بعد الانتصار على داعش جاء الفشل في اعادة الاعمار

 

تسفي برئيل

 

 

هآرتس 23/2/2018

          دنبر" ليست كلمة عربية، هي تحريف لكلمة "دانبر" بالانجليزية، ومعناها نوع من التراكتورات الصغيرة التي يتم تركيب وعاء كبير في مقدمته لنقل القمامة. بشكل عام يستخدم في ازقة المدن المكتظة، التي لا تستطيع الدخول اليها شاحنات القمامة الكبيرة. في الحي القديمة في الموصل تحول الـ "دنبر" الى أداة "ما بعد الحرب" الضرورية. عشرات منها تجمع كل يوم اطنان انقاض البيوت التي خلفتها الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية (داعش). هذه التراكتورات الصغيرة تستخدم من قبل متطوعين شباب يئسوا من مساعدة حكومة العراق، من اجل ذلك فتحوا حساب خاص في الفيس بوك بعنوان "دولارين في اليوم"، وهي أجرة استئجار الدنبر من اصحابه. حوالي مليون ونصف مليون متر مكعب من الانقاض تم اخلاؤها من وسط الموصل، وحسب تقديرات قسم الهندسة العراقية هناك كمية مثلها من الانقاض يجب اخلاؤها

          لقد مرت حوالي سبعة اشهر منذ اعلان الانتصار على داعش في الموصل، ولكن مئات الآلاف من سكان المدينة ما زالوا لا يستطيعون العودة الى بيوتهم. آلاف الالغام والعبوات الناسفة تركها رجال داعش خلفهم، اضافة الى الدمار الكبير الذي سببه القصف. حسب تقدير الامم المتحدة تحتاج المدينة الى عشر سنوات على الاقل من اجل العودة الى ما كانت عليه قبل الحرب

          تكاليف الاخلاء واعادة الاعمار باهظة جدا، وحكومة العراق تدعي أنها غير قادرة على أن تتحمل وحدها العبء المالي. القليل من المساعدات يصل فعليا من الدول الغربية، لكن جزء منها لا يصل الى العنوان المخصصة له ويصعب ايضا مراقبة المبالغ التي تنجح في الوصول. بدون الشبكات الاجتماعية ونشاط المتطوعين، ايضا لن يكون هناك احتمال بالنجاح لنشاطات اعادة الاعمار بالحد الادنى

          حسب تقارير الامم المتحدة، حوالي 80 في المئة من اجمالي الخدمات الصحية في مقاطعة نينوى ومدينة الموصل لا تعمل. ادوية كثيرة ناقصة وكذلك ايضا اطباء وممرضات وقوى مساعدة طبية. الكثيرون منهم هربوا في فترة سيطرة داعش ولا يستطيعون العودة الى بيوتهم. كلهم ينتظرون انتهاء اعمال "الدنبرات

          ولكن ليس فقط اخلاء الانقاض هو الذي يعيق اعادة الاعمار، في داخل الحي القديم في الموصل ما زالت مدفونة جثث كثيرة يقدر عددها بالآلاف. حكومة العراق وادارة المحافظة لا تستطيع أو لا ترغب في اخراجها. "نحن نهتم اولا بجثث سكان المدينة، ليست لدينا الاموال للتعامل مع جثث اعضاء داعش"، قال مدير خدمات الهندسة في وزارة الداخلية للواء الموصل. بين الفينة والاخرى تتوقف اعمال الانقاذ ايضا لجثث السكان بسبب نقص اكياس النايلون أو الحمالات أو الاكفان

          أبناء عائلات يضطرون الى القيام بمهمة الانقاذ بأيديهم، ولا يعرفون بالتأكيد اذا كان ابناء عائلتهم بالفعل مدفونين تحت الانقاض أو في المقابر الجماعية التي تم حفرها بسرعة اثناء الحرب. احد المواطنين قدم شهادة امام مراسل صحيفة "الحياة" بأنه دفن بيديه اثناء الحرب 50 60 قتيل وهو لا يعرف من هم ومن هم اقاربهم. في وزارة الداخلية اصبح مسجلا حوالي 9 آلاف طلب من مواطنين ابلغوا عن اقاربهم المفقودين ويطلبون مساعدة السلطات. وتيرة العلاج بطيئة جدا، وحسب وزارة الداخلية يتم الآن معالجة حوالي 300 طلب

