الدول مصالح.. ثم ماذا؟

صائب خليل

 

 

أكثر استعمالين شائعين لهذه الحقيقة هما بالشكل التالي: الأول يقول بألم مخلوط بالغضب: " يا أخي الدول مصالح!" ثم ينكفئ إلى اليأس من هذا العالم "السيء" الذي فيه "كل دولة تبحث عن مصلحتها".

والثاني يقول لك بهدوء: "السياسة مصالح!" وقد يضيف قولاً مأثوراً: "لا توجد صداقات دائمة لكن توجد مصالح دائمة"! ثم يحاول ان يقنعك أن ذلك يعني ضرورة ترك "العنتريات" والسعي لتقوية العلاقات مع "الدولة العظمى"، وقد يأتيك بأمثلة من دول استفادت منها. وإن كان ردك معقولاً، قد يدعوك إلى علاقة مع إسرائيل، متهما من يرفض ذلك بـ "الجهل السياسي" ليمضي في محاضرة طويلة ليشرح أن "ذلك هو سبب تخلفنا".

معرفة الحقيقة أمر، والتمكن من استعمالها أمر آخر! وينطبق هذا حتى على الحقائق البديهية البسيطة التي تفهمها نملة! لنلق نظرة:

لنتخيل الدول كمجموعة من النمل تعيش في محيط ما، لكنها لا تعيش في بيت واحد، بل تعيش كل نملة في بيت خاص بها، وتبحث عن "مصلحتها" فتحاول دفع أكبر كمية من الطعام إلى بيتها.

نملة صغيرة تدفع كرة طعام كبيرة بصعوبة بالغة، خاصة عندما يرتفع الطريق، فعندها تكون الطامة الكبرى وتأخذ كل خطوة زمنا طويلا وارهاقاً شديدا. لو تساعدني واحدة من تلك النملات على عبور الصعدات على الأقل! فكرت النملة. لكن المشكلة أن "كل نملة كانت تبحث عن مصلحتها". كيف اقنع الأخريات أن يساعدوني لأحقق مصلحتي وهم لا يفكرون إلا بمصلحتهم؟ لم تنكفئ النملة الصغيرة على نفسها يائسة، بل بدأت تفكر: أنا لا أستطيع ان احقق مصلحتي وأدفع قطع الطعام إلى بيتي لوحدي. ولا تساعدني النملات الأخرى لان كل واحدة تدفع بالطعام باتجاه مختلف!

سرعان ما تكتشف النملة الصغيرة الحل: إذا وجدت نملة بيتها قريب من بيتي فسيكون طريقنا واحدا لمعظم المسافة! فلندفع قطعة الطعام الكبيرة في كل هذا الطريق معاً، ثم نتقاسمها عندما نصل مفترق الطرق! أطلقت النملة على المسافة قبل المفترق، اسم "الطريق المشترك" واخترعت عبارة "المصلحة المشتركة"، وقررت أن تبحث عن نملة لديها معها "طريق مشترك" و "مصلحة مشتركة" لتقنعها بالفكرة. كذلك فكرت النملة بفائدة إضافية هي الأمان! فخلال كل الطريق المشترك سيمكن لنملتان حماية "مصالحهما" المشتركة بشكل أفضل بوجه أي اعتداء. وطبيعي كلما كان "الطريق المشترك" أطول، كانت الفائدة أكبر وكان اقناع النملة الأخرى أسهل.

ربما كان هذا هو السبب ان النمل قرر في النهاية أن يسكن بشكل مجموعات في بيت واحد، ليكون "الطريق المشترك" كل الطريق وتكون "المصلحة المشتركة" كاملة؟ لن نستطيع ان نعرف، فنحن لا نتكلم لغتهم.. لكن دعونا نعود لنملتنا في عالمها الذي تبحث فيه كل نملة عن مصلحتها، ونرى كيف سارت الأمور معها.

اكتشفت نملتنا أن عليها ليس فقط أن تبقي مصالحها أمام عينها دائما، بل أن تراقب ايضاً مصلحة شريكها وتغيرها في كل مرحلة. عليها أن تتعامل بحذر خاص مع النملات الأكبر منها. فربما عند المفترق ترى تلك النملة الكبيرة أن من مصلحتها أخذ "الكعكة" كلها. لذلك قررت ألا تشارك أية نملة من الحجم الذي لا تؤثر فيه أسنانها. واستنتجت من ذلك أن نملة سقطت اسنانها، لن تستطيع أن تشارك أحداً، لأن سياسة البحث عن المصالح ستقتضي من الشريك أن يأخذ منها كل شيء عند مفترق الطرق. استنتجت أن "نملة بلا اسنان"، ستنتهي كل مشاركاتها بالخسارة.  واستنتجت من ذلك بالمقابل استنتاجاً غريباً، لكنه منطقي، وهو: كلما كانت اسناني أطول وعضتي أشد إيلاماً، كلما كان بإمكاني ان اتعامل مع عدد أكبر من النمل، دون أن أخسر "مصالحي"! لذلك فأن حد أسناني وتقوية عضلات فكي، أمر أساسي لتحقيق مصالحي!

ربما لهذا لا نجد اليوم نملة لا تستطيع العض والتسبب بالألم؟ للأسف أننا لا نجيد لغة النمل لنسألهم..

ماذا عن النملات ذات البيوت التي في الجانب الآخر حيث يتوجب السير باتجاه معاكس؟ تساءلت نملتنا. لن يكون هناك "طريق مشترك" ولا "مصالح مشتركة"، ولن أستطيع اقناعها بالسير معي ولا انا اريد السير معها. لذلك يجب عدم تضييع الوقت معها بل بالعكس يجب الابتعاد عنها، لأن "مصالحنا متناقضة" الاتجاه. في الحقيقة ان "مصالحي" تقتضي أن اسعى لتخويفها وردعها بإظهار اسناني، لأنها إن اقتربت مني فلا تفسير لذلك إلا انها تريد ان تستولي على طعامي.

كما نرى، لم يكن صعبا على نملة صغيرة أن تتعامل مع عالم فيه "كل جهة تبحث عن مصلحتها" وأن تجعل من رغبة الآخر بتحقيق مصلحته، وسيلة لتحقيق مصالحها هي. كذلك لم يكن صعباً على نملتنا أن ترى أن سياسة إقامة "علاقات مع جميع النمل" حماقة لا تحقق المصلحة، وضرورة التمييز بوضوح وبدون تردد أو مجاملة، بين من يسير في اتجاهها ومن يسير بالعكس، وأن تعمل لإقناع الأول بأن مصلحته بالتعاون معها، وردع الثاني وإقناعه بأن من "مصلحته" الابتعاد عنها.

لا توجد "مصالح مشتركة" مع الجميع إلا في أوهام السذج، ولذا لا يجب إقامة علاقات مع الجميع. فكرت النملة. فلا توجد عبقرية مفاوضات قادرة على اختراع "مصلحة مشتركة" بين الذئب والخروف، وإن حاول الذئب اقناع الخروف بالسير معا وتحدث عن "مصالح مشتركة"، فنحن نعرف القصد ونعرف النتيجة!

يتبع... وبدون نمل..