دلالات معركة دمشق

ثريا عاصي

 

 

 

المعلومات تفيد بأن في الغوطة الشرقية حوالي نصف مليون سوري وأن هؤلاء  يتعايشون والمتمردين الذين يبلغ عددهم 45 ألفاً تقريباً، بحوزتهم أسلحة فردية ومدفعية ثقيلة وصاروخية، ما يجعل مدينة دمشق بجميع أحيائها وساحاتها ومنافذها في مرمى النيران إنطلاقاً من الغوطة الشرقية . 

وإذا أخذنا بالحسبان أ ن تمركز  المتمردين في الغوطة يعود إلى أربع أو خمس سَنَوات، لا يحتاج المراقب إلى خبرة عسكرية كبيرة لكي يتصور أن الأخيرين كان لديهم الوقت الكافي من أجل بناء إنشاءات عسكرية يهاجمون منها ويحتمون بها في تصديهم للهجوم عليهم . وإذا أضفنا إلى هذا  كله، أنه وصلت إلى هذه المنطقة جميع الوسائل القتالية اللازمة في الحرب البرية وبكميات يـُفهم من الأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام، أنها كبيرة تضاهي درجة تسليح جيش رسمي (نظامي) في دولة من الدول النامية وأن مقاتلين أجانب بأعداد ملحوظة يتواجدون بين مسلحي الغوطة، وليس مستبعداً أن يكون بينهم عناصر من القوات الخاصة التابعة لجيوش غربية متخصصة بأعمال التخريب والترويع، وفوق هذا كله فلا شك في ان الطائرات المسيرة عن بعد تحلق باستمرار فوق مسرح العمليات، تنقل الصورة عن الأوضاع وتبلغ المتمردين الأوامر الصادرة عن غرف العمليات التي تقود الحرب على سوريا . علماً أنه ليس ممنوعاً على هذه الطائرات  المشاركة في الحرب فهناك أنواع منها تكون محملة بالقذائف .

ولا ننسى أيضاً أن هذا الحشد من المسلحين في الغوطة كان معداً في الأصل من أجل الهجوم على دمشق وإحتلالها، وأعتقد أنه جرت عدة محاولات بهذا الصدد ولكنها  فشلت جميعها . مهما يكن فإن التذكير  بهذه المعطيات يدل على أن تحرير الغوطة الشرقية هو مهمة ضرورية ولازمة وملحة بالرغم من كونها معركة كبيرة ومعقدة نظراً إلى تداخل   عوامل كثيرة، داخلية تتمثل بوجود نصف مليون سوري، وخارجية أيضاً كون فصائل المتمردين مرتبطة بعلاقات تبعية مع دول مثل الأردن، إسرائيل، الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية إلى جانب طبعاً، الجهات الأميركية والأوروبية .

مجمل القول ان معركة دمشق ملحة إلى أبعد الحدود من أجل تحرير دمشق من الضغوط على عاصمة الدولة ومركز القرار الوطني السوري . فهذه المعركة كانت مؤجلة، ربما لأسباب نجهلها، ولكنها بالقطع معركة على جبهة دفاعية رئيسيّة، أو بتعبير أدق على واحدة من الجبهات الدفاعية الرئيسية في إطار هذه الحرب على سورية إلى جانب جبهات الشمال في مواجهة تركيا والولايات المتحدة الأميركية وحرب داعش من جهة الشرق وهجمات جبهة النصرة من الجنوب بدعم من الاردنيين والسعوديين والإسرائيليين  معاً .

إذاً من الأفضل حسم هذه المعركة في أسرع وقت، لأن تأجيلها أو تحولها إلى معركة مزمنة كداحس والغبراء سيكون له تأثير سلبي كبير على الإنجازات التي تحققت في صد العدوان  وسيعيق ما يمكن تحقيقه وصولاً إلى إفشال العدوان نهائياً . وبما أننا ننعت معركة دمشق  بالمعركة الحاسمة،  هذا يعني أن  على نتائجها وطريقة إدارتها تتوقف أمور مصيرية  . ما يعني ضرورة المساهمة الوطنية الواسعة فيها  .

وفي سياق آخر ، تأتي هذه المعركة بالتلازم  مع تطورات ذات دلالات شملت تقريباً جميع الجبهات الأخرى، غارات إسرائيلية، تصريحات أميركية تشي بنيتها احتلال جز ء من التراب الوطني السوري وتحديداً في منطقة الجزيرة التي كانت الحركة الصهيونية قد طالبت فرنسا أثناء الإنتدات على سورية بفتحها أمام المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية .. توغل الجيش التركي في الشمال، تحرك مسلحي الغوطة قصفاً على دمشق، ربما بإيعاز من  السعودية . 

بكلام آخر ، إن تحرك جميع  الأطراف المشاركة في الحرب على سورية في  فترة زمنية واحدة يدل على هجوم منسق على جميع  الجبهات الرئيسية . هنا ينهض السؤال عن الأهداف المتوخاة، عن محدودية هذا الهجوم أم لا، عن الإمكانيات العسكرية المتوفرة من أجل التصدي له وأخيراً عن كيفية إدارة الصراع .

 وعلى الأرجح، ان القيادة العسكرية السورية  اتخذت قراراً بإعطاء الأولوية لمسألة الحسم  في معركة دمشق . لا شك في أن ربح هذه الجولة في الدفاع عن سورية سيقنع الأعداء بأن الوصول إلى غاياتهم في سورية هو من الأمور الصعبة جداً بل ومن المستحيلة، علماً أن في سنوات الحرب السبع الماضية أكثر من دليل على ذلك . لذا ليس من المستبعد أن يكون التصعيد على جميع جبهات القتال إشارة إلى استعجال تسوية تحفظ ماء الوجه تريدها كل من حكومة السيد أردوغان في تركيا، الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والسعودية . ولكن علم ذلك عند القيادة السورية .