مياه الرافدين والمحكمة الجنائية الدولية 2من2

 

علاء اللامي

 

 تأسست المحكمة الجنائية الدولية سنة 2002، كأول محكمة شكلت على أساس ميثاق روما العالمي، وبلغ عدد الدول الموقعة على قانون إنشاء المحكمة 105 دول حتى تشرين الثاني نوفمبر 2007، وقد وقعت 41 دولة أخرى على قانون روما. وقد تم وضع اتفاق بين الجهتين - المحكمة والأمم المتحدة -يحكم طريقة تعاطيهما مع بعضهما من الناحية القانونية.

 

إنها محكمة دولية ملزمة الأحكام قادرة على محاكمة الأفراد (العاديين وزعماء الدول) المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء، وهي تختلف عن محكمة العدل الدولية لأنها لا تشترط وجود موافقة مسبقة من قبل الطرف المدعى عليه، بل يكفي أنْ ترفع جهة في الدولة المدعية أو محكمة فيها الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومن الطبيعي أن تدخل جريمة تجفيف نهري دجلة والفرات، وحجز مياههما خلف السدود العملاقة واحتمال انهيار تلك السدود المقامة في منطقة ناشطة زلزاليا وحدوث فيضانات طوفانية مرعبة، ستحول سوريا والعراق ودول الخليج العربي الإيراني إلى مستنقع شاسع، وما سيترتب على الجفاف بفعل حبس المياه خلف السدود العملاقة أو قطع روافد الأنهار العراقية من أضرار فادحة وإبادة عامة وغير مسبوقة للبشر والحيوان والنبات يمكن أن تدخل ضمن باب جرائم الاعتداء التي يتحمل مسؤوليتها الأفراد الحاكمون وأصحاب القرار في الحكومتين التركية والإيرانية.

 

وبمراجعة النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نتعرف على مفهوم ومصطلح جريمة الإبادة الجماعية، فهي تعني أياً من الأفعال الآتية، إذا ارتكبت بقصد إهلاك جماعة قومية أو ثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه، إهلاكا كلياً أو جزئياً ويعنينا منها الفعلان الثاني والثالث في الحالة العراقية:

 

2-إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة البشرية.

 

3-إخضاع الجماعة البشرية عمداً لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً.

 

ويمكن بكل تأكيد اعتبار جريمة تجفيف دجلة والفرات وتصحير العراق وتدمير الزراعة وإحداث مجاعة أو فيضانات طوفانية فيه ضمن مشمولات البند الثالث والقائل (إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً). كما يمكن اعتبارها ضمن مشمولات البند العاشر من الأفعال التي يشملها مفهوم ومصطلح "الجرائم ضد الإنسانية" أيضا، ويقول النص الحرفي لهذا البند (10-الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو أي آذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية).

 

وفي شهر آب /أغسطس 2009، كانت قناة "BBC" التلفزيونية، قد بثت برنامجا حول مطلب العراق بمحاكمة دولية لمرتكبي جريمة تفجيرات الأربعاء الدامي في ذلك التاريخ، وشارك في البرنامج خبير قضائي مصري هو رئيس معهد القانون الدولي في جامعة السوربون، فاتنا للأسف تسجيل اسمه. ويُفْهَم من كلام الخبير المصري والذي كان عضوا في المحكمة الدولية الخاصة بأحداث يوغسلافيا السابقة، أن العراق ليس عضواً في المحكمة الجنائية الدولية، وقد تأكدنا من صحة هذه المعلومة من خلال الاطلاع على رسالة للويس مورينو أوكامبو، المدعي العام الرئيسي للمحكمة الجنائية الدولية، رد فيها سلباً على مجموعة من رسائل من ناشطين مدنيين دعته إلى التحقيق فيما يحدث في العراق، معللا رده السلبي بأنَّ (العراق ليس عضواً في منظومة دول ميثاق روما الخاص بتشكيل تلك المحكمة). وعموما فهذه ليست مشكلة كبيرة، ويمكن للحكومة العراقية الحالية أنْ تبادر فورا إلى التوقيع على الميثاق المذكور، إنْ لم تكن قد وقعت عليه بعد، وتطرحه على البرلمان لتشريعه وبشكل عاجل، إذْ أنَّ عملية التوقيع أو سحب التوقيع على الميثاق أمران مفتوحان، وكانت دولة السودان قد سحبت توقيعها على هذا الميثاق بعد أنْ وجهت المحكمة الاتهام إلى الرئيس السوداني عمر البشير في قضايا دارفور. إضافة إلى ذلك، فالعراق يمكنه رفع دعوى عن طريق دولة أخرى عضو آخر في ميثاق روما.

