قراءة في العدوان الصهيوني على سورية

 

زياد حافظ

 

 

 

لم يمض أسبوع على العدوان الصهيوني المباشر على سورية حتى نستخلص عدّة ملاحظات. ونقول العدوان المباشر للتمييز عن العدوان غير المباشر وبالواسطة الذي يقوم به التحالف الأميركي الصهيوني الغربي والعربي منذ بداية الحرب الكونية علي سورية عام 2011. ف 10 شباط/فبراير تاريخ مفصلي في الصراع العربي الصهيوني. وليست صدفة أن تكون سورية مسرحا لذلك التحوّل. فالحرب عليها هو في الأساس على موقفها من الصراع العربي الصهيوني الملتزم بخيار المقاومة لاسترجاع فلسطين السليبة وليس كما  ادّعى التحالف المشؤوم لإجراء "إصلاحات" هي في آخر المطاف نزع الهوية العربية عن سورية وتفكيك المحور المقاوم للكيان الصهيوني ولتحقيق الهيمنة الأميركية.

التحوّل يكمن في إنهاء أسطورة التفوّق العسكري الجوّي للكيان الصهيوني. إن إسقاط الطائرة الصهيونية كانت الفصل الأخير من سلسلة القرارات الردعية السورية التي منعت منذ فترة تحليق الطائرات الصهيونية فوق أراضيها. فالاستهدافات الصهيونية لمواقع في سورية كانت إما  من فوق شرق البحر المتوسّط وإما من الأجواء اللبنانية وإما  من فوق الجولان المحتل. إسقاط الطائرة المتطوّرة والأميركية الصنع كانت لها دلالات عسكرية إضافية وهي أن الدفاعات الجوّية العربية السورية ستلاحق الطيران الصهيوني حتى خارج اجواء الحدود وحتى فوق فلسطين. هذا معنى الصواريخ التي سقطت في فلسطين المحتلة. كما أن تناثر حطام الطائرة فوق الجولان والأردن وفلسطين تؤكد ولو بالمفارقة وحدة الجغرافيا فوحدة جغرافيا الأمة ووحدة الجبهة المواجهة للكيان الصهيوني.

من جهة أخرى فإن الفرحة التي عمّت الجماهير العربية، من المحيط إلى الخليج تذكّرنا بفرحة أجواء تشرين 1973 عندما توالت الأخبار عن سقوط الطائرات الصهيونية أمام وسائل الدفاع الجوّية العربية في كل من مصر وسورية. كما تذكّرنا بفرحة الأمة عند إعلان خبر إصابة البارجة الصهيونية أمام الشواطئ اللبنانية عام 2006. وبالفعل، عاد الفرح والأمل عند هذه الجماهير التي تحمّلت شراسة الحملات الاعلامية المضلّلة على أن الكيان قدر مفروض عليها لا يمكن التغلّب عليه أو على تراجع مكانة القضية الفلسطينية. فبعد القرار الأميركي حول القدس وردود الفعل الشعبية العربية يأتي إسقاط الطائرة لإعادة الأمور إلى نقطة الصفر بالنسبة لأعداء الأمة أي الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ودول الرجعية العربية. إسقاط الطائرة محى عمل التضليل الذي بدأ بكامب دافيد وصولا إلى قمة الرياض مع ترامب في العام الماضي لتهيئة "صفقة القرن"، فإذا الردّ كان بمستوى ما نسمّيه ب "صفعة القرن".

الدلالات العسكرية لما حصل عديدة منها تثبيت وجود وفعّالية شبكة دفاعية جوّية كانت عصابات الغلو والتوحّش استهدفتها في مطلع عدوانها على سورية عام 2011 و2012. فضرب المنشئات الدفاعية الجوية لم تكن متسقة مع حراك مطلبي شعبي بل في سياق تدمير سورية وما تمثّله من حضارة وعروبة وموقف في القضايا المصيرية لهذه الأمة. من هنا نفهم نسف وتدمير المعالم الآثارية والحضارية لسورية وكأنها من المطالب الاصلاحية أو كأنها من غيرة على الاسلام علما أن الإسلام هو الذي حافظ عليها طيلة القرون الأربع عشر الماضية.

البعض يعتقد أن الفرحة قد تكون مبالغة في غير مكانها. لا نعتقد ذلك لإنها ضرورة في مواجهة تداعيات ثقافة الهزيمة التي زرعت في وجدان النخب العربية الحاكمة أو التي تدور في فلكها وتنتفع منها. وجدان الجماهير لم يخل من الالتزام بالقضية رغم حملات التضليل. فنعم، الفرحة ضرورة ومرحّب بها. لكن بالمقابل هذه الفرحة لا تعني التفريط بتفاؤل مشروع ومدعوم بقراءة واقعية للتحوّلات السياسية العربية والإقليمية والدولية التي تكلمّنا عنها في أماكن أخرى. لكن قد يكون مبكرا بعض الشيء خاصة وأن التصدّي الدفاعي الجوّي العربي السوري قد يكون إما حالة منفردة، ونشّك بذلك، وإما حالة قد تكرّر واحتمالها كبير.

