مائة عام على ولادة جمال عبد الناصر ..

نصير المهدي

 

 

سيستفز الاسم الكثير من العراقيين حتى هؤلاء الذين لم يعاصروا عهده ولم يعرفوا عنه غير الأقاويل السريعة المعلبة التي تشيعها جهات معينة تعاملت من قبل ومن بعد بعقل عشائري قبلي ثأري متخلف .

قبل عشرين عاما من الآن كنت على الطائرة من دمشق الى لندن وصعد في الأثناء واحد من الشخصيات السياسية ذو اسم برنين عال جدا من الشهرة والدور والتاريخ فقلت يا لها مناسبة فخمس ساعات من الطريق فرصة ذهبية كي أنهل من هذا الشخص الكثير من المعلومات والمعرفة ذهبت اليه عرفته بنفسي استأذنته بالجلوس ورحب الرجل فسألته أما كان بإمكان القوى السياسية العراقية التي تصارعت وتقاتلت أن تبحث عن طريق ما وهي التي كانت متحالفة في جبهة وطنية بالأمس القريب " جبهة الاتحاد الوطني " لتحل به مشاكلها وخلافاتها وصراعاتها السياسية بدلا من سلوك طريق المحق والالغاء ثم التخوين والاستهداف وبعد ذلك الإبادة وكنت أتوقع منه تقييما نقديا لمسيرة أقل ما يمكن فيها أنها أثبتت خطأ الجميع والدليل أن العدوين اللدودين في تلك الفترة اللذين دعا كل منهما الى إبادة الآخر وأعني البعث والشيوعي جلسا معا وتحاورا وتحالفا وهذا يعني إعترافا منهما بخطأ موقف كل منهما تجاه الآخر والشيوعيون تحالفوا مع البعثيين في مناسبات عديدة فبعد تلك التجربة انعقد تحالف آخر في المعارضة ضم الطرفين تحت مسمى الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية ثم في لجنة العمل المشترك وأخيرا في إئتلاف القوى الوطنية حيث الجناح الآخر من حزب البعث الحاكم في سوريا وفي الأثناء المؤتمر الوطني العراقي قبل أن يتحول الى حزب لأحمد الجلبي وكان يضم أقطاب البعث الشباطيين " نسبة الى شباط 63 " ثم في القائمة العراقية التي ضمت أيضا خليطا من البعثيين الشباطيين والتموزيين " تموز 68 " مع أن الطريق بين دمشق ولندن يستغرق أكثر من خمس ساعات جوا فلم أحتمل الشخص المعني أكثر من نصف ساعة وربما أقل من ذلك فتذرعت ببكاء ابني البكر في حضن أمه لأنسحب وقد تعزز عندي حكم سابق " ولاحق أيضا " بأن الكثير من الأسماء والعناوين ومن مختلف الاتجاهات التي شغلت حيزا كبيرا في تاريخ العراق المعاصر مجرد طبول فارغة وهي أقل بكثير من تصورات الناس عنها .

ليس الوضع العراقي الداخلي ولا العلاقة بين عبد الناصر وعبد الكريم قاسم ولا رأي الشيوعيين فيه هي المسطرة والمقياس في تقييمي لعبد الناصر فهذا كله جزء من المشهد والصورة والتاريخ ويمكن أن يقال فيها الكثير وترد الآراء التي في الضفة الأخرى ولكن القضايا الكبرى في المنطقة كالتحرر من الاستعمار وفلسطين والوحدة العربية والأمن القومي العربي والتنمية وال وفي عهد عبد الناصر كان العرب أمة من أمم العالم التي تحظى بالاحترام والهيبة وبعده فهذا هو الحال الذي نراه ونعيشه وقد بدأ الانحدار بعد رحيله مباشرة .

ربما ما كنت بحاجة الى هذه المقدمة الطويلة لولا تفهمي بقدر توقعي لمن سيستفزهم هذا الذكر لصاحب الذكرى وقد حصل في مرة سابقة أن أعطى أحدهم لنفسه الحق في شتم الرجل ثم الإساءة لكل من تناوله إيجابيا من الأصدقاء الأعزاء لأقول الآن بهذا المنشور ليس مناسبة كي يفرغ الموتورون أحقادهم وبغضهم وشتائمهم بنفس الكلام المشروخ المعلب والمعروف الذي يجتره أهل الشأن في مثل هذه المناسبات ومن يريد أن يشتم الرجل فليفعل ذلك بعيدا عن صفحتي لأن ما أكتبه هنا هو إحتفاء شخصي بمن أراه حالة فريدة في تاريخ العرب منذ قرون وقد لا تتكرر أيضا لقرون طويلة فمن أحب أن يشاركني الإحتفاء فيا حبذا وإلا فغيرهم ليس مجبرا لأن يدلي بدلوه أو يسجل حضوره .

ولست ممن يتصيدون المناسبات ولكنها مناسبة خاصة كما أربأ بنفسي أن أمتدح أي حاكم مهما كان وزنه أو دوره أو حتى نظرتي الإيجابية اليه ولكن جمال عبد الناصر حالة خاصة لا تشابهها أية حالة كما أن المناسبة خاصة لا نراها الا مرة واحدة ومن التقصير أن تمر فلا أقول فيه الكلام الذي يستحق وكثيرا ما يقع طرفان في خطأ اقرانه بآخرين إما مدحا أو قدحا وكلاهما يقعان في خطأين متضادين فمن يقارنه من أجل نقد حاكم آخر ويرى فيه مثلا للديكتاتورية أو الظلم أو التعسف أو غيرها من المثالب فإنما يرفع من شأن المذموم ويبرئه من أفعاله وتاريخه حين يكون المقارن عبد الناصر وكذا عندما يذهب الآخر الى إطراء حاكم عربي بقياسه بعبد الناصر فإنما يحط من قدر الأخير الى مستوى الآخر الذي قد يكون في الحضيض .

