الرأسمالية تحطم قيودها وتهاجم دولة الرفاه

صائب خليل

 

شعر رأس المال دائماً بالخطر المتمثل في "النموذج" الاشتراكي المغري للشعوب، وخاصة في فترات الأزمات التي تتميز الرأسمالية بها. وكان هذا "الخطر" واضحا في فترة الانهيار الاقتصادي عام 1930، وتمخضت الحرب العالمية الأولى عن ولادة روسيا الشيوعية وكادت الثانية تولد ثورة اشتراكية تطيح بالرأسمالية في معظم دول أوروبا الغربية مثل فرنسا وألمانيا واليونان واسبانيا وغيرها، لولا الإجراءات التي اتخذها قادة الأنظمة الرأسمالية. 

ولم يكن كافياً كل ما تم بناؤه من مؤسسات مالية وإعلامية وأمنية وعسكرية احتياطية (السي آي أي، الناتو، كلاديو، منح مارشال)، فلم يجد الرأسماليون بداً لحماية أنفسهم من إغراء الاشتراكية لشعوبهم المستاءة من قسوة الرأسمالية، سوى تبني إجراءات اشتراكية حتى تمر الفترة الخطرة! فكان النظام الاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه في برايتون وودز وكانت الحرب العالمية الثانية مازالت مشتعلة، والذي يتخلى عن مبدأ "حرية السوق" و "اليد الخفية"، ليقيد الرأسمالية بالتزامات قانونية واضحة خاصة بشأن السياسة المالية وقيمة العملة، ويترك للدول المختلفة هامشا كبيرا من الحرية لتحديد ما يناسبها واستخدام التعرفة الجمركية لحماية اقتصادها. وشكلت الإجراءات سياسة عامة تهدف إلى خلق "دولة الرفاه" التي تهدف إلى إعطاء صورة مشرقة للناس عن الرأسمالية، وقدرتها على تأمين العيش الكريم للشعوب الخاضعة لنظامها.

لقد أطلق على هذه العملية اسم "تجديد الرأسمالية لنفسها"، لكن لعل عبارة "تقييد" هي الأنسب، فلم يكن هناك أي اجراء ينطلق من مبادئ الرأسمالية، بل في تقييدها والحد منها فقط. 

وهكذا فرضت الرأسمالية على نفسها "التحديدات" (regulations) أو "القيود" التي حددت سياسة النقد والتجارة وشروط العمل والإنتاج، فمنعت عن الناس أقسى نتائج النظام الرأسمالي، وقامت بحماية العامل والمستهلك، وتوفير التأمين الصحي والتقاعد والضمان الاجتماعي والالتزام بعدد ساعات العمل مع استراحة مناسبة وتأمين إجازات كافية وحماية حق المرأة في إجازات مدفوعة الأجر فترات الحمل والولادة والسماح بالنقابات وتعويض حوادث العمل وتنظيف ما تسببه من تلوث للبيئة، وغيرها كثير.

ولنلاحظ أولاً أن هذه "القيود" هي بالذات ما يميز الأنظمة الرأسمالية ذات الشعوب الأكثر سعادة ورفاهاً وتقدما، وعلى رأسها الدول الاسكندنافية، والتي قدمت النموذج الأفضل في الحرب الباردة وأسهمت في عزوف الناس عن الاشتراكية التي لم تستطع ان تجاريها في ذلك لأسباب مختلفة. وهكذا ومن هذه القيود ونتيجة لها، ولدت "دولة الرفاه الاجتماعي".

ولنلاحظ أيضاً أن هذه "القيود" بالذات هي ما تستهدفه إدارة ترمب اليوم، رغم ان تلك السياسة بدأت قبله بعدة عقود حين بدا أن الخطر الاشتراكي قد تراجع، واندفعت بشدة منذ ثمانينات ريغان وتاتشر، لتبلغ مع ترامب حداً يصل الى هجوم شامل لاستعادة "حريتها" في التعبير عن طبيعتها.

ولا يعبر عن تلك "الطبيعة" أكثر من وصف عرابها "آدم سميث" لما اسماه بـ "مبدأ السادة الوضيع": كل شيء لي!

