الطالب الغاضب والمدير 2- من افسد البرلمان؟*

صائب خليل

 

 

إذن أنت غاضب من المدرسة والمدرسين الفاسدين وتعتقد أنهم السبب في رسوبك وفشلك، وانه كان من حقك أن تنجح"...

قال المدير للطالب الغاضب الذي يريد مقاطعة الامتحانات، والذي جئنا به في قصتنا كمثال على من يريد مقاطعة الانتخابات احتجاجا.

- لكن لكي يكون من حقك ان تنجح، فيجب ان تكون قد اديت واجباتك كطالب، وعرفت درسك جيداً اليس كذلك؟

- أنا احضر إلى الدروس واحضر الى الامتحانات في وقتها، لكني لم انجح يوما لذلك قررت ان لا احضر الامتحان بعد الآن. (ترجمة: أقوم بعمل وظيفتي وانتخب في كل مرة).

- وهل يكفي هذا للنجاح في رأيك؟ النجاح لا يحقق بالحضور والامتحان فقط، بل بالمتابعة والانتباه طوال العام وتسجيل الملاحظات ودراستها والاستنتاج منها. معرفة ما هو مهم وما هو ليس مهما. أن تقوم بواجباتك والحرص على ان تتذكر أي ملاحظة مهمة تمر في أي يوم من العام الدراسي، لأنها قد تكون السؤال الحاسم في امتحان نهاية السنة. فهل كنت تفعل كل ذلك؟

(وقبل ان يجيب الطالب، أكمل المدير... )

- لا يا ابني انا اعرفك جيدا.. لا تخدع نفسك ولا تكذب علي.. انت تعلم أنك أنت ورفاقك كنتم تتسلون بتلك الدروس فقط. والملاحظة التي تعجبكم وتضحككم، تحفظونها وترددونها وتتحدثون عنها، مهما كانت عديمة القيمة، وما لا يعجبكم تنسوه في اليوم التالي، مهما كان مهماً. أنت مثل غيرك، لم تبذل جهداً إلا نادراً، لتمحيص الصحيح من الخطأ والمهم من غير المهم، بل استخدمت عاطفتك فقط لتمحيص ما يروق لك وما لا يروق لك فقط. أنت اعتبرتها لعبة تسلية ولا فرصة للنجاح (ترجمة: أن يحكم بلاده ديمقراطياً) لمن يفضل اللعب ولا من لا يميز المهم عن غيره، ولا أصحاب الذاكرة الضعيفة.

- ومن قال لك إني لم اميز المهم وان ذاكرتي ضعيفة؟

- فماذا تتذكر من ملاحظات من دروسك؟

- أتذكر ان جميع المدرسين والمدرسة فاسدون ونظامها الامتحاني والتدريسي سيئان!!

ضحك المدير حتى كاد ينقلب على ظهره، ثم استوى وقال وهو يحاول السيطرة على نفسه:

- هذا كل ما تتذكره؟ ... وتريد ان تنجح؟ إن ببغاءاً يستطيع ان يحفظ هذا.. دعني اسألك بعض الأسئلة لترى بنفسك إن كان من حقك فعلا أن تنجح (ترجمة: في ان تصل الى حكم ديمقراطي حقيقي تحكم من خلاله بلادك بنفسك)

 (من الآن سننقل "ترجمة" تلك الأسئلة مباشرة إلى اللغة السياسية لوضع العراق...)

- هل تتابع ما يجري في بلدك؟ القوانين التي تحكم بلدك، تقر في البرلمان، وأنت تنتخب اليوم نوابك فيه، ويفترض بك ان تكون قد كونت من خلال الفترة السابقة فكرة جيدة عن كل منهم، لتعرف من يجب ان تنتخب منهم، فهل تعرف مثلاً على أي شيء صوت أي نائب؟

- وكيف لي ان اعرف؟ إنهم لا يظهرون إلا ما يريدون، بل أحيانا يجري التصويت السري على اهم القرارات!

