مقاطعة الانتخابات مقاومة أم زعل؟

صائب خليل

 

 

مع اقتراب موعد الانتخابات، تنتشر في العراق اليوم الدعوة بقوة لمقاطعتها، تعبيرا عن احتجاج شعبي عارم يكشف انعزال النظام الذي يديره الامريكان، عن الشعب. مع ذلك، لا يأمل الكثيرون من أن يؤدي ذلك الاحتجاج الى النتيجة المرجوة، فاليأس من تغيير الحال تراكم مع السنين، وترسخ مع كثرة الاحباطات.

اليأس لم يكن بلا مبرر. فالمواطن يبدو قد حوصر تماما من قبل "اعدائه" من فاسدين وعملاء امريكان ومتخلفين ومحسوبين على دول الجوار. وأكثر من ذلك، ما ان أعلنت الكتل، حتى بدا وكأن هؤلاء جميعا قد تكاتفوا وتعاونوا بشكل لا يمكن تفتيته، وبخاصة القائمة الكبيرة التي يرأسها رئيس الحكومة الحالية نفسه! أي ذات الشخص الفاشل الذي فرضه الأمريكان في الدورة الماضية بمؤامرة إدارية قادتها كردستان، ليغرق البلاد في الفوضى ويدفع بالخصخصة إلى الأمام وكأنها هي مهمته الرئيسة إضافة الى اغراق البلاد من جديد بديون البنك الدولي ذو السمعة العالمية المعروفة بتدمير الكثير من البلدان. ومما يثير الإحباط أكثر ان بعض الشخصيات الجيدة او الجيدة نسبياً، وبلا مبدئية أو إحساس بالمسؤولية للأسف، قد انضمت الى هذه القائمة، فصار التصويت لها بمثابة تصويت لإدامة الفساد والتدمير الذي يلف البلاد!

وإلى هنا، تبدو الدعوة لمقاطعة الانتخابات معقولة ومنطقية، وإنها الطريق الوحيد المتبقي للشعب العراقي لمقاومة وتغيير النظام الذي فرضته أميركا على بلدهم والذي ذاقوا منه الأمرين. ومن الطبيعي ان يقاوم الشعب أي نظام سيء يفرض عليه. البعض طالب بتغيير الدستور والنظام البرلماني، والبعض يلقي اللوم على قانون الانتخابات ونظام سانت ليغو (وهو كلام فارغ تم ترويجه لإلهاء الناس). والبعض الآخر يؤكد ان الحل في نظام القائمة المفردة (كل منطقة ترشح نائب واحد)، وهذا أيضا لا يحل المشكلة بل يزيدها سوءاً. وأخيرا هناك من يأمل من خلال المقاطعة (أو بدونها) إلى "تشكيل تجمع سياسي يهدف إلى اسقاط العملية السياسية وطرح برنامج بديل"، وأشار علاء اللامي بتفاؤل محدود إلى التمرد البرلماني الكبير الذي كاد يطيح بالرئاسات الثلاثة، والذي يكشف التمزقات والانشقاقات داخل النظام الطائفي التابع للولايات المتحدة وإيران.

وذهب آخر إلى أن المشاركة في الانتخابات جريمة "فمقاطعة الانتخابات يعني هدم السياج الحديدي التي تمترس هؤلاء وراءه، كونها تمنح الشرعية لوجودهم في السلطة، وتغطي على كافة جرائمهم وسرقاتهم، وتحميهم من مواجهة مصيرهم الاسود."(1)

لكن المقاطعة سلاح ذو حدين قاطعين. إن كان الأمر يتعلق بـ "مقاومة" فيجب ان تتم المقاطعة بإدارة جهة قوية، تضمن افشال الانتخابات، وإلا فسيكون مردودها عكسيا تماما! وبما أنه لا توجد مثل تلك الجهة فلا يوجد أي أمل في مقاطعة تسقط الانتخابات، بل انها ستكون تسهيلا كبيرا للاحتلال ليضع عملاءه في المناصب الكبرى بدون أي إشكال، وليمضي أربعة سنوات أخرى في خطة تدمير البلاد!

فهل أن الدعوة للمقاطعة، هي بالفعل عملية "مقاومة" مدروسة من جانب الشعب، بوجه ما يفرض عليه من دمار؟ أم أنها ... مجرد "زعل"؟

قضيت ساعات طويلة في جمع الحجج التي يسوقها دعاة المقاطعة، وكذلك الردود عليها، خاصة من منشورات الصديقة بيداء حامد وهي من اشد معارضي المقاطعة.