فنجاح التصدّي الجوي العربي السوري أوقع الكيان في حالة إرباك في حالة إنكار سياسي وإعلامي صهيوني وعربي متصهين حيث يتم الإيحاء بأن لا دور يذكر لوسائل الدفاع الجوّي السوري، بل يعود لوسائل دفاع إيرانية. أو من جهة أخرى فإن سقوط الإف-16 هو نتيجة أخطأ ارتكبها الطياران الصهيونيان. لن ندخل في سجال مع هذه التفاهات ولكن نعتبر أن التركيز على التقليل من دور الدفاعات الجوّية السورية هو دلالة عن ضعف في الموقف وعن رعب حقيقي لما يمكن أن تكشفه مواجهات قادمة لا تسطيع حكومة الكيان الهروب منها.

أما العدوان الصهيوني الأخير فيأتي في سياق مواقف وأحداث مترابطة تخدم عدّة أهداف أولها إيقاف التقدّم الميداني للقوّات الجيش العربي السوري في ريف إدلب، وآخرها في أمل تحسين المواقع التفاوضية لأعداء سورية في النقاشات حول الحل السياسي التي أطلقه اجتماع سوتشي الأخير. فسلسلة الأحداث والمواقف هي العدوان والاحتلال الأميركي في شرق سورية، والاحتلال التركي في شمال غرب سورية في منطقة عفرين، وفي إسقاط الطائرة الحربية الروسية بسلاح صاروخي لم تكن جماعات التعصّب والغلو والتوحّش تملكه في السابق وبالتالي وصل إليهم بمباركة أميركية عربية وربما تركية. كما أن الغطاء السياسي لهذه الأحداث تجسّدت بما يُسمّى الوثيقة الخماسية التي تلغي سيادة الدولة السورية على أرضها ووضعها تحت انتداب دولي تمهيدا لتقسيمها. أضف إلى ذلك مناورات المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا الذي يحاول اختطاف القرارات الناتجة عن تصويت مؤتمر سوتشي ليجعل القرار السياسي تحت الوصاية الأممية. توازيا مع هذه الأحداث شهدنا التصعيد الناتج عن التهديد الصهيوني الجديد للبنان على لسان وزير دفاع الكيان. وشهدنا ومحاولات مساعد وزير الخارجية الأميركي دافيد ساترفيلد لإملاء على الدولة اللبنانية ضرورة التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني وتبادل الأراضي وكأن السيادة اللبنانية على تلك الأراضي والمنطقة الاقتصادية البحرية يمكن التفاوض والتفريط بها. فمكا كان ممكنا قبل 10 شباط/فبراير 2018 لم يعد ممكنا في اليوم الذي تلاه. فموقف الدولة اللبنانية كان ثابتا رغم التهديد الصريح لوزير الخارجية الأميركي للبنان حول حزب الله واعتباره منظّمة إرهابية. فكل هذه الضغوط ليست إلاّ محاولة لخطف بالسياسة ما لم يستطع تحالف العدوان على سورية تحقيقه في الميدان.

فما هي إذن الاحتمالات للمرحلة القادمة؟  كافة الاحتمالات من جهة الكيان الصهيوني والأميركي والعربي التابع لهما في حالة إرباك قد تكون وجودية لجميع أطراف التحالف العدواني. الاحتمال الأول هو عدم المضي في التصعيد العسكري لأن موازين القوة بين المحور الصهيو أميركي والعربي التابع له وبين محور المقاومة يجعل ضمان نتائج التصعيد عملية مستحيلة وإلاّ لتمّ ترجمة التصعيد الكلامي بالفعل الميداني.

أما الاحتمال الثاني، فهو التراجع وهذا ما ليس بمقدور القيادة الصهيونية القيام به لأنه بمثابة تسليم بالهزيمة الاستراتيجية التي تنهي وجود الكيان وتحتّم خروج الولايات المتحدة من المنطقة وتدخل الدول العربية المتحالفة ضمنيا مع الكيان في مرحلة انكشف خارجي وداخلي قد تؤدّي إلى زوال تلك الكيانات. فالتراجع مسألة وجودية لا تستطيع أطراف التحالف العدواني التسليم به.

أما الاحتمال ثالث فهو الحفاظ قدر الإمكان على الوضع الحالي الهش، أي ستاتيكو غير مستقر، يؤدّي في آخر المطاف إلى الخيار بين الاحتمالين السابقين وكلاهما كارثي على جميع الأطراف. تقديرنا هو أننا سنشهد لفترة معيّنة حراكا سياسيا وأمنيا ضمن الاحتمال الثالث حتى تستبين الأمور. وقد تقصر أو تطول تلك الفترة وفقا ل "حمكة" القيادات المتحالفة في العدوان أو ل "حماقتها". فهنالك توازن بين "الحكمة" و"العقلانية" لأسباب موضوعية وذاتية على حد سواء. ولكن الفرضيتين ليستا في مصلحة التحالف العدواني. فالعد العكسي لمرحلة الفصل والحسم قد بدأ فعليا بعد ما حصل في 10 شباط/فبراير 2018.