اعادة تأهيل

          تستند الآن عملية اعادة الاعمار البطيئة على مبادرات مواطنين، وليس فقط في مجال اخلاء الانقاض وبناء البيوت. مجموعة من رجال الدين قرروا أن يأخذوا على عاتقهم مهمة كبيرة وهي اعادة تأهيل سكان المدينة ولا سيما الاطفال بعد أن تعرضوا خلال اكثر من ثلاث سنوات للوعظ من قبل داعش. في صفحة الفيس بوك للمجموعة يشرحون بأن هدفهم هو تقديم تعليم ديني معتدل، وحياة من التعاون والسلام والمصالحة الاجتماعية. في اطار نشاطهم يقترحون ورشات عمل اسبوعية لتعليم قيم الاسلام المعتدل، يعقدون محاضرات ولقاءات حول حقوق الانسان وحتى أنهم يصلون الى اماكن العمل من اجل محاولة استئصال "الفكر الداعشي" من العاملين الذين اضطروا للعمل مع داعش في فترة احتلال المدينة. مبادرة هامة، لكن حاليا ينشغل السكان بأمور ملحة اكثر

          على بعد 500 كم تقريبا عن غرب الموصل، في مدينة الرقة، التي حررت ايضا من سيطرة داعش قبل نحو اربعة اشهر، شابة كردية تحاضر امام مجموعة من النساء حول بنية النظام وحول حقوق المرأة في الدولة الحديثة. هذه مبادرة من المجلس المدني في الرقة، الذي تأسس بعد أن احتلت القوات الكردية معظم اجزاء المدينة من أيدي داعش. المجلس المدني هو جسم تطوعي أخذ على عاتقه ادارة شؤون المدينة اليومية مثل تجديد نشاطات جهاز التعليم وجهاز الصحة، تنظيف المنطقة من العبوات الناسفة، ومثلما في الموصل، ترك هنا ايضا آلاف العبوات في الشوارع والبيوت، نشاطات شرطية وقضائية وايضا التدريب وزيادة الوعي حول اهمية ومكانة المرأة.

          في المحاضرة التي تظهر في صفحة الفيس بوك تشارك حوالي 46 امرأة في ورشة عمل مدتها 23 يوم، من الصباح وحتى المساء. يتعلمن فيها مواضيع مثل الديمقراطية، المرأة والسياسة، قراءة نقدية لكتب وكتابة المقالات. مواضيع التعليم ومضمونها مليئة بالايديولوجيا التي يتبناها تنظيم العصابات "حزب العمال الكردستاني" برئاسة عبد الله أوجلان الموجود في السجن التركي، والتي تقول ضمن امور اخرى بأن النساء متساويات مع الرجال ويستطعن، بل حتى يجب عليهن، تحمل مسؤولية متساوية، بما في ذلك القتال والقيادة

          ولكن هذه الدورات التعليمية لا يمكنها التخفيف من ضائقة عشرات الآلاف من سكان الرقة ودير الزور، الذين لا يستطيعون العودة الى بيوتهم بسبب الالغام والعبوات التي تقتل في كل اسبوع عشرات الاشخاص. عدد طواقم تفكيك الالغام أصغر من أن يستطيع أداء المهمة الثقيلة التي ستسمح لآلاف السكان العودة الى بيوتهم. هذا النقص حول تنظيف الالغام الى مصدر رزق مربح لمن هو خبير في ذلك. حسب تقارير من الرقة فان تنظيف "شخصي" لبيت من العبوات الناسفة يمكن أن يكلف 100 دولار، وهو مبلغ كبير القليلون يمكنهم توفيره. المجلس المدني خرج بمبادرة لتأهيل شباب في مجال العبوات وتفكيك الالغام، لكن ايضا هذا ما زال بعيدا عن تغطية الحاجات