وقد كان هناك اتجاهين او ثلاثة يمكن ان نسميها "إيجابية" أو "هادفة" تتلخص بـ:

1-إثارة الأمم المتحدة لعلها تغير الوضع

2-توجه شعبي الى السيد السيستاني لعله يفتي برفض الانتخابات

3-العصيان المدني الخطوة الثانية

4-"الانتخابات تطبخ نتائجها بالسفارة. فليكن يوم الانتخابات حفلة الدم والرصاص وحرق مراكز الاقتراع، لعل الله يرحمنا ويصار الى الخلاص من ليلنا الحالك.... والله الدنيا نحركها ...وثلثين الطك لهل البصرة".

لكن هذه الآمال والتفاؤلات قد تم الرد عليها جميعا من قبل معلقين آخرين، او تم إبداء التحفظ على واقعيتها من قبل نفس من كتبها. أما غالبية التعليقات فكانت داعية للمقاطعة بدون هدف محدد. وقد قمت بتصنيف هذه التعليقات وحججها كما يلي، فدعونا نلقي نظرة عليها لكي نرى إن كانت الدوافع أقرب إلى هدف أسقاط النظام أم أنها مجرد "زعل"، وكانت الأسباب كالتالي، ارفقها مع بعض الأمثلة من التعليقات:

 1-عدم وجود خيار:

من تريدني ان انتخب؟ فلان ام فلان ام فلانه؟

الأحزاب جميعها لها ارتباطات بالمحتل أو بدول الجوار لتدمير العراق

2-حتمية تزوير الانتخابات:

".. بدليل تأخير فرز الأصوات لمدة شهر وتناقض النتائج"

3-اليأس

تم تغيير نسبة كبيرة من النواب في الانتخابات الماضية دون جدوى.

حتى لو كان في القائمة شخص نزيه فسيكون صفر على الشمال لأنه محكوم من رئيس كتلته

العملية السياسية تمت هندستها بحيث يكون التغيير مستحيلا وفيها يحتاج الجميع الى بعضهم البعض، وكلهم، لإرادة ودور المحتل.

" الانتخابات " ليست سوى مؤشر لتوجهات الرأي العام بالنسبة للمحتل

أي كتله تستطيع طرد الاحتلال إذا هي أصلا تأتمر بأوامره؟ وكذلك الفساد عايشين عليه

ما هو الحل؟

4-الفساد

((الدكتور ايهم السامرائي))! انتقد قرار الناس بالمقاطعة وتكلم عن نزاهته ودحض تهمة سرقته لأموال وزارة الكهرباء، وقالها بصراحة انه يمثل او يعبر عن الارادة الامريكية في العراق.. اي مواطن عنده ذرة غيرة وحب للعراق عندما يرى هذا المرشح وامثاله هم الوجوه الجديدة والتغيير كيف يقتنع بالمشاركة؟

5-تخليص الضمير وعدم إعطاء المشروعية

شرف المقاطعة أفضل من عار المشاركة

التكليف الشرعي يحتم عليّ عدم الانتخاب. سابقا كانت تسمى الانتخابات بالمبايعة اي كل شخص يبايع الخليفة وهو مسؤول عليه أمام الله أساء أو أصلح

     من الأفضل تبقى الايادي نظيفة

هل من العقل والدين ان اكون سببا لتافه سيستلم أكثر من 30مليون والفقراء واليتامى لا مأوى لهم؟

لن انتخب واعطي مشروعيه للصوص والتسلط الامريكي البريطاني

انتهت قائمة أهم تعليقات رافضي المشاركة، فما هو الانطباع الذي تتركه؟ لا أرى ما يدل على خطة اسقاط الانتخابات أو طريقة لتأمين شمولية كافية لنزع شرعيتها، وبالتالي فليس لي سوى أن أصف تلك العملية بـ "الزعل"! أو كما تصف بيداء حامد الأمر بالقول: "لا شك ان المقاطعة بهدف عدم إضفاء مشروعية للعملية الانتخابية الفاسدة، هي فعل نبيل، لكنه للأسف لا يتعدى شعور مؤقت بالرضا عن الذات ولا يعني فعلياً سوى الانسحاب من معركة يبقى العراق فيها وحيداً بلا مدافعين (وبالتالي فهي) رفاهية باهضه التكاليف على بلد يتعرض لعميلة تحطيم ممنهجة" وأن الشعب العراقي هو المسؤول عن مهمة التغيير، والمقاطعة هي "الطريقة المثالية" للفشل في هذه المهمة. 

