على ذات القول وكلها تكتفي بالشتيمه وتُسقط الفرضَ بالصراخ اليائس وتعلق التهمة على مجهول  او تطلب اصلاح الذات والتزام الاخلاق كسبيل للاصلاح الاجتماعي، اضافة الى نتيجتها الخطيرة في اعفاء الجناة والفاسدين من مسؤوليتهم عن كل ذلك  !

ان هذه الاقوال والافكار  يتكمّل وتساوي في الشرعمل هذه الطبقة والحثالة التي تتبعها وترتزق منها وهي تديم وتعزز ليس روح اليأس والقنوط بل والعجز والتنفيس عن الغضب بالشتائم  وتحويل المعركة عن مجراها وميدانها الواجب ان تحشد اليه الجهود والقوى ....و هي تدعو ضمنا الى رفع العتب عن الجناة والفاسدين واعفاءهم مما يجب ان يتحملوه من مسؤولية سياسية وجنائية واخلاقية ، بالاسماء كاشخاص طبيعية وبالاسماء كجهات وقوى وشخصيات معنوية ، سياسية كانت ام طائفية ام قومية ...

لم يعد مجديا ، اذن ،  القول بان هؤلاء جهلة او روزخونية اميين ولا اعادة وتكرار الشتائم من انهم عملاء جاءوا على ظهور الدبابات ولا تعييرهم بملبسهم او منحدرهم او طريقة كلامهم او ماضيهم المملق  ، ولم يعد مجديا ، ولا هو ذو نفع اصلا ،  الرجاء باصلاح الوضع عن طريق عودة اللصوص الى التوبة والاستغفار وكذلك ليس من الصحيح ان نرجو جلاء الغمة من تدخل المرجعية او  غيرها من الرموز والجهات التي يُراد لها ان تكون بديلا عن الشعب وفعله ومسؤوليته  ...

الصراع اليوم وحقيقته الوطنية والاجتماعية  اكثر وضوحا من اي وقت مضى : كل ما جرى ويجري حتى الان هو تغييرممنهج ومقصود  للهيكل الاقتصادي والبنية الاجتماعية للعراق بحيث ننتهي الى ترسب الثروات الوطنية  والامكانات الحاضرة والمستقبلية للعراق في ايد قليلة  وقليلة جدا تلعب دور وكلاء العمولة  ونواطير الداخل  لرأس المال الاجنبي والقوى الاستعمارية المسيطرة  ازاء تجريد شعب كامل من حقوقه وامتيازاته وثرواته وتحويله الى جموع من الجياع والحمقى الذين يأكلون لحم بعضهم بعضا ويعيدون تأكيد شرعية وقيادة مغتصبي حقوقهم وسراق ثروتهم وسيادتهم كل اربعة سنوات باسم الديمقراطية والانتخابات !

اذن فالامر الذي بات واضحا اكثر من اي وقت مضى ويزداد جلاءا  كل يوم وعبر كل قرار او اجراء ،هو ان العراقيين امسوا امتان لا امة واحدة ، وشعبان لا شعب واحد :  امة العراقيين المتشبثين بوجودهم واستمرارهم ومستقبل ابناءهم  على اي دين تعبدوا ووفق اي مذهب تمذهبوا ولاي طائفة انتموا وبأي  قومية  تسموا والذين خسروا ويخسرون كل حقوقهم الموروثة والمكتسبة ، وأمة الانانيين الراكضين خلف مصالحهم الخاصة والمتخلين عن اية قيمة وطنية او اخلاقية ازاء وطنهم وسيادته وثرواته  وشعبهم  وحاضره ومستقبله والذين بدأوا يستحوذون على كل شيء من النفط الى الكهرباء الى الاراضي والعقارات وانتهاءا بالتعليم والصحة والوظيفة! شعبٌ متمسك بوجوده وتاريخه وتطلعاته واحلامه في استقلاله وسيادته وحريته في خياراته ووسائل وطرق  استغلاله لثرواته الطبيعية في خدمة ابناءه ومستقبلهم من جهة  وفئة ، لا شعب ٌ حتى ولو على سبيل المجاز ، او حفنة من الاوباش  الغارقين بالمفاسد والدماء والدناءة والدونية حتى دركها الاخير ممن تخلوا ويتخلون عن كل شيء ويمكن ان يبيعوا اي شيء مقابل تنعمهم باموال السحت ومناصب التبعية والانقياد من جهة اخرى  ....

لم تعد  انصاف المواقف مقبولة و لا الدعاوى او الشتائم ضد فساد شبحي مقنعة ولا التظاهرات التي لا تسمي الاشياء باسمائها او تنتقي اهدافا غير حقيقية  نافعة ولا الوعود بالتغيير عبر انتخابات مسيطر عليها ومحسومة نتائجها  تماما بمجدية .....

حينما تعالت الصرخات والاحتجاجات ودبجت المقالات ضد  رئيس مجلس القضاء الاعلى السابق ، مدحت المحمود ، باعتباره " رأس الفساد " وباعتبار ان اقالته مطلبا جوهريا سيغير الواقع من حال الى حال ، اعلنا ان ذلك محض تضليل رخيص وتحويل لمجرى الطاقات باتجاه مسارب  غير مجدية وهروب من المواجهة الحقيقية ، لا تنزيها للمحمود او لغيره ولكن ماذا يعني تركك للالة الجهنمية الطاحنة تعمل بمنتهى الحرية وتوجيهك الانظار الى مجرد " برغي " فيها ؟!

وفعلا فقد استقال او اقيل المحمود وحل محله رئيس آخر لمجلس القضاء الاعلى فما الذي تغير ، سواء في السلطة القضائية وآلياتها  او عموم النظام وطبيعته ؟

المطلوب  اذن ، في ضوء هذا الواقع اشاعة ثقافة واعلام شعبي مقاتل  بالضرب على وتر وعي الشعب بمصالحه وحقوقه والسبيل الى تحصيل هذه الحقوق . المطلوب هو اشاعة روح كتابة نقدية تتصدى لكل قرار او سلوك بالوثائق والارقام والحيثيات القانونية والادارية وتناقش محتواه بدراية وتدعو المواطن الى الدعم هنا والاعتراض والمواجهة هناك بل وتحاول ،  فضح الجوانب المؤذية في كل قرار ووضع المتحكمين امام مسؤولياتهم وتصعيد الخطاب المطلبي والجماهيري في وجههم واحراجهم والتضييق عليهم حتى يستجيبوا ، طائعين او مرغمين لمضامين هذه المطالب . المطلوب والمهم  هو التركيز على الاثار والعواقب الاجتماعية والاقتصادية لكل قرار او توجه او دعوة بغض النظر عن  الاشخاص وانتماءاتهم واقوالهم . المطلوب ايضا وبقوة ، تسمية الاشياء باسماءها وتحديد الجناة في كل قطاع ومجال وفضح جناياتهم والدعوة الى محاكمتهم وتجريمهم والكف عن مهاجمة حالة شبحية عائمة وغير محدده باسم الفساد والفاسدين ، وينطبق هذا ايضا على المظاهرات التي يجب ان تخرج عن اطار الميوعة والزيف هذا وتسمي الاهداف وتحدد المطالب في كل حالة وتستمر في الطرق عليها وتأليب الناس والمتضررين ضدها حتى تحقيق ما يمكن تحقيقه .، ان ما يجعل هذه النشاطات والمظاهرات منها غير مجدية ولا تسترعي اهتماما حقيقيا من الفاسدين واللصوص والمتسلطين هو انها عائمة ولا تحدد شيئا او احدا بالاسم  وتجري ضد شبح او ضد مجهول !  ، كذلك ينبغي للكاتب والصحفي والاعلامي والمثقف والمتعلم والناشط والمواطن  ان يمارس جزءا من مسؤوليته بوعي ويوفر امكانية جيده  للتعبئة الجماهيرية وحفز الامل بأهمية النشاط الفعلي مهما كان بسيطا بدلا من الاكتفاء باللعن والتندر والتذمر والشكوى وصولا الى حالة من العمل الجماهيري الكبير والممارسة الديمقراطية الحقة التي تضع كل شيء في نصابه الصحيح لبداية وطنية بناءة !....