 

وهناك معلومة مهمة أخرى، قالها الخبير المصري، وأرى من المفيد سوقها هنا لفائدة القارئ ومفادها: إنَّ الأمر المهم ليس موافقة الأمم المتحدة على إرسال لجنة تحقيق، بل تشكيل محكمة خاصة بهذه الجريمة.

 

لقد وقع العراق فعلا على ميثاق روما ولكنه سحب التوقيع بعد أيام قليلة في عهد حكومة الاحتلال الأولى برئاسة إياد علاوي. وقد وردت هذه المعلومة في مقالة للباحث العراقي في الشؤون القانونية د. أكرم عبد الرزاق المشهداني، و ورد فيها على الخصوص ما يلي ( لم يكد يمضي على صدور قرار حكومة السيد إياد علاوي بضعة أيام، حتى أعلنت تراجعها عن قرار الانضمام إلى اتفاقية روما بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية، حيث كان مجلس الوزراء برئاسة د. علاوي أصدر قراراً جاء فيه "استنادا لأحكام القسم الثاني من ملحق قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، وبناء على موافقة مجلس الرئاسة، قرر مجلس الوزراء أنْ تنضم جمهورية العراق إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الموقع في روما في 17 يوليو من عام 1998". وسارعت فرنسا لإعلان ترحيبها بانضمام العراق للاتفاقية"..." ولكن بعد مضي أيام قليلة، ونتيجة ضغوط لم يعلن رسميا عن مصدرها، لكنها معلومة من قبل من يعرفون موقف الولايات المتحدة من اتفاقية إنشاء المحكمة المذكورة).

 

ومن المرجح جدا أنَّ سحب التوقيع بالموافقة العراقية على ميثاق روما، لا يعدو أنْ يكون وراءه واحد من سببين، أو كلاهما: الأول، هو الضغط الأمريكي والإسرائيلي على حكومة علاوي، سيّما وأنَّ الدولتين أمريكا و"إسرائيل" كانتا قد سحبتا توقيعيهما وموافقتيهما على ذلك الميثاق، وليس من المنطقي أن تتمرد حكومة تابعة لأمريكا، شكلت من قبلها كحكومة أياد علاوي، على إرادتها السياسية. والسبب الثاني يتعلق بتورط علاوي وأركان حكومته آنذاك في أعمال القمع والبطش الدموي الذي بلغ درجة ارتكاب جرائم حرب خلال السنوات الأولى للاحتلال، ويبدو أنَّ مخاوف علاوي وأركان حكومته من ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية لهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب هي واحدة من الأسباب التي حدت به إلى سحب توقيع حكومته على ميثاق روما.

 

وأخيرا: فإن من واجب الحكومة العراقية ان تسارع اليوم قبل الغد إلى الانضمام بشكل رسمي إلى المحكمة الجنائية الدولية وتوقع عليها وإلا فستكون هذه الحكومة مسؤولة أمام الشعب والتاريخ عن حرمان العراق من هذا السلاح القانوني الدولي الرادع لأردوغان ولكل من يخطط او بدأ فعلا بإلحاق الضرر بالعراق عبر تجفيف أنهاره. ولكن لنكن واضحين فعملية الدفاع عن العراق بسلاح القانون الدولي ليست سهلة وتحتاج الى جهود داخلية وخارجية كثيرة على صعيد العناية بالنهرين وصيانة مجاريهما من التلويث الداخلي والخارجي، وتحديث أساليب ووسائل الري القديمة واستبدالها بالحديثة كالري بالتنقيط، وتحريم الهدر والتبذير المائي داخليا وغير ذلك من خطوات لا بد نها لكي نقنع العالم ونقنع هذه المحاكم والهيئات الدولية بشرعية دعوانا ومطالبنا وحقوقنا المشروعة في مياه أنهارها، ونجعل هذه الأطراف تحترم مجتمعنا وتحترم تعامله مع المياه والطبيعة.

 

*رابط يحيل إلى النص الكامل الفصل الثامن من كتاب "القيامة العراقية الآن -علاء اللامي" في أول تعليق.

http://www.albadeeliraq.com/node/993