هل تستطيع الرأسمالية ان تكون إنسانية؟ حكاية شركتي "فورد" و"دوج"

صائب خليل

 

 

25 ك2 2018

سُئل البروفسور جومسكي في احدى المحاضرات لماذا يتكلم عن الرأسماليين وكأنهم وحوش ليس لديهم أية مشاعر إنسانية، فنفى ذلك وأكد ان الموضوع ليس وحشية الرأسماليين بقدر ما هو النظام الذي يعملون ضمنه، والذي يتنافى مع المجتمع والإنسانية، وضرب المثال التالي:

لنفرض أنه كان هناك مدير "إنساني" لشركة سيارات، وأراد أن يخدم المجتمع بأن ينتج سيارة أكثر رفقا بالبيئة، بإضافة فلتر خاص للعادم الملوث. وطبيعي أن هذا الفلتر سيكلف مالاً ويزيد من كلفة انتاج السيارة. وسيكون على المدير أما أن يحمل شركته تلك الكلفة من الأرباح، او ان يرفع سعر السيارة. وفي سوق السيارات الصعب المنافسة فان من المتوقع ان يؤثر هذا الأمر بشكل سلبي على أرباح الشركة بشكل مباشر أو بشكل انخفاض ولو طفيف في المبيعات.

ما الذي يحدث عندها؟ سيجتمع مجلس إدارة الشركة ويطلب من المدير أن يتراجع عن مشروعه. وسيكون امام المدير اما ان يتراجع عن مشروعه وتستمر الشركة بالمساهمة في التلوث كغيرها، أو ان يستقيل، ويقوم المدير الجديد بإلغاء المشروع. وإن لم يحدث هذا، واستمرت الشركة في هذا الاتجاه، فستتعرض لاحتمال الإفلاس والخروج من السوق. وفي كل الاحتمالات يفشل المشروع الإنساني في اختراق نظام الشركات الرأسمالية المؤسس على تحقيق أكبر الأرباح.

والحقيقة ان مثال جومسكي ليس خيالياً تماما، بل يسانده حدث معروف في تاريخ الرأسمالية، وتاريخ صناعة السيارات بالذات، ثم تحول الى جزء من التاريخ القانوني لأميركا.(1)

ففي عام 1913 اقام الأخوين "دوج" دعوى قضائية على شريكهم "هنري فورد" (مصنّع السيارات الشهير)، والذي كانوا يملكون 10% من أسهم شركته. وكان بين فورد والاخوين دوج علاقة عمل مربحة جدا استمرت عقدا من السنين. وقد رفع الاخوين دودج الدعوة بعد ليلة زفاف ابن فورد، التي حضراها كضيفين معززين.

سبب الدعوى حسب وصف الأخوين "دوج" هو أن فورد تسبب في خفض الأرباح لحملة الأسهم لشركته بسبب قراراته "الغريبة" بتفضيله ما أسموه "الخير الاجتماعي العام" لصالح العمال والزبائن، على سياسة تحقيق اعلى الأرباح لحملة الأسهم لشركته. ولم ينكر فورد ذلك، وهو المعروف بأنه لم يكن ذلك الرأسمالي الكلاسيكي الذي لا يهمه سوى المال، بل قال بأن الهدف الأساسي الذي بنى مصنعه للسيارات هو "أن نفعل أكبر ما نستطيع من الخير، وفي كل مكان، ولكل الناس حولنا... وأن نجمع المال كناتج ثانوي".

لكن هذا الخطاب الإنساني لم يكن الأنسب لمحكمة شيكاغو التي حكمت لصالح الأخوين، باعتبار ان مهمة إدارة الشركة هي تحقيق أعلى الأرباح لصالح حملة الأسهم، وأمرت فورد بدفع تعويضات كبيرة للأخوين، فقاما باستخدامها لبناء معمل السيارات الخاص بهم، سيارات "دوج"!

ولم يكن هذا الحادث مفرداً في تاريخ الصناعة، لكنه كان حدثا مهما ومحاكمة صارت تدرس في الجامعات القانونية. وقد اعتبر دفاع فورد والعبارات التي استخدمها، دفاعاً "أحمقا"، لا يساعد في كسب القضية على الاطلاق، بل كان عليه ان يبني حججه على أن خياراته كانت ستكون لصالح "حملة الأسهم" فقط، فهو العامل الذي يحكم على أساسه في تلك القضايا، وليس "صالح الجميع" و "خير المجتمع"..

إذن فالشركات المساهمة، وهي الشركات الكبرى، لا يجب ان تراعي، بل هي "ممنوعة" أصلا من أن تأخذ بنظر الاعتبار في تقرير سياساتها، "صالح المجتمع" أو "خير الناس" أو أمثالها من العبارات، وأن تجعل لها دوراً يؤثر على الهدف الوحيد المسموح به: "تعظيم أرباح حملة الأسهم". وإن هي فعلت، فأن المؤسسات (القانونية) التي وضعها المجتمع ذاته في الأساس لحمايته، ستهب بوجهها وتعاقبها "على تلك الجريمة"، بشدة قد تقضي عليها!