          عدد كبير من السكان الذين يبلغ عددهم 450 ألف شخص، من سكان الرقة ومحيطها قبل الحرب، يعيشون في مخيمات للاجئين أقيمت بعيدا عن المدينة. ظروف الحياة فيها بعيدة عن أن تكون جيدة. حسب تقرير موقع "ريليفويب" الذي يعمل في اطار وكالة تنسيق النشاطات الانسانية للامم المتحدة، فان حوالي 600 ألف شخص تم اخلاءهم من بيوتهم في الرقة ودير الزور. وقد اضطروا الى الاعتماد على منظمات وجمعيات تم وقف نشاطها من قبل بشار الاسد في شهر كانون الثاني، وفقط مؤخرا تم التوصل الى اتفاق لمواصلة نشاطها بصورة مؤقتة. في فترة تجميد نشاطها تدهور وضع مئات آلاف الاشخاص الذين يحتاجون للعلاج الطبي. فقط بمساعدة متطوعين ومتبرعين محليين كان يمكن شراء الادوية بكميات محدودة. مثلا، حصل طبيب الماني يعمل في مخيم عين عيسى للاجئين قرب الرقة على مبلغ ساعد في شراء ادوية لمرضى السكري وامراض القلب والحصبة لصيدلية المخيم. ولكن الكميات محدودة جدا ويتم توزيع العلاج بحصص حسب الوصفات الطبية، وليس هناك أي ضمانة بأن توفيرها سيستمر

          في نفس الوقت تزدهر في المدينة تجارة المواد المسروقة من بيوت السكان، الى درجة أنه تم فتح اسواق كاملة من اجل عرض المسروقات. المواطنون يتهمون القوات الكردية بتنفيذ السرقات، وحتى أنهم يصفون كيف أن شاحنات تدخل الى شوارع المدينة ويقوم عمال بافراغ البيوت التي هجرت والسيطرة على ممتلكات السكان. ظاهرة مشابهة توجد ايضا في مدينة الموصل في العراق، ولكن فيها الاعمال الشرطية كما يبدو اكثر نجاعة

حرب بدون ابطال

          مدينتا الموصل والرقة تديران الآن ما يمكن تسميته بحرب ما بعد الحرب. هذه حرب آخذة في النسيان، ولم تعد تهم أحد لأنه ليس فيها دراما القصف، اطلاق النار والصراعات السياسية فقط "صراع بقاء مضني لمئات الآلاف من بني البشر". هذه الحرب ليس فيها رموز بطولة أو أيقونات للمعاناة تجند الرأي العام العالمي. من مركز النضال بين الدول العظمى ترجع هذه المدن لمعالجة حكوماتها وتتحول الى "مشكلة محلية" مثل مدن خربة اخرى في ارجاء العالم.

          بعد ايام أو اسابيع ستنضم ايضا الغوطة الشرقية في غرب دمشق لقائمة المدن المحطمة. حوالي 400 ألف شخص يعيشون الآن في هذه المدينة تحت الارض، في الملاجيء والأقبية، بدون غذاء وعلاج وبدون هواء للتنفس. قصف شديد، سوري وروسي، يواصل تدمير بيوت مدن وقرى المحافظة، من اجل السيطرة على أحد المعاقل الاخيرة للمتمردين. مئات الاشخاص قتلوا في الهجوم الاخير الذي استمر حوالي اسبوع. دول الغرب تظهر القلق الكبير، زعماء يدينون المذبحة والدمار، الامم المتحدة تدعو الى وقف القصف ولكن الغوطة الشرقية تستخف بالجهود الدولية. مثل مدن اخرى في هذه الحرب ستستغل حتى النهاية ايام المجد والاهتمام الدولي الى حين تحطمها في داخل نفسها. باختصار، موضوع آخر "سوري داخلي