من تجارب الشعوب التي غيرت دساتيرها بعد الحروب الأهلية

 

علاء اللامي

 

دستور دولة المكونات أساس البلاء، فلماذا "التغليس" عليه! لماذا يهرب أهل النظام ومعارضوهم وجميع كتلهم وقوائمهم الانتخابية من قضية تعديل الدستور الاحتلالي كما يهربون من الطاعون؟ لماذا لم يجرؤ أحد منهم أو ممن يسمونهم المدنيين أو اللبراليين أو "الإصلاحيين" كالصدريين والعباديين ...الخ على رفع مطلب وشعار إعادة كتابة الدستور العراقي أو تعديله جذريا ليكون على أساس المواطنة لا على أساس المكونات الطائفية والعرقية؟

من الأمثلة الكثيرة التي تؤكد الجوهر المنافق الذي يقوم عليه نظام الحكم "الطائفي الانتخابي" في العراق، هو أن أغلب أحزاب وقادة وساسة النظام صرحوا علنا بأن الدستور النافذ والذي كتب وشرع عبر استفتاء شعبي مشبوه تحت ظلال الاحتلال الأميركي ، وفي فترة الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر، وبشجيع من المؤسسة الدينية، أن الدستور ليس كتابا مقدسا وهو يشكو من العديد من العيوب والتناقضات والالتباسات المبثوثة بين مواده، وفي الوقت نفسه، وما أن يختلف طرفان أو أكثر من أطراف وساسة الحكم حتى يصرخوا جميعا (يجب الاحتكام الى الدستور العراقي... الخلافات يجب أن تحل تحت سقف الدستور...هذا الدستور يجب أن يطبق كما هو وليس بطريقة انتقائية يختار كل طرف ما يحتاج إليه ويؤيد أفكاره ومطالبه!). فأي نفاق هذا!؟

لقد مرت الفترة الانتقالية التي كان يجب تعديل الدستور فيها وحسم المواد المختلف عليها والتي اعتبرت مثار تحفظ ولم يعدل شيء منها وفشلت محاولة طويلة عريضة لتعديل مواد الدستور خلال عهد مجلس النواب السابق بعد أن شكلت اللجان وتم إنجاز العديد من اقتراحات التعديل ولكن كل ذلك الورق ذهب الى حاوية النفايات! السبب في ذلك أن من يهيمنون على الحكم من الأحزاب الإسلامية الشيعية الفاسدة اعتبروا هذا الدستور دستور الدولة الدائم الذي لا يجوز المساس به طالما هو يضمن لهم استمرار هيمنتهم وسرقاتهم. ومثلهم فعلت قيادات الأحزاب الكردستانية وخاصة حزب البارزاني الذي وجد فيه مستندا قانونيا يستند إليه في صراعاته مع بغداد ولضمان احتكار الحكم بالمناصفة مع حزب الطالبانيين، أما زاعمو تمثيل العرب السنة في النظام فقد تحولت مهمتهم من تعديل الدستور باتجاه لاطائفي إلى الحفاظ على مكاسبهم الطائفية وتوسع وتكبير حصتهم من الغنائم ومن كعكة الحكم.

إن السؤال الذي يهرب من طرحه، أو الإجابة عليه إن طُرِحَ هو: لماذا لا أحد من أهل النظام المتصارعين يتحرش بهذا الدستور الاحتلالي الطائفي الذي يرسخ دولة المكونات وحكم المحاصصة ويطالبون بإعادة كتابته أو تعديله بشكل جذري من قبل خبراء في الدستور والقانون وبشكل شفاف وعلمي قبل أن يعرض مجددا على الاستفتاء الشعبي؟ وهل يمكن فعل ذلك مع وجود الفيتو الكردستاني على أي استفتاء على تعديلات الدستور وفق المادة الدستورية التي تعتبر الاستفتاء فاشلا إذا رفضته غالبية الناخبين في ثلاث محافظات.

والآن وقد تم القضاء على الخطر الرئيس للعصابات التكفيرية الداعشية أو كاد، بتضحيات جسام من أبناء العراق في الجيش والقوات الرديفة له، وانتهت ظروف الاقتتال الطائفي والتصفيات على الهوية، فهل أدرك أهل الحكم جسامة ما ارتكبوه بحق العراق والعراقيين؟ ولماذا لا يأخذون العبرة من هذه التجربة العراقية المرة أو من تجارب الشعوب التي ابتليت بالحروب الأهلية والاقتتال الداخلي وخرجت منه، فكان أول ما فعلته قيادات تلك الشعوب هو إعادة كتابة دساتيرها أو إضافة مواد دستورية تنظم عمل ونشاط الأحزاب السياسية وتحدد شكل العلاقة بين الهويات الفرعية في المجتمع والهوية الرئيسية والأولى وبين الدولة والدين.