فلو كانت شركة فورد تتعرض في ذلك الوقت للمنافسة القاسية التي يتميز بها سوق السيارات اليوم، فلربما كانت تلك الضربة ستقضي عليها، كما تنبأ جومسكي في وصفه. لكن فورد كان بالفعل المهندس العبقري للصناعة الأمريكي وفيلسوفها الذي طور أنظمة أساسية مثل نظام الحزام النقال، وادخل تطويرات كثيرة على صناعة السيارات. إلا أن الحدث يبين لنا ان قوانين الرأسمالية تقف بالضد تماما من أية مشاعر إنسانية أو رغبات "غريبة" لخدمة الناس والمجتمع، إن كانت تكلف "حامل الأسهم" أي شيء.

إن وصف السيد "فورد" لهدفه: "أن نفعل أكبر ما نستطيع من الخير، وفي كل مكان، ولكل الناس حولنا... وأن نجمع المال كناتج ثانوي"، بوضعه "فعل أكبر الخير.. لكل الناس" قبل "جمع المال"، ليس غريباً على المجتمع الطبيعي، بل هو الشيء الطبيعي الوحيد. لكن الأمر يعتبر "حماقة" مقلوبة الأولويات بالنسبة لمحكمة مؤسسة وفق قوانين الرأسمالية، يستحق من يتفوه بها العقاب! إن تلك المحكمة وقرارها الذي اعتبر مثالا يقتدى به ويدرس في الأكاديميات القانونية، قهقهة سخرية لاذعة من فرضية عراب الرأسمالية آدم سميث بأنه "لو عمل كل شخص لصالحه، فأن جهد الجميع سيصب في صالح المجتمع"!

إن الأمثلة التي جاء بها سميث لتبيان مقولته اقتصرت على مصالح صغيرة لا تكاد تسمى "رأسمالية" مثل الجزار والخباز الذي يجب ان يرضي انتاجه المستهلك. فالعلاقة قد تكون متوائمة بين الرأسمالية والمجتمع مادامت المؤسسة الرأسمالية صغيرة جدا، وتحت سيطرة المجتمع. لكن بنمو المؤسسة الرأسمالية وتغولها، تتحول العلاقة في نهاية الأمر إلى تناقض مصالح واضح كما بين المثال الافتراضي لجومسكي، والذي أوضح أن تلك العلاقة صارت صراع للبقاء على قيد الحياة! وتدرك المؤسسة الرأسمالية تلك الحقيقة، لذلك تسارع إلى محاصرة أية دوافع "خارجية" قد تتسلل إلى مفاصل مركز القرار، والتخلص منها كما يتخلص الجسم الحي من الجراثيم.

لقد بين الحدث التاريخي بين فورد و"دوج، إن الرأسمالية قد كسبت هذا الصراع لصالح مصالحها وإنها تمكنت منذ أكثر من مئة عام من تسخير مؤسسات المجتمع القانونية ذاتها لتعمل لصالحها، وتقف بوجه المجتمع الذي انشأها لخدمته!

ولم يقتصر هجوم المؤسسة الرأسمالية على المؤسسات القانونية للمجتمع بل سعت إلى السيطرة على كل بنية المجتمع ومؤسساته وتوجيهها والتحكم بها. فالهجوم شمل حتى الإعلام وتحديد القيم والتجارة وقرارات الحروب، وبالطبع الاقتصاد والمؤسسات المالية بالدرجة الأولى. ففي ذات العام الذي وقعت به تلك الحادثة بين "فورد" و "دوج"، تم وبطرق ملتوية، خصخصة البنك المركزي الأمريكي، واعطي بضعة رجال اثرياء حق السيطرة على قرار طبع العملة في البلاد، وهو أمر يناقض أي منطق أو عقل!

ورغم بعض العلامات الإيجابية، تجد البشرية نفسها اليوم، بعد مئة عام أخرى من ذلك الصراع البنيوي بين مصالح رأس المال ومصالح المجتمع، في تراجع مستمر وضيق متزايد صار بإمكان المؤسسة الرأسمالية فيه أن تفتعل "أزمة" هائلة مثل أزمة البنوك في 2008 لتسرق تريليونات الدولارات من ضرائب الناس، وهي مطمئنة تماما لإفلاتها من جريمتها بسلام. بل أيضا لتعود بعد بضعة سنوات وتلغي كل الإجراءات الاحترازية التي وضعت لمنع تكرارها، وكأنها تعلن صراحة نيتها لإعادة تكرار تلك السرقة الهائلة. وفي هذه الاثناء تمضي السلطات الرأسمالية بإجراءات عاجلة لتغير قوانين الضرائب والغاء الحدود والقوانين المنظمة والضغط على حكومات كل العالم، لتسريع إثراء الأثرياء في كل مكان، وسحق الآخرين بوقاحة من مستوى لم تعرفه البشرية سابقاً.

قد يبدو هذا الكلام بالنسبة للمراقب السطحي، مناقض لما يراه من رفاه الدول الرأسمالية، وأن الأزمات تحت السيطرة. لكن نظرة أعمق، ومقارنة زمنية للأرقام ولمسيرة تحول السيطرة على القرار في المجتمعات، ستكشف أن تلك "الأزمات" ليست سوى رأس جبل جليد يخفي تحته كارثة هائلة تنمو بتسارع كبير وتهدد المجتمع البشري، وأن الرأسمالية ليست فقط عاجزة أن تكون انسانية، بل وتمثل تحديا خطيراً لرفاه الإنسان الذي ساهمت في خلقه ولحريته ولقيمه، إن لم يكن لبقائه على قيد الحياة أيضا.

 

(1) Lessons from Dodge v. Ford Motor Company

https://chicagounbound.uchicago.edu/cgi/viewcontent.cgi?&article=1197&context=law_and_economics