ولست هنا في معرض كتابة تاريخ الرجل ومرحلته شديدة الخصوصية وأعرف كل ما أثاره أعداؤه وخصومه والمتضررين من نظامه في مصر والمنطقة ولدي الجواب حتى لا يتصور أحد ممن يقرأ هذه السطور بأني أغفل أمورا أو أجهل أخرى فتغيب عن بالي في التقييم وتقييمي للرجل ومرحلته في ظروف زعامته التاريخية والجغرافية والدولية وما رافقها من أحداث وتطورات وعلاقات وملابسات .

قلت مرة بأن المنطقة العربية هي أفق تفكيري وقناعاتي ولا أرى العراق الا جزءا من هذه المنطقة مرتبط بمصيرها يؤثر فيها ويتأثر بها وقد كان أحد القادة في هذا الانتماء حتى تولى صدام السلطة فيه فحوله الى بندقية للإيجار في خدمة دول مفتعلة بصدفة النفط ومن حق من يختلف معي أن تكون له وجهة نظر أخرى فيرى العراق قطعة من كوكب آخر أو يخترع تاريخا يسقط من تفاصيله الحقائق الثابتة وليس هذا جوهر الموضوع ولكن حينما عبرت عن هذه القناعة انبرى أحدهم : امسك قومي وكان الأمر عار أو سبة وخاصة لدى جماعة " التكفير " العلماني والمدني " " وحتى أقطع الطريق على سوء ظن في غير محله فأقول بأني يساري التفكير عربي الأفق لا أؤمن بأي أيديولوجيا بل ببرامج الأعمال ولهذا فلا أعتبر نفسي ناصريا بل ولا أرى الناصرية سوى تجربة قومية في زمن معين وفي مكان محدد ولو عاد عبد الناصر اليوم في هذه الظروف السائدة لربما كان شخصا آخر أو لعب دورا آخر ومن هنا فتقييمه يصح في ظرفه لا في إسقاط تفاصيل مرحلة أخرى عليه فهذه هي المغالطة التاريخية حصرا وتحديدا .

ومن أبرز معالم غياب عبد الناصر أن المنطقة صارت في حالة انكشاف واضحة المعالم والمؤسف في هذا الأمر أن الكثيرين ممن يدعون اتباعه أو على الأقل يحسبون أنفسهم عليه أو على المطاف الأعلى فيرون أنفسهم قوميين حولوا القومية الى مستنقع لأقذر التوجهات وهي الطائفية وهذا الأمر واضح بين من خلال الانحيازات القائمة والتي جعلت من مملكة آل سعود قائدة للعرب ورضا الكثيرين ممن يحسبون أنفسهم على هذه التوجهات بتدمير بلدان عربية كالعراق وسوريا واليمن منحازين لهويتهم الفرعية المذهبية التي أصابتهم بالعمى فلم يعودوا يميزون العدو من الصديق رغم أن هذا الخراب العميم ينال من مصر حاليا وهي قيد الإنضاج لتمر بما مرت به البلدان الأخرى .

لقد كان أكثر التشخيصات صوابا لعبد الناصر ومرحلته أن تم تحديد أعداء الأمة بالثلاثي الذي طالما ذكره واستذكره وذكر به وهو : الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية والأخيرة وإن تعددت تفاصيل جبهتها ولكن القائد فيها كان نظام آل سعود المسؤول عن الخراب والتآمر على العرب وحتى المألات التي انتهوا اليها ثم نجد مثلا عبد الملك المخلافي وزير خارجية حكومة الشقة المستأجرة في الرياض للحكومة اليمنية يتحول الى أداة طيعة في تبرير العدوان السعودي على بلاده ومثله أو السوري حسن عبد العظيم الذي يقف خطيبا متذللا بين يدي سلمان يقدم فروض الطاعة والولاء وهذان المثلان ليسا حالة شاذة بل نموذج يمكن تعميمه لهؤلاء الذين سقطوا في هذا المستنقع القذر والآسن جدا أو أنهم كانوا يخفون مستنقعهم الخاص في نفوسهم حتى صار من النادر جدا أن يجد المرء أحدا وقد تطهر من هذه القذارة .

وللأسف فسوريا التي كانت حجر الزاوية في تفكير عبد الناصر هي التي فضحت الكثيرين من الأدعياء وعرتهم فكرا وسلوكا .

وعلى أية حال فيضيق المقام عن ذكر الكثير ولكن ومنذ رحيله رغم أن المناسبة ميلاده والمنطقة في حالة إعادة تشكيل متواصلة حتى لا تتكرر التجربة يوما أو على الأقل حتى لا يبقى منها أثر يغري أو يمكن أن يكون أساسا لأي بناء وحقا يدفع العرب ثمن نهضته باهظا أو بالأحرى تعاقب المنطقة انتقاما منه ويجري الضرب في كل إتجاه من قضية فلسطين الى وحدة العرب الى وحدة الأوطان الداخلية نفسها فضلا عن كل عوامل القوة الممنوعة والتطور المحرم والتنمية غير المسموح بها وغير ذلك مما لا يخفى على متابع منصف .

في ذكرى ميلاده سلام على ذكراه حيث يقصر الكلام عن الإحاطة بمرحلة استثنائية في تاريخ العرب بعد ظلام قرون عاد الى مساره بعد الغياب وكان هو قائدها الذي اكتشف به العرب ذاتهم قبل أن يعودوا الى السبات الطويل .