وتذكر بيداء حامد قراءها الذين يأملون أن يأتي الحل من اميركا بأن "المحتل هو الخياط الدي صمم وفصل وخيط النظام" الذي دمر العراق والعراقيين، متحدية الاتيان بحالة تاريخية واحدة لاحتلال "هد الدولة وحطم البنى التحتية ودمر محطات تصفية مياهها وتصريفها الصحي وقصف طرقها وجسورها وقتل مواطنيها وسمم ارضها وسماءها ومياهها باليورانيوم المنضب، ثم انقلب فجأة الى أم رؤوم ليحنو عليها وينقذها!" مؤكدة أن الاحتلال يحمي الفساد وأنه يجب ازالته كهدف أول بما يتاح للعراق قانونيا وفق اتفاقية سحب القوات وان يختار المواطن "اما الشرعية الشعبية، او شرعية السفارة".

والحل الذي تقدمه السيدة بيداء، رغم عدم تفاؤلها بالانتخابات، يتمثل بفتح ثغرات في الحصار الأمريكي على الشعب العراقي من خلال اقصاء أية كتلة لا تعلن رفضها الواضح لبقاء قوات الاحتلال وسلطته على العراق، ولا تلتزم بإلغاء جرائم الخصخصة والقروض، ولا تلتزم الشفافية وهدف النهوض بالواقع الاقتصادي."

انتهت هنا نماذج التعليقات والردود المختارة، ومن الواضح اننا في وضع صعب، فكيف يمكننا ان "نقصي" أي أحد، دون ان نجد من ننتخبه؟ ولن اتحدث عن "انتخاب مستقلين" أو "تكنوقراط"، فهذا هراء بينت حقيقته في مقالات سابقة، ويلقي البلاد في جب مجهول يتمناه الاحتلال.

رغم ذلك يجب ان يكون هناك من ننتخبه، وعلينا ان نبحث عنه بجد. فحتى لو لم نجد الشخص او الجهة المثالية التي نطمح اليها، فالبلاد في خطر، وعلينا اختيار من بين من نعرفه (وليس من الجدد الذين ليس لدينا اية فكرة عنهم)، من نعتبره "الأقل خطرا". أي ان نبعد الخطر الأشد عنها، وان نتحمل الباقي. وأنا أرى، كما رأت السيدة بيداء، أن الخطر الأكبر هو الاحتلال ومشاريع خصخصته وفخاخ قروضه المميتة، وبالتالي يجب اتخاذ علاقة أي مرشح مع الاحتلال، الميزان الأول الذي نؤسس عليه خيارنا، وأن نتقبل نقص نواح أخرى لحين فرصة أفضل.

علينا ان نتذكر دائماً أنها قضية معركة وليست قضية "زعل"... وأن مهمتنا هي ان نزيح الخطرين، لا ان نزعل منهم! إننا كشعب عراقي، نجد أنفسنا اليوم بدون مرشحين يمثلوننا، وقد استولى الاحتلال والفساد على الغالبية الساحقة منهم، فلم تكن قوة الشعب - وسلطته ووعيه وعزمه، كافية لإغراء أية جهة ذات حجم كاف ومصداقية كافية، بالتزام مصالحه، ولا حتى لأية جهة مماثلة، بالامتناع علانية عن الوقوف مع عدوه المصمم على تدمير بلاده. لذلك فإننا نجد نفسنا في وضع لا نحسد عليه، لكننا مسؤولين عنه إلى حد بعيد، ولا مفر من حقيقة اننا سندفع ثمنه بدرجة أو بأخرى، وقد فقدنا حتى "حق الزعل" الذي لا جدوى منه كما سنرى في مقالة قادمة. 

 

(1) الانتخابات العراقية القادمة وجريمة المشاركة فيها | رأي اليوم

http://www.raialyoum.com/?p=813072

مقالة سابقة متعلقة: صائب خليل: ‫الانتخابات هل هي محددة مسبقا كما يقول نديم الجابري؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/videos/1704190669637995