رحيل صديق

د. كمال خلف الطويل

 

 

تلقيت بالأسى كله والحزن نبأ رحيل المغفور له الأستاذ مصطفى ناصر بعد رحلة مرض واجهها بشجاعة الرجال مصحوبة بتسليم كامل بإرادة الخالق.

قابلته أول مرة صيف ٢٠٠٤ في كافيه البريستول بحضور صديق مشترك هو غسان مكحل الذي أجرى التعريف بالقول انكما صديقان لهيكل .. لم أكن بعد قد سمعت مباشرة من هيكل عنه إلا انني كنت أعرف عن قربه من رفيق الحريري وعن كونه قناة اتصاله مع حزب الله ... تبادلنا بعض كلمات ود وافترقنا.

عدت بعدها لألتقيه هنا وهناك في ملتقيات عامة ، وعادةً  بحضور الصديق أ. طلال سلمان .. فنتبادل بعض عبارات جلّها عن اخر أخبار هيكل.

إلى ان أتى هيكل الى بيروت اخر مرة في ديسمبر ٢٠١٣ .. ذهبت للقائه في اخر مساء يوم الوصول في الفورسيزن لأجده يستعرض برنامجه لليوم التالي والذي يغص بسلسلة لقاءات مع رجالات لبنان رتبها له مصطفى ناصر .. قال: لولاه هنا لكنت أغرق في شبر ماء ؛ أنت تعرفه أليس كذلك ؟ فقلت: لماماً ، فصاح: إيه ! دانتا لازم تعرفه كويس ومن بكرا ، وأنا أيضاً حكلمو عنك .. التقينا بعد الغداء فقال: خلاص ، انت وهو على ذات الخط أوكيه؟ فطيبت.

وفعلاً ، كانت زيارة هيكل باكورة لقاءات عدة انتظمت نوعاً ما بعدها في "صالون طلال" بالسفير - كلما كنت في بيروت - .. تكاثفت الحوارات بيننا وكادت تتمحور حول هيكل .. كنت أقول له: أنت مسكون به ، شو القصة ؟ قال: انت اخر من يحق له الاستفسار ، لكونك تعرفه مثلي وربما قبلي ، فنضحك.

مرةً واحدة كاد ان يغضب مني .. كنا في مقهى لينا بفردان وكان يسألني عما أكتب فقلت: عن رجال الظلال ؛ فأنا محبط من نكوص هيكل عن الكتابة عنهم كما سبق واعتزم .. ثم رمقته بنظرة وقلت: ربما أكتب عنك بينهم ، فنظر بغير ارتياح وسأل: ماذا تعني بهذا الوصف ؟ فقلت: ياعزيزي هو توصيف محض وصفي وليس قيمي فارتاح وقال: صعب ان تكتب عني ، فما اقوله يادوب عشر ما عندي.

أشد ما عرفته كان خلال العام الاخير من حياته .. كان قد عزم على المغامرة بصحيفة ورقية تسد فراغ السفير ، سيما والنهار والحياة والمستقبل في أسوأ حال .. شاركه في العزم الصديق حسين أيوب. دعاني الاثنان الى حوار حولها أواخر الربيع بعرض كتابة افتتاحية اسبوعية ومقال رأي اسبوعي فيها .. رحبت واشتركت منذ الانطلاق اواخر اكتوبر ، لكن الرحلة سرعان ما انزاحت الى خلجان ومضائق أفقدتها وجهتها وأحالتها الى متاهة.

كنت أعرف منذ الصيف طبيعة مرضه العضال لكنني لم أسمح لنفسي ان أتطفل بالسؤال او الإشارة احتراماً لخصوصيته .. لكن اللافت انه طلبني ذات يوم من اوائل اكتوبر ليسأل: قل لي كل ما عندك عن ملف هيكل الصحي ، فالى جانب أسرته انت الذي تعرف التفاصيل .. أدركت انه يقيس على نفسه ، فشغف إنصاته كان "مدوياً" وهو يستعيد تفصيلاً هنا ومعلومة هناك ؛؛ كان أهم ما يهمه هو كيف تعامل هيكل مع أمراضه.

ما من شك ان صعوبات "الاتحاد" خلال ديسمبر نالت من جسده كما من روحه .. لم يكن في وسع أحد أن يهز قناعات وصلها ورسخت ؛ كان من يعرف الصلة بين الخاص والعام أكثر من أحد سواه ، وعليه تصرّف.

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه وألهم ذويه الصبر والسلوان.

 

كمال خلف الطويل

٢٩ يناير ٢٠١٨