كتبت نادية عدنان: اتسمت ادارة ترمب بميل شديد لحرية مطلقة للسوق والغاء كبير للقوانين (القيود) المنظمة له، متمثلة بالمسار الليبرالي الجديد المسمى: إلغاء القيود (Deregulation). فتفاخر ترمب بأن أحد اهم انجازات ادارته هو الغاء أكبر عدد ممكن من القوانين في زمن قياسي، فألغت أكثر من 1500 قانون وقرار خلال الـ 11 شهرا الأولى من حكمه، معلناً "النصر في الحرب ضد قوانين الدولة"! وهو ما أطلق عليه مستشاره السابق ستيف بانون سياسة "تفكيك دولة المؤسسات الإدارية". (كذلك) عملت ادارة ترمب على عرقلة اصدار قوانين (قيود) جديدة أو تجديد القيود القديمة، ورفعت شعار "تعطيل قانونين مقابل إصدار أي قانون (قيد) جديد".

وإضافة إلى ذلك انقضت إدارة ترمب على "مكتب حماية المستهلك"، والذي سعت العديد من الشركات الكبرى منذ سنوات طويلة للتخلص منه. فعين ترمب على رأسه شخصاً قام بخنقه بمسرحية غريبة حين طلب تخصيصاً له مقداره "0" دولار! وهكذا أطلق للشركات حرية ابتزاز المستهلك.

وتعد إدارة ترمب بمضاعفة قوة الهجوم هذا مستقبلا، فطمأن ترمب الشركات ألا تقلق مستقبلاً من "مؤسسات الدولة" فـ "لديهم الآن صديق في البيت الأبيض"!

وإذا كانت دولة الرفاه تتميز بانعدام الفقر ونتائجه، فإننا نرى ان ترمب فرض في قانونه الجديد للضرائب استقطاعات وصلت الى ٦ ترليون دولار على البرامج الموجهة للطبقات الفقيرة والمتوسطة بما في ذلك التأمين الصحي والضمان الاجتماعي والتعليم، وبرامج الاعانات الغذائية والبرامج الموجهة للمعاقين، فيما قدم تسهيلات ضريبية على ضريبة العقارات لا يستفيد منها الا اصحاب العقارات التي يتجاوز ثمنها خمسة ملايين دولار، اضافة الى انه خفض ضريبة الشركات من ٣٥ الى ٢٠٪

وقبل ذلك نذكر قيام ترمب بعملية استئصال أخرى لـ "قيود" وضعت على البنوك لتجنب تكرار ما سمي بـ "ازمة" 2008 ودفع المواطن ثمنها ترليونات الدولارات! فقد قامت إدارة أوباما عام 2010 بوضع قانون دود-فرانك، وهو ليس سوى مجموعة إجراءات لتجنب تكرار "الأزمة" مستقبلا، يفرض على البنوك شفافية أكبر في التعامل، ويحد من مجال المخاطرة بمدخرات المستهلك. وبعد استلام ترمب السلطة استعرت حملة لإيقاف العمل بهذا القانون، انتهت بإلغائه. (1)

وطبيعي أن هذا "التطور" لن يقتصر على أميركا، فكما تشعر جميع الشعوب في العالم، فإن الإدارات الأمريكية تضغط على جميع حكوماتها لاتباع ذات السياسة، وبشكل أكثر شراسة.

 

هذا كله يؤذن بان "دولة الرفاه الاجتماعي" الرأسمالية قد أدت الغرض منها وانتهى دورها، وان نهايتها قد حانت، وأن النموذج الاسكندنافي سيختفي من العالم قريبا، وستختفي معه كل المؤسسات التي تقيد الرأسمال وتحد من وحشية معاملته للإنسان، ليحل نموذج مخيف قد يقصر خيالنا عن تحديد ابعاده.

 (1) لصوص الرأسمالية يدافعون عن "حقهم" بالظلام يرى... - الرأسمالية ببساطة

https://www.facebook.com/Capitalism.Simply/posts/465587917144172

 (2) Trump's war on regulations has corporations jumping for joy

http://www.chicagotribune.com/business/columnists/reed/ct-biz-trump-speech-regulations-robert-reed-0204-story.html

 (3) Trump's war on regulations is real. But is it working

https://www.politico.com/agenda/story/2018/01/20/trumps-regulatory-experiment-year-one-000620