كلمات من دفتر الاحوال... -15-

كاظم الموسوي

 

 

غادرت الجزائر العاصمة إلى دمشق اولا للعبور بعدها الى كردستان حسب خطط الحزب وطرق إرساله لاعضائه وكوادره ومستلزمات العمل بأنواعها. في دمشق كانت التوصية بالذهاب إلى مقر المكتب الرئيسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وكلمة سر، وهناك التقيت بالرفيق "علي" الذي اعرفه، من ايام الدراسة في موسكو، جالسا في الغرفة المخصصة لهذه المهمة. وعرفت منه اني سامكث مؤقتا في الفندق الذي استأجرت فيه غرفة وهناك رفاق آخرون في غرف اخرى لديهم المهمة ذاتها. والتهيؤ خلال أيام للذهاب الى الوطن. ومرت الايام سريعة، التقيت في مقر المنظمة الحزبية في الشام، بعدد من الرفاق الذين اعرفهم من الوطن ويعملون فيها أو في وظائف اخرى في سورية. وكان عندي بعض المال الذي جمعته من راتب عملي في الجزائر، و حُملت بمجموعة من التوجيهات الحزبية، ابرزها المنع من زيارة رفاق او اللقاء بهم، وكعادتي في "المشاغبة" خرجت مباشرة اسال عنهم وزرتهم في بيوتهم وحسب أوضاعهم قدمت لهم مساعدة مالية. ذكروني بها أكثر من مرة وامام جمع من الرفاق في ظروف أخرى وايام أخرى وأمكنة أخرى. هؤلاء الذين يمنع اللقاء بهم رفاق ضحوا بسنوات من أعمارهم في الكفاح من أجل اهداف الحزب والشعب، وتشردوا مثل غيرهم هم وعوائلهم او تركوا عوائلهم بانتظار عودة حقيقية، لا غودو!. وفي الغربة والمهاجر تعلموا دروسا أخرى واصبحت عندهم اراء ووجهات نظر في سبل النضال وكيفية مواجهتها او معالجتها وقد لا تتفق مع من هم في القيادة او (من هم!) في القرارات والتوجيهات.. هذه الحالة المؤلمة ليست فريدة وليست جديدة، وتترك دائما بصمات لها وآلام قاسية عند الطرفين اساسا، وبالتأكيد عند الطرف الممنوع اللقاء معه او العمل الحزبي المنتظم. وهي في كل الاحوال تعبر عن مدى ما كان عليه النضج السياسي والقدرات على الإدارة والقيادة والحفاظ على بناء الحزب ومنتسبيه وأهمية احترام الاختلاف والخلاف في الفكر والرأي وبعد النظر وخطط المستقبل القريب والبعيد.

فعلا بعد فترة عاد الرفيق علي ليخبرني بالتجمع عند كراج حافلات القامشلي صباح يوم محدد، وحمل ما غلا ثمنه وخف وزنه، فالدرب طويل والمسافات مديدة ولا تعرف ظروفها ومتطلبات السفر ومتقلبات الزمن والمناخ والسياسات. في القامشلي استقبلنا رفيق سوري وأخذنا الى بيته قبل أن يزورنا الرفيق العراقي المكلف في المدينة. وبتنا ليلة عنده ثم عبرنا الى تركيا ومنها الى الوطن. كنت أحمل دفترا او مذكرة مجلدة  صغيرة الحجم سجلت فيها عن تلك الأيام، يوميات في كردستان العراق، في الجزء الاول الذي طبع وحمل اسم (الجبال)، صدر عن دار الكنوز الأدبية عام 1996،  وكان الفنان عبد الاله النصير قد صمم الغلاف واختار لوحة للفنان بهاء الدين احمد، وفيه تفاصيل ما حصل وجرى بعد ذاك اليوم الذي اجتزنا فيه اخر حدود قبل الدخول الى حدود الوطن.

كتبت في مقدمته؛ كلمات: هذه فصول من رواية لم تنته، كتبت في كردستان العراق أواخر عام 1982 في غرفة طين، تحت ضوء فانوس وبطانية رمادية اللون، أي قبل سنوات غير قليلة، وهي تحمل ذكريات، ويوميات فيها حرارة التجربة، ونبض الحياة، وحماس وتداعيات تلك الايام، وصورا عن أولئك الناس الذين تقدموا في العطاء الإنساني والجود بأقصى غاية الجود. وهذه الصفحات لا نريد كشف الحساب قدر التسجيل والشهادة، لاؤلئك الذين حلموا بشمس عراقية تشرق في ارض الرافدين، لا في المهاجر والمنافي العديدة.

أن تجربة الكفاح المسلح في العراق غنية بالدروس والعبر، وتتطلب الدراسة والتوثيق، منذ الشرارات الاولى، وعبر المراحل التاريخية التي مرت بها، وهذه مهمة جليلة، وبالتاكيد، ليست من أهداف هذه السطور.

لماذا النشر الان؟ وقد ابتعدت الايام، وتزايدت الأسئلة عن التجربة وحولها، جديتها، شرعيتها الواقعية، قياداتها، تطوراتها، والنتائج التي آلت إليها..

لا اظن الكتابة عن التجربة عملا بسيرا، اذ لابد من المسؤولية، والمساءلة الموضوعية، والحكم التاريخي، حيث لا تزال دماء الشهداء تضرج اديم الارض، وسبابات الضحايا مرفوعة، تحت التراب، او في المهاجر البعيدة عن الجذر والمشتهى!!.

