القهوة في يد والمسدس في اليد الاخرى

جاكي خوجي

 

معاريف 16/3/2018

سنة كاملة من التنكيل اختصرت في لحظة واحدة مكثفة يوم الثلاثاء من هذا الاسبوع. فقد انفجرت عبوة ناسفة على مسار سفر قافلة رفيعة المستوى وصلت من رام الله الى غزة. على رأسها كان رئيس المخابرات العامة الفلسطينية، ماجد فرج، الرجل الاعلى مرتبة في محيط ابو مازن، حليف أجهزة الاستخبارات الهامة في الغرب. في سيارة مجاورة، كان يجلس بارتياح رامي الحمد الله رئيس الوزراء الفلسطيني.

سؤال من وضع العبوة ومن شغلها أقل أهمية. من شبه المؤكد أن هذا فصيل صغير سعى الى احراج حماس امام العالم كله على تصلبها تجاه المعارضين والثأر من كبار رجالات السلطة على استخفافهم بسكان غزة ومعاناتهم. فالسلطة، لو ارادت، يمكنها أن تفعل اكثر وهي ترى القطاع يغرق في مجاري نفسه.

على مدى السنة الاخيرة حرم ابو مازن ورجاله حماس من الميزانيات، قللوا تمويل الكهرباء، رفضوا المصالحة، وهم يصرون على رفضهم أخذ السيطرة الحكومية على القطاع. وتتضمن هذه السيطرة مسؤولية امنية، ولكن بالاساس تلزمهم بالقيام باعمال اعادة البناء وضخ قليل من السيولة ينتظرها سكان القطاع كالاكسجين. اما حماس فتواقة للدعم من جانب اخوتها في رام الله. لقد ارادت جدا هذه الزيارة، وتوقعت من المسؤولين الكبيرين ان يأتيا ومعهما البشائر.

إذن من نكل بمن ولماذا؟ الجنرال فرج، الذي عرف من اللحظة الاولى أن حماس كانت ضحية محاولة العملية، وليست المبادرة لها، انتعش سريعا. فبعد دقائق من نجاته من القافلة، خرج الى الكاميرات (في لحظة نادرة) ووجه الاتهامات لمضيفيه. "من يسيطر في الميدان هو المسؤول عن الامن"، قال. وبعده تماما بدأ قادة السلطة يطلقون ترنيمات مشابهة. مثل اسرائيل، القوا المسؤولية عن الانفجار على حماس، مع علمهم أن يدها ليست في الفعل. وفي المساء انضم ابو مازن الى الاحتفال، واتهم حماس صراحة بالفعلة النكراء، على حد تعبيره.

في حماس تلووا بعدم ارتياح. في البداية شجبوا منفذي العملية، كائنا من كان. بعد ذلك اعربوا عن عجبهم بالهجمة المنسقة من رام الله. حافظوا على ضبط النفس ولم ينجروا الى الخلاف، بقدر كبير بفضل مساعي اللجم المصرية. ولغير الاقتباس، لم يكفوا عن شتم السلطة. يمكن للمرء أن يفهمه في هذه الحالة: فهجمة كبار رجالات السلطة كانت مخططة، وذات اساس متهالك. