سقوط الوهابية المدوي في الغوطة .. الأفعى تعض على جراحها المتعفنة

نارام سرجون

 

 

 

لو اجتمعت الدنيا على قهر نظريات في الكتب فان هذه النظريات ستبقى حية تسعى بين الناس الى أن تتسلل من صفحات الكتاب الى الشوارع والارصفة والمقاهي .. وهناك اما ان تبقى او تموت .. فلاشيء يقتل النظريات مثل أن نضعها وجها لوجه مع الواقع والحقيقة كما نضع المحاليل في أنابيب الاختبار والقوارير وتعرضها للمثفلات والحرارة والتغيرات الكيميائية والفيزيائية .. فكل تناقض بين الواقع والنظرية يعني أنها غير قابلة للحياة .. وهكذا سقطت النظرية الشيوعية رغم مثاليتها .. فقد أعطيت الفرصة لتدير شؤون الناس لسبعين عاما .. ولكن مع أنها جاءت لانقاذ الناس الا انها لم تكن الحل المطلق لمشاكلهم وسقطت على الارصفة وفي الشوارع .. رغم أن فلاسفة كبارا مثل كارل ماركس ولينين وغيرهما كانوا يضخون الحياة في النظرية والدم الاشتراكي في عروقها لأنهم من اصحاب شعار (الشيوعية هي الحل) .. فانها لم تعش طويلا ..

كل من رفع نظريته لتكون هي الحل عليه ان يضعها وجها لوجه مع الواقع .. فان فشلت في بقعة واحدة فانها تصبح نظرية ناقصة وفيها عيب وخلل .. لأن البقعة التي فشلت فيها ستكون مثل انبوب الاختبار الذي كشف ضعفها .. وهنا أجدني أعترف أن النظريات الساقطة تقتل نفسها بنفسها وتنتحر عندما تحاول ان تتحول الى ظل للاله يظلل كل الكون .. وكلام للاله يناسب كل الكون .. وعقل للاله يستجيب له كل الكون .. وسيشهد العالم كل فترة سقوطا لنظريات ظن أصحابها أنها هي الحل .. ولاأستثني أحدا وخاصة أولئك المنظرين الغربيين الذين يبشرون بـ (الديمقراطية هي الحل) ..

أنا عشت العقود السابقة حائرا في التعامل مع نظرية الاسلام هو الحل .. وكان من المستحيل ان تخوض نقاشا منطقيا مع أجيال عاشت على هذا الحلم الذي وزعه الاخوان المسلمون كالأفيون بين العامة والجهلاء والمتعلمين والمثقفين حتى استوى الجاهل والمتعلم في لوم الذات وجلدها لأن دار الاسلام لاتطبق شرع الله ونصوصه القرآنية ولاتقيم الدولة الاسلامية ونظام العدالة والقصاص .. وان كل الأنظمة العلمانية هي جزء من المؤامرة الكبرى على الاسلام وهي أول من يجب ان توجه اليه البنادق والسيوف ليعود للاسلام ألقه ووهجه وبريقه الذي خبا بالعلمانية ..

أعترف أن كل شكوكي التي قلتها وعبرت عنها عن حتمية سقوط نظرية (الاسلام هو الحل) وكل الذرائع التي قدمتها لم تكن الا مثل قطرة ماء على بحر النار .. ولم أكن قادرا على هدم جدار واحد من هذه القلعة التي بنيت خلال تسعين سنة هي عمر الاخوان المسلمين ودعوتهم .. لأنني واجهت النظرية بنظرية .. وتبارزت النظريتان وتراشقتا بالادلة والبراهين والأمثلة والتاريخ .. ولكن لم تقدر واحدة منهما على الفوز بالضربة القاضية .. الى أن وقعت معركة الغوطة الشرقية التي حسمت الصراع بين النظريات رغم ان الحرب على سورية كانت أول تصدع وتشقق في نظرية الاسلام هو الحل عندما كشفت التنظيمات الاسلامية عن دموبتها وعنفها اللامحدود وقسوتها .. ولكن في الغوطة سقطت نظرية الاسلام هو الحل في أحد أهم معاقل الوهابية التي ترعرعت فيها لعقود .. وسقط معها حلم الاخوان المسلمين في بلاد الشام ..

