مصادر عليمة

ينير كوزين

 

 

 

معاريف  - 8/2/2018

  "الاعلام العربي لا يعكس الحقيقة عن اسرائيل، وهذه احدى المشاكل الكبرى لاسرائيل". هذه الجملة لم يقلها مندوب وزارة الخارجية او عضو في الجالية اليهودية في دولة غربية، بل قالها صحافيون عرب يزورون هذه الايام اسرائيل في إطار مبادرة من وزارة الخارجية لفتح اسرائيل امام رجال الاعلام من دول لا توجد اسرائيل بشكل عام على مسافة بطاقة سفر عنها.

          التقيت اعضاء الوفد الاستثنائي هذا في فندق في القدس، قبل لحظة من خروجهم للزيارة في الكنيست. معظمهم يقولون أمورا جريئة من ناحيتهم. ولهذا فقد طلب بعضهم الا تذكر اسماؤهم، بل وطلب بعضهم الا نشير الى وسائل الاعلام التي يعملون فيها خشية أن ينكل بهم. "العرب في العالم يفوتون الكثير من الفرص للارتباط باسرائيل لاننا لا نتلقى الصورة الحقيقية عما يحصل هنا"، يقول لي صحافي من اصل لبناني يسكن ويعمل منذ 15 سنة في الولايات المتحدة ويعمل في شبكة اعلامية باللغة العربية. "لا أعرف ما اعرضه عليكم. لعله من المجدي ان تحسنوا قنواتكم كي تبث للعالم العربي بشكل أوسع".

كيف وصلت الى الوفد؟

   "نحن على اتصال مع اسرائيل ومع وزارة الخارجية الاسرائيلية منذ سنوات عديدة. نتحدث هاتفيا. احد الاسباب التي جعلتني آتي هو الرغبة في التعرف على الناس الذين كنت على اتصال بهم لسنوات طويلة هاتفيا".

          ماذا كان الامر الاول الذي انتبهت له وغير ما كنت تظن أنك تعرفه عن اسرائيل؟

  "قبل كل شيء، انت تشعر بالاجواء الديمقراطية. بعد الحديث مع الناس، تشعر بالاحترام الذي يكنونه الواحد للاخر والتفاهم بين الناس بانه ينبغي التعلم كيف التعامل الواحد مع الاخر. لم أر التمييز بين العرب واليهود والذي يعرض في وسائل اعلامنا كل الوقت. ولكن ربما يكون هذا لاننا لا نرى كل شيء حقا، الا في اطار جولة منظمة".

  "في نظري المكان الذي يبعث اكبر الالهام كان عند زيارة "يد واسم"، يقول صحافي من دولة في شبه الجزيرة العربية يعمل منذ سنين في المانيا وطلب عدم ذكر اسمه. "حتى أنا، كصحافي في دولة غربية، لم اكن واعيا لكل قصة الكارثة. في نظري ينبغي لهذه ان تكون مهامة لاسرائيل لاطلاع الناس على ما حصل للشعب اليهودي، المعاناة الهائلة التي عاشها كي تكون له في النهاية دولة. هذا لا يعرفه الكثير من الناس في العالم العربي وليس لانهم لا يريدون أن يعرفوا بل لان احدا لا يروي لهم".

الامتنان السوري

          يشارك الوفد الحالي تسعة صحافيين، خمسة من المغرب واربعة آخرون يأتون من وسائل اعلام غربي باللغة العربية. من خلف هذه الزيارة تقف وزارة الخارجية، وبشكل محدد، الناطق بلسان الوزارة للشؤون الصحافية العربية والذي يوجد على اتصال مباشر مع الصحافيين على مدى السنين. "اضافة لكونه ناطقا فهمت بانه لا يكفي أن نجري اعلاما من بعيد، بل يجب أن نجلب الى البلاد من نحن على اتصال بهم كي يروا الحقيقة. لقد نشأت علاقة صداقة مع الكثير من الصحافيين في العالم العربي، ونشأت علاقة خارج ساعات العمل مع أكثر من دولة أو دولتين من الخليج وحتى موريتانيا. لدينا الكثير من وسائل الاعلام العربية والدولية التي تعمل وتعيش في دول اوروبا مثل المانيا ولندن او الولايات المتحدة، وهذا الوفد يمثل جزءا من وسائل الاعلام هذه التي تعمل في اماكن غربية. والهدف هو ان نري هؤلاء  الاشخاص الحقيقة عن اسرائيل. ان نري الصحافيين اكاذيب الاعلام العربي والتي تنشر كل يوم في الاف المحطات على الاقمار الصناعية في كل العالم العربي".

          احد الصحافيين الذي انضم الى الزيارة هو من أصل سوري. في 2011 هرب من الدولة خوفا على حياته. "هذه هي المرة الاولى لي في اسرائيل بالطبع، ولكني لا اشعر غريبا تماما، فقد جئت من دولة مجاورة"، يروي يقول. "اسرائيل تشبه سوريا من حيث حالة الطقس، من حيث المشاهد الطبيعية ومن حيث الناس. هذه هي ذات الاطعمة، ولكن ما يختلف بالطبع بشكل واضح هو النظام".

          في السنوات الاخيرة كان الصحافي السوري يعيش في السويد، يكتب ويجري المقابلات الصحافية هناك ولا يخفي العداء الذي يشعر به تجاه النظام الذي اجبره على الهرب من دولته. "لقد حكم علي بالموت في سوريا لاني من المعارضة للاسد ونظامه"، يقول. "اذا ما وطأت قدمي هناك، فسينفذ الاعدام. شعوري هو أننا متخلفون في كل ما يتعلق بمعرفة اسرائيل. الخطوة التالية التي يجب أن تتم هي السلام بين اسرائيل وسوريا، بعد سقوط بشار الاسد واذا ما اقيمت حكومة ديمقراطية".

          يذكر الصحافي السوري باللحظة التي دخل فيها الى المطار في اسرائيل، مع هبوطه في البلاد. ورأى صورة جسدت بالنسبة له جوهر الدولة التي وصل اليها. "في مدخل المطار رأيت صورة طفلة سورية تعالجها طبيبة عسكرية مجندة، وهذا أذهلني"، يروي قائلا. "هذه الصورة تمثل دولة اسرائيل التي تريد أن تساعد أكبر قدر ممكن من الناس في سوريا. أنا اجري مقابلات غير قليلة في "الجزيرة"، وقلت هناك دون ان أتردد ان اسرائيل تتدخل في ما يجري في سوريا فقط من  أجل المواطنين في سوريا. زيارتي كسوري الى اسرائيل في المرة الاولى هي امتنان مني لمساعي اسرائيل للسلام في سوريا".

بسب الزعماء

          أحد الصحافيين في الوفد والذي وافق على أن ينكشف هو مهدي مجيد، من بلدة حلبجه في اقليم كردستان في شمالي العراق. في العام 1988 قصفت المدينة قوات الجيش العراقي بسلاح غير تقليدي. وفقا للتقديرات أدت الى موت اكثر من 5 الاف شخص. يعيش مجيد اليوم في بروكسل ويدير شبكة صحفية تكتب وتبث باللغة العربية. وهو مستعد لان يتحدث معنا ايضا عن الفيل الذي في  الغرفة، موقفه من النزاع الاسرائيلي الفلسطيني. "المشكلة هي ليست بين الشعبين. فهما يريدان أن يتعايشا، ولكن كيف يحتمل أنه منذ 1948 يريد الفلسطينيون ان يعيشوا ومع ذلك يستخدمون الاف الارهابيين؟"، يقول. "السبب يكمن في الزعماء. هم الاشكاليون".

          وعلى حد قول مجيد، فقد طور نظرية تفسر برأيه بالشكل الافضل لماذا طالما كانت القيادة الفلسطينية الحالية موجودة، لن يكون السلام. "هذا الوضع اشكالي لان هذه القيادة تتلقى الاموال من ايران أو من قطر، واذا كان سلام فما الذي سيحصل تلقائيا؟ سيتوقفون عن تلقي هذه الاموال. وبالتالي فهم يفضلون أن تبقى المشاكل والنزاع لان هذا يخدمهم. هذا يدعمهم ماليا".

          بين الصحافيين الخمسة من المغرب، طلب أربعة منهم عدم ذكر اسمائهم. واحدة منهم، سميرة بر، تحدثت معنا بشجاعة عن الحياة بصفتها صحافية عربية تعمل في المغرب وتكتب لوسائل اعلام امريكية. وهي تقول ان "معادلة اسرائيل في الاعلام في العالم العربي بسيطة: فهي  تعرض دوما كقاتلة. عندما تتلقى صورة شخص يقتل وشخصا يُقتل فان الاحساس لديك يكون بشكل تلقائي هو التضامن مع من يتعرض للقتل".

          اضافة الى ذلك تشدد بر على أنه في المغرب، بخلاف اماكن اخرى في  العالم العربي، يحق للصحافيين أن يقولوا كل ما في قلوبهم. حتى لو كان هذا تأييدا لاسرائيل. "عندما أعلن ترامب عن القدس كعاصمة اسرائيل، كانت في العالم العربي مظاهرات ومسوا باليهود وبمؤيدي اسرائيل"، تروي تقول وتضيف. "هذا لم يحصل في المغرب. ملكنا يعرف كيف يحتوي الاراء الاخرى ايضا. ولكنه يرسم خطا لا يسمح للعنف بالاندلاع. في المغرب لا  تزال قواعد احترام الاخر، سواء كان مسيحيا أم يهوديا".

          وبالنسبة للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني، الصورة واضحة لبر. فهي تقول "هذه الارض كانت لكم قبل كثير من الزمن. نحن لا ننسى الكارثة. عندما كنت في "يد واسم" رأيت صورا من الكارثة، والتشبيه المزعوم بما يحصل الان في المناطق لا يمكن أن يكون. لا توجد أي صلة. كنت في البلدة القديمة، رأينا المواطنين الفلسطينيين يعملون هناك، يعيشون حياتهم".

          وترغب بر في الاشارة الى حدث حصل بالذات في الحوض المقدس في القدس. فتقول: "عندما كنا في الحائط الغربي، لم يتحدث احد معنا ويسألنا اذا كنا مسلمين او مسيحيين"، وتضيف "اقتربنا من الحائط ووضعنا عليه اليد. كان احساسا طيبا. ولكن بعدها صعدنا الى المسجد الاقصى وهناك عليكِ ان تضعي الحجاب. من أجل ان ادخل اليه سألوني اذا كنت اعرف السورة الاولى. وماذا اذا كنت مسلمة ولا اعرف العربية؟  أبدوا لي ملاحظة بان على الحجاب أن يخفي كل الرأس وما شابه. استنتاجي هو أنه حيثما يوجد يهود يكون المكان هادئا. وانا اقف وسأقف دوما الى جانب اسرائيل.