كانت هذه الصفحات قد أرسلت للنشر مساهمة في الاحتفال بعيد الحزب الشيوعي العراقي عام 1984 لكنها رفعت الى الرف، بحجة " كشف سر المكان" وتلك ذريعة غير مقنعة، لاسيما عند مقارنة المواقع بين لجنة الاحتفال ومآثر اؤلئك الذين سطروا هذه الفصول التي تعبر عن نفسها، مثلا، واليوم، في المنفى، وجدت لزاما علي أن أعيد النظر فيها وادفعها للنشر، ذكرى وفاء وتحية شهادة لكل الدماء الزكية، والأرواح النبيلة، والقيم الإنسانية التي ما تزال تعيش في الذاكرة والضمير والوجدان، مهما تباعدت المسافات والأزمان.

لقد استشهد عدد من أبطال هذه الفصول، وتاجل آخرون منتشرين تحت نجوم السماء، فعسى أن تذكر هذه الصفحات لهم شيئا من الجهد والعرق والحلم والامل الذي دفعهم إلى السير في تلك الطريق، وفي تلك الاحداث، وفي هذه اليوميات.

للشهداء والضحايا، الأحباء والاحياء، اهدي كتاب " الجبال", يوميات الرجال - الجبال، الذين صدقوا ما عاهدوا عليه، وقدموا ما استطاعوا إليه سبيلا، وعملوا ما لم يكن في حسابات اللجان والاركان.. للجميع اهدي هذه الفصول.

في كل فصل من الفصول مشهد مما حدث وحصل في تلك الايام، مختصر في يوميات نصير وشهادة للتاريخ. في الفصل الاخير من الكتاب، وهو الجزء الاول، من اليوميات، حيث صدر الجزء الثاني بعنوان: بشتآشان.. فصيل الاعلام، عن دار خطوات - دمشق 2007  كتبت: في القاعدة المركزية التي وصلناها ارحنا الركاب، من هذا الموقع النضالي سنواصل الدرب الذي روّته دماء الشهداء، خيرة أبناء الشعب، فلذات اكباد الامهات والاباء. في الفصيل المختص الذي نسبنا له، التقينا رفاقا ورفيقات جددا، لم نعرفهم سابقا، عرفتنا عليهم ساحة النضال، ارض المعركة، موقع امتحان الصلابة والتضحية ونكران الذات وصواب الاختيار.

في هذا الفصيل قابلت المرأة المناضلة، الرفيقة "خوشكا فروشته"، ولينا، الفتاة التي لم تزل تذكر دفاترها ومدرساتها، وتحن اليهن، وتتحدث عنهن بشوق طفولي. ژيان، الطالبة الجامعية التي تمكنت من التخلص من الملاحقات البوليسية، والوصول إلى الجبل، تاركة جامعتها وزميلاتها ومختبرها ومتقدمة الى السلاح والجامعة التي تختبر فيها قدراتها القتالية، كمشاركة نشطة في ساحات الوغى. الطفل وسام وامه، اول طفل ولد بين بنادق الانصار. وعائلة الشهيد، هكذا هو اسمها، ام صابرة وابنتان شابتان، استشهد والدهما واخوهما الكبير، والآخر في صفوف الانصار، رفاق ورفيقات، وكل واحد له قصته وحديث..

وتطول الفصول واليوميات، وتصبح الحاجة ماسة إلى صفحات او الى حلقة جديدة من يوميات جبلية لرواية لم تنته بعد..

كردستان- العراق، أواخر 1982 السويد، أيار 1995

في الأسطر السابقة والتواريخ في الختام تعبير عن معاناة النشر والكتاب والكاتب في هذه الايام، التي واكبت الاصدار وما تلاه، وهي في الاخير محنة ثقافة ومستقبل وأجيال وتاريخ.

ارسلت نسخة من الكتاب إلى الصديق الشاعر والكاتب والناقد والاكاديمي المعروف الدكتور عدنان الظاهر، فجاوبني بقصيدة، عنوانها "رجل الجبال" نشرت في مجلة الجسر التي كنت أرأس تحريرها ومواقع الكترونية وقراها في مناسبات ثقافية، كما ذكر ذلك في رسالة منشورة له. ومنها:

لمْ ...

يصعدْ قبلكَ موسى

كردستانَ جبالاً شُمّا

تتكابرُ ما فوقَ جلاميدِ الوديانِ الصمّاءِ

شاهقة ً بوصايا رب ِّ جليلِ الأنصارِ

لتصارعَ فرعونَ بني قحطانَ جنوبي ِّ الأنبارِ

بالشررِ المتطايرِ أعلى من سُروات النارِ

ها هم أولاءِ رفاقكَ مصطفون َ أمامكَ حرّاسا ً صفا ً صفا

تحت ظلام ِ الغابة ِ والرهبةِ ليلاً والنهرِ الجاري

تسعى للموتِ شهيدَ الدنيا

لا تخشى " وادي الموتِ " وحفّارَ قبورِ الأحياءِ ـ الموتى

لا تخشى أمرا

عند عبورِ خطوطِ الموتِ المتربصِ خطاً خطاً

نارُكَ أكبرُ من نارِ جبال الطورِ وسيناءِ

(........)