إن أغلب شعوب العالم التي ابتليت بتجربة الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي وخرجت منها بادرت الى إعادة قراءة وكتابة دساتيرها في ضوء تجاربها الدامية. تحضرني في هذا الصدد تجربتان مهمتان للشعبين السويسري والجزائري، فما تفاصيل هاتين التجربتين في هذا الصدد؟

فبعد تجربة الحرب الأهلية الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت سنة 1841 بادرت المؤسسة الدستورية السويسرية "البرلمان الاتحادي" الى إعادة كتابة الدستور سادةً بذلك كل الثغرات والاحتمالات التي يمكن أن تندلع منها حرب أهلية طائفية جديدة وقد نجحوا في ذلك أيما نجاح حتى الآن. لقد كتبت عن التجربة السويسرية ونظام حكم الديموقراطية المباشرة والدستور السويسري أكثر من نص، منها دراسة في أحد عشر جزءا نشرتها سنة 2005 بعنوان " قراءة في الدستور السويسري/ تجدون رابطها في التعليقات" ومقالة أخرى قبلها سنة 2004 بعنوان " تأملات في التجربة السويسرية أقتبس لكم منها الآتي.

 (تنطوي التجربة السويسرية على الكثير من الخبرة الثمينة في حل ومعالجة قضية التنوع الطائفي الديني فالمجتمع السويسري يتألف وفق إحصائيات الثمانينات من القرن الماضي من أغلبية كاثوليكية تصل إلى 47% وأقلية بروتستاندية مهمة تفوق 44% وما تبقى هم من أديان ومذاهب أخرى، وهذه النسب ليست بعيدة كثيرا عن نسب التركيبة الطائفية العراقية. لقد ذاق السويسريون كأس الحرب الأهلية الطائفية المر، ولكنهم استخلصوا العبرة والدروس الإيجابية منها: فبعد نجاح الحركة الإصلاحية البروتستناندية التي قادها الداعية الشهير وابن مدينة جنيف جون كلفان  (Jean Calvin) سنة 1536 اكتمل انقسام المجتمع السويسري طائفيا، وحدث انشقاق عميق وسيروة فصل دامت قرابة الثلاثة قرون وتوجت باندلاع الحرب الأهلية بين سنتي 1841و 1848 . لقد اندلعت تلك الحرب بعد أن عقد المحافظون الكاثوليك ميثاقا رفضوا بموجبه الامتثال لأوامر السلطة التشريعية الاتحادية العليا، فأصدرت هذه السلطة أوامرها إلى القوات الاتحادية المسلحة بالقضاء على التمرد وتمكنت القوات الاتحادية فعلا وبقيادة الجنرال القدير "دوفور" من القضاء على التمرد بأقل قدر من الخسائر البشرية. وبمجرد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها حتى فُتِحَ الباب من قبل أهل التجربة ذاتها لمراجعة تجربتهم برمتها، فولد دستور سنة 1848 ذو المضامين الديموقراطية التقدمية النافذ المفعول حتى الآن، والذي استوعب وفهم واضعوه جميع دروس وعِبَر الحرب الأهلية (إضافة: وقد ترك المشرعُ البابَ مفتوحا أمام الشعب السويسري لإجراء أي تعديلات جديدة مستقبلا بموجب قواعد الديموقراطية المباشرة والتي لا تطبق في أي بلد آخر غير سويسرا والتي تعتمد على إجراء استفتاءات اتحادية أو كانتونية تخص كل كانتون "محافظة" على حدة، على جميع القضايا المثارة والتي تهم الشعب، صغيرة كانت أو كبيرة، على مدار السنة). يمكننا القول إذن أن الشعب السويسري ككل خرج منتصرا من الحرب الأهلية وعلى الحرب الأهلية واستفاد منها استفادة عظيمة حين حدد عددا من المبادئ والشروط التي تحكم عملية الاختلاف والتنوع الطائفي ومن ذلك :

*الأخذ بمبدأ التصنيف الوطني وليس الطائفي أو العنصري للأفراد في هيئات الدولة والسلطات الثلاث .

*منع الترويج لمذهب طائفي ضد مذهب آخر أو للغة ما ضد لغة أخرى وتحريم الترويج للكراهية وازدراء المذاهب والأديان الأخرى وأصحابها .

*حرية الأفراد والجماعات في اعتناق المذهب الديني الذي يختارونه .

*التسامح الديني والمساواة الواقعية بين الأفراد والجماعات .

*ليس من المستساغ أن يعلن أي كانتون عن هويته الطائفية أو اللغوية فيقول أنه كانتون كاثوليكي أو بروتستاندتي، ألماني أو فرنسي أو إيطالي ( ترتيب النقاط اعلاه من وضعي حسب أهميتها) .

لقد تمخضت الحرب الأهلية سنة 1841 عن دستور جديد، وضع الأساس المكين لتلافي الوقوع في حروب مدمرة أخرى، ولكننا حين نقارن تحليليا وتاريخيا بين المآل السويسري والآخر الذي آلت إليه مثلا الحرب الأهلية اللبنانية نرى لشديد الأسف أن هذه الأخيرة انتهت إلى ترسيخ النظام الطائفي الذي كان موجودا قبل اندلاع الحرب. الأمر الذي لا يعني أن مسببات الحرب الأهلية اللبنانية قد قُبِرت وانتهت، بل هي تخبو كالجمرة تحت الرماد، وفي ذلك درس وعبرة لمن يريد الاستفادة من تجارب الشعوب.

تذكروا هاتين الفقريتين السويسريتين (الأخذ بمبدأ التصنيف الوطني وليس الطائفي أو العنصري للأفراد في هيئات الدولة والسلطات الثلاث) و (منع الترويج لمذهب طائفي ضد مذهب آخر) وحاولوا أن تتذكروا الأمثلة العراقية اليومية على توزيع المناصب والتعيينات الرسمية في دوائر الدولة جميعاً ومن منصب مدير عام فما فوق، ولنتذكر أيضا حالات الترويج لمذهب ما ضد مذهب آخر وطائفة ما ضد اخرى مباشرة أو بشكل مباشر وتخيلوا كم سياسيا ورجل دين عراقيا يجب أن يقدموا الى المحاكم بتهمة خرق الدستور لو قدر لدستورنا أن ينص على مادة كهذه؟ وهل سيبقى نظام المحاصصة الطائفية الذي يلعنه الجميع ولكنهم متشبثون به تشبث اللص بحضور القسم، على طريقة (قالوا للحرامي احلف قال: جاء الفرج)؟

*بالمناسبة، سمعت قبل قليل أحد مهرجي الفضائيات الحزبية الطائفية وهو يتساءل (لماذا يقال عن الحكم في العراق طائفي لأن الشيعة يحكمون، ولا يقال عن اليونانيين الأرثوذوكس طائفيين والذين يحكمونهم أرثوذوكس، وفي روسيا يحكم السلاف (هو لا يفرق بين السلاف القومية والطائفة المسيحية الأرثوذوكسية في روسيا وحتى لينين بالمناسبة من أسرة أرثوذوكسية! وعدد أسماء دول أخرى في ذات السياق، هذا المهرج المعروف بشتائمه الطائفية لا يفرق بين مجتمع منسجم طائفيا وتحكمه أغلبية سياسية من طائفة واحدة هي الوحيدة أو الوحيدة تقريباً في المجتمع المعني، وبين مجتمع متعدد ومتنوع طائفي ومنقسم عموديا وأفقيا قوميا وطائفيا كالمجتمع العراقي ومن هنا، من هذا الغباء وضيق الأفق يأتي الخلط والخراب والكوارث الطائفية.

يا حضرة المذيع الذكي، إنْ أردت أن تقارن وضع مجتمعنا العراقي فقارنه بمجتمعات تعددية كالمجتمع اللبناني الذي يُحكم اليوم بصيغة مؤتمر الطائف والمكرس للمحاصصة الطائفية والذي يعيش على قنبلة الحرب الأهلية الموقوتة والتي يمكن أن تنفجر في أي يوم، أو قارن مجتمعنا بالمجتمع السويسري المنشطر نصفيا تقريبا بين الكاثوليك والبروتستانت ولا تقارنه بروسيا الأرثوذوكسية أو الجزائر السنية أو سلطنة عمان الإباضية أو إيطاليا أو فرنسا او إسبانيا الكاثوليكية من حيث الهويات الفرعية.

هذا عن التجربة السويسرية فماذا عن تجربة الجزائر الشقيقة؟ هذا ما سوف نتوقف عنده قارئين نقديا في مقالة أخرى

 

رابط الدراسة  " قراءة في الدستور السويسري

http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=41576&r=0

رابط مقالة "تأملات في النموذج السويسري للديموقراطية المباشرة والدولة الاتحادية المحايدة"

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=28234

رابط المقالة وفيها فقرة عن الدستور الجزائري

http://mail.almothaqaf.com/a/b5/213-qadaya2009/60248

رابط مقالة عن قانون الأحزاب العراقي

http://al-akhbar.com/node/35129