- بالضبط! إذن انت ترى الآن أن التصويت السري يمنعك ان تعرف نوابك. التصويت السري لوحده يكفي لكي تفشل في امتحانك هذا، فماذا فعلت لتمنع اقراره؟ لمَ لم تتظاهر على شيء بهذه الخطورة، وتتظاهر ضد سانت ليغو مثلا، وهو لا يقدم ولا يؤخر؟ وتتظاهر ضد قرار جامعة بإدخال امتحان قبول لطلابها وكأنه ظلم سوف يحرمك الدراسة، وهو موجود في كل العالم. بل أنك تتظاهر حتى ضد إقرار الزي الموحد، ولم تتظاهر أو تعترض على التصويت السري أو على انعدام شفافية البرلمان!

- (يكمل..) من يسمعك تقول ان الجميع فاسدون، يتخيل أنك قبل ان تصل الى استنتاجك قمت ببحث طويل شمل الجميع وراقبتهم واحداً واحداً فلم تجد إلا فاسدين. لكن الحقيقة التي اعرفها وتعرفها، أنك وصلت اليه بالكسل وليس بالبحث. لا أظن إلا أنك جمعت في رأسك بلا تمحيص، انطباعات من اخبار من الصحف التي يختلط فيها الكذب بالصدق، وصنعت من هذه "الانطباعات" صورة مبسطة شاملة ومريحة توصف بكلمتين، بدلا من التمعن في الحقائق وفرز هذا عن ذاك كما يجب.

- (يكمل...) لا أقول إنه لا يوجد فساد، ولا أقول انه قليل، لكن رد فعلك عليه لم يكن الرد المناسب. النجاح في الامتحان (الانتخاب) هو ان تميز الفاسد من الصالح، فلو كان الكل صالحون فلم الامتحان؟ "الكل فاسدون" شعار بسيط مناسب للتظاهرات ولتنفيس الغضب على الفيسبوك، لكنه لا يزعج الفاسدين إطلاقاً، بل دعني أقول لك انه يسعدهم ولذلك تجدهم يشاركون في رفعه! فشعار "الجميع فاسدون" مفيد لهم تماما مثل شعار "الجميع شرفاء"، حيث يختلط الفاسد والصالح في كتلة واحدة فيتعذر الفرز ويتعذر أي أجراء. أنت ستغضب اليوم ثم لا تجد ما تفعله سوى أن تهدأ وتقبل بالأمر الواقع، لأنك تثور عليه ولا تدري ما هو الصحيح وما الذي تريده ومن الذي يمكن ان يقود المسير اليه. هذه هي الحقيقة وعليك الاعتراف بها.

 

- (يكمل..)  وبالمناسبة، كيف عرفت أن "الجميع" فاسدون؟ ما أدراك أن نائبا ذو ضمير لم يكن يصوت ضد القرارات السيئة وأنت لا تدري به؟ كيف ستستطيع ان تدعمه ان هو صوّت كما تحب، وأن تقف ضده إن صوّت بعكس ما تراه صحيحا؟ بإهمالك سيشعر الشرفاء بأن لا أحد يدعمهم ويشعر الفاسدون أن لا أحد يراقبهم، فيحس الشرفاء بالخذلان (إن كان الشعب نفسه غير مهتم فلماذا نعرض نفسنا للضيق والخطر؟) ويقل عددهم مع الوقت، ويثرى الفاسدون ويشعرون بالأمان ويكثرون. فهل من غرابة ان تنتهي هذه الحال إلى أكثرية من الفاسدين، او كلهم؟

- (يكمل..) مشكلتك هي مشكلة الكثير من الطلاب، أنه لا يفكر في الامتحان إلا يوم الامتحان.. حين يكون الوقت متأخراً فيجلس ليدور بأذنه شمالا ويمينا أمام ورقة الامتحان (الانتخاب)، ثم يضرب الرحلة غاضبا: "الكل فاسد!!"

- (يكمل...) لست مقتنعاً بعد؟.. حسناً، سأقول لك أكثر...

(يتبع....)

 

* الحلقة السابقة:

المشاركة في الانتخابات 1- محاورة بين مدير مدرسة فاسدة وطالب غاضب

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1715405628516499

مقالات مرتبطة:

مقاطعة الانتخابات مقاومة أم زعل؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1714235778633484

صائب خليل: ‫الانتخابات هل هي محددة مسبقا كما يقول نديم الجابري؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/videos/1704190669637995