ومن أسقط تلك النظرية هي مشاهد الهاربين من أرض (الاسلام هو الحل) .. وأرض جيش الاسلام .. ولم يكن الهروب الكبير للحشود بسبب الحرب ولا الخوف من المعارك بل كان هروبا حقيقيا من أرض الاسلام الوهابي في الغوطة .. وكل من يشكك بأن هؤلاء فروا من الغوطة خوفا من الحرب فما عليه الا أن يرى هؤلاء البسطاء والطيبين والفقراء المسلمين وهم يهربون كمن يفرون من ارض الطاعون وهم لايصدقون انهم نجوا من براثن نظرية (الاسلام هو الحل) .. الفقراء والضعفاء والغالبية الصامتة في الغوطة كانت تكيل السباب والشتائم لاصحاب المشروع الاسلامي الوهابي بمنتهى الصدق والعفوية والألم وتتبرأ من تلك اللعنة التي حلت على الناس باسم (الثورة السورية) التي حملت مشروع (الاسلام هو الحل) .. مشاهد لاتنتهي ووجوه لاتحصى تمر وهي تتمتم بالشكر على الخروج من (مكة) زهران علوش وشيوخ الاسلام الوهابي ..

ولم اعد بحاجة لأعد المخطوطات وألحم النظريات العلمانية بالنظريات الاجتماعية والفلسقية لتشكل درعا فلسفيا وعلميا ضد نظرية (الاسلام الاخواني هو الحل) .. ولم أعد بحاجة لخوض نقاش متعب مع أي ملتح لأجادله بالحجة والبرهان واقول له ان نظريتك غير قابلة للتطبيق ولاللحياة لأنها تفتقر الى روح الوطنية .. ولن انفق دقيقة واحدة في حواره بعد اليوم لأن من حاوره هم اولئك البسطاء الفقراء الهاربون من الغوطة .. بل سأحيله الى مايقوله هؤلاء الناس الناقمون من أهل الغوطة حيث (الجنة الاسلامية) .. وعلي فقط أن أذكره بأن الكلمة الناقصة في شعار (الاسلام هو الحل) هي الوطن .. والشعار الصحيح هو (الوطن هو الحل) .. والوطن فيه الاسلام والمسيحية والعلمانية والقومية وكل التيارات الانسانية .. ولكن عندما ترضع شعارك من أثداء الذئبات .. فانه يتحول الى سعار .. وتصبح أنت فيه مؤمنا مسعورا ومسحورا .. كما حدث مع كل من رفع شعار (الاسلام هو الحل) الذي هو نسخة أصلية من شعار (باقية وتتمدد) .. والخلافة على منهاج النبوة .. والخلافة العثمانية .. وكلها شعارات صارت مكروهة في بلاد الشام .. والدليل فشلها في كل مكان عاشت فيه .. حيث هرب الناس منها .. ورجموها .. وشتموها وهم من كانوا ينتظرونها ويحلمون بها ..

اني لا ارى في خروج المدنيين بهذه الطريقة الغاضبة من الغوطة الشرقية الا خروجا ورحيلا للتيارات الدينية الوهابية .. فعندما يفر الناس من النظرية .. فانها تبقى يتيمة منبوذة الى حين .. الى أن تنتحر .. أو تموت جوعا وعطشا ..

خرج الناس من الغوطة .. ولكن الغوطة تحررت من الوهابية تماما .. وتخلصت من براثنها .. فالغوطة تتطهر وتتنقى وترتقي .. ولا أدري كيف سيواجه كل عشاق نظرية (الاسلام هو الحل) .. وجهابذة المعارضة السورية "الذين يدافعون عن الشعب السوري منذ 7 سنوات" هذا الطوفان من الكراهية الذي حمله معه أهل الغوطة الشرقية .. بعد سبع سنوات من جنة الخلد في الغوطة الشرقية ؟؟ ..

فشكرا لكل الوهابيين الذين اطلقوا النار بانفسهم على النظرية وعلى الوهابية التي تعض نفسها اليوم في الغوطة كالأفعى الجريحة المثقوبة بالخردق والرصاص .. تحاول أن توقف التعفن في جسدها .. ولكن .. من يسمع الناس وهي تخرج عن صمتها وتعبر عن سخطها واحتقارها لمشايخ الكذب والنفاق يدرك ان الأفعى الجريحة يتعفن جرحها .. وستموت .