الغضب بسبب غلاء المعيشة يهدد ملك الاردن المحبوب

تسفي برئيل

 

 

هآرتس مقال - 7/3/2018

"أنا أحبك يا ملقي، بعرق جبيني اشتريت تنكة الوقود ولم يبق لي أي قرش. من فضلك يا ملقي، ارفع الضرائب"، غنت الفرقة الانتقادية "تشويش واضح" الاردنية في برنامجها الاسبوعي في قناة "رؤيا" عن رئيس الحكومة الاردني هاني الملقي. هذا هو البرنامج الاكثر شعبية الذي ينتظره كل يوم اثنين آلاف المشاهدين الاردنيين، وحوالي مليون و200 ألف شخص من متصفحي اليوتيوب، الذي يبث فيه البرنامج. "لا يوجد عمل ولا يوجد وقود، نحن نأكل دجاج فاسد ونستخدم كهرباء مسروقة"، غنت الفرقة التي تتكون من 18 شاب من مدينة اربد.

          خلافا لفنانين انتقاديين مصريين، يخافون من الظهور في التلفاز وحتى في الشبكات الاجتماعية، فان الاردن ما زال يسمح بهذه العروض من خلال مقاربة تقضي بأنه من الافضل الغناء في الانترنت بدل التظاهر في الشوارع. ولكن المظاهرات والمقالات الانتقادية لا تنقص البلاط الملكي. في الاشهر الاخيرة منذ أن صودق على ميزانية الاردن الكئيبة، تجري مظاهرات ليست كبيرة، لكنها دائمة، في مدن كثيرة في الدولة، من عمان واربد وحتى الكرك والسلط، وذروتها كانت في هذا الاسبوع عندما قام عشرات المزارعين باحضار فواكه ودجاج الى المظاهرة أمام البرلمان. بعد تسعة ايام تظاهروا ضد قرار الحكومة لرفع الضرائب على المنتجات الزراعية. حسب اقوال المبادرين للمظاهرة فان نحو 40 في المئة من المواطنين يعتاشون من الزراعة، وفرض ضرائب على منتجاتهم بنسبة يتوقع أن تصل الى 10 في المئة، سيؤدي الى تدمير هذا الفرع.

          الاردن يعتبر دولة مستقرة والملك فيها محبوب، لكن يتم اسماع انتقادات شديدة على "مقربيه". هذه نخبة تضم وزراء ومستشارين وأبناء عائلة واصحاب رؤوس اموال، الذين يعتبرهم الجمهور ليس فقط مستنقع للفساد، بل ايضا اشخاص مقطوعين عن الشعب وعبء على الملك، كما عبر عن ذلك في هذا الاسبوع كاتب المقالات الشهير طاهر العدوان. وحول موجة الضرائب التي توصف في الاردن مثل "التسونامي"، قررها رئيس الحكومة بمباركة الملك، لقد بدأت في كانون الثاني عندما قررت الحكومة رفع الضرائب الكبير على 164 سلعة منها سلع اساسية. مثلا سعر الخبز ارتفع بأكثر من 10 في المئة بعد أن الغت الحكومة الدعم الحكومي عنه، والمواصلات بحوالي 9 في المئة، والتبغ والسجائر بأكثر من 20 في المئة والرواتب بقيت على حالها.

          ولكن الاستقرار السياسي لا يعني الهدوء، والغضب العام على الغلاء والمعيشة هو عامل محرك يهدد عدة انظمة في الشرق الاوسط. ولا توجد أي ضمانة بأنه لن ينفجر ايضا في الاردن.

          الدين العام للحكومة يبلغ 40 مليار دولار، تشكل حوالي 95 في المئة من الناتج الاجمالي المحلي مقابل 71 في المئة في العام 2011. العجز في الميزانية هذه السنة يتوقع أن يكون اكثر من مليار دولار، وهناك من يقولون إنه سيقفز الى 1.7 مليار، ومعدل البطالة الرسمية يقترب من 18 في المئة. الاردن موجود في ازمة اقتصادية وفساد عميق بعد بضع سنوات من النمو الذي خلق الشعور بأن المملكة خرجت بسلام من التقلبات في المنطقة.

ولكن عندما تصل فقط 80 شاحنة من الاردن الى الحدود العراقية مقابل 600 شاحنة كانت تصل قبل سيطرة داعش على اجزاء من العراق، وبعد عدم تجديد السعودية ودول الخليج المساعدة التي تبلغ 3.6 مليار دولار لخمس سنوات، التي انتهت في 2017، فان الافق يبدو متكدرا والملك عبد الله الثاني الذي يحكم منذ 19 سنة المملكة، يسعى الى البحث عن التبرعات من مصادر اخرى.  ترامب تعهد بالفعل بمنح الاردن حوالي مليار وربع مليار دولار في السنة لمدة خمس سنوات، لكن رغم اهمية هذه المساعدات، إلا أن ثلثها مخصص للاحتياجات العسكرية. وحوالي الثلثين للمساعدة الاقتصادية التي سيذهب اغلبها كما يبدو لدفع الرواتب وليس من اجل التطوير الضروري جدا للمملكة.

    "نحن قلقون من اللحظة التي لا يكتفي فيها الجمهور بمظاهرات هادئة أو افلام قصيرة انتقادية"، قال للصحيفة محاضر كبير في جامعة عمان، الذي حصل على اللقب الثاني في اسرائيل. الاردن يعرف كيف يواجه المظاهرات السياسية مثل التي اندلعت بعد قرار ترامب نقل السفارة الامريكية الى القدس، ايضا تجاوزنا مظاهرات الانتفاضة الثانية تقريبا بدون اضرار، حيث كان الملك في حينه كان قد بدأ ولايته، لكن الآن الحديث يدور عن ظروف مختلفة، اكثر خطورة.

          المحاضر يشرح بأن البنية الديمغرافية في المملكة لا تشبه التي كانت قبل ست سنوات. "الاردن يستضيف حوالي مليون ونصف مليون لاجيء سوري، واذا اضفنا اليهم اللاجئون من العراق ومن الفلسطينيين، تقريبا ثلثي السكان هم لاجئون فقراء، وعلاقتهم مع الدولة واهية.

يمكنك تخيل أن المواطنين سيستقبلون بتسامح اصلاحات اقتصادية، لكن للاجئين لا يوجد مثل هذا الصبر". اغلبية اللاجئين السوريين يعيشون في المدن الكبرى، وفقط حوالي 20 في المئة يعيشون في مخيم اللاجئين الكبير الزعتري في شمال الدولة. حسب تقديرات الامم المتحدة، حوالي 85 في المئة من اطفال اللاجئين هؤلاء يعيشون تحت خط الفقر. هذا برميل مواد متفجرة يمكن أن ينفجر، ليس فقط ضد الحكومة، بل ايضا بين المواطنين واللاجئين الذين يتهمون بأنهم يسرقون مصادر الرزق للمواطنين. الضائقة تسببت ايضا بظاهرة جديدة وهي اعمال السطو على البنوك ومحطات الوقود والاملاك الخاصة بمستوى لم نعرفه في السابق.

          العلاج الذي اقترحه الملك هو كالعادة، تغييرات في الحكومة. اربعة وزراء اقيلوا في نهاية شهر شباط وبدلا منهم عين اربعة آخرون. ولكن المتظاهرين يطالبون باقالة كل الحكومة وحل البرلمان واجراء انتخابات جديدة. هذا الطلب كما يبدو رفض. ربما يستجيب الملك ايضا لطلبات المزارعين من اجل تهدئة الشارع. ولكن هذه خطوات صغيرة لا يمكنها ارضاء الاقتصاد الاردني والحاجة الى تطوير جوهري يوفر آلاف اماكن العمل بمستوى مرتفع لخريجي الجامعات الذين يضطرون الى الانتظار احيانا سنوات الى حين ايجاد مكان عمل مناسب لتأهيلهم. "رئيس الحكومة يطالب بأن يحكموا عليه في نهاية السنة، وفقط حينها أن يقرروا اذا كانت قراراته جيدة أو فاشلة"، كتب العدوان. "ولكن من الذي سيحدد الفشل أو النجاح، باستثناء غضب الجمهور الاردني في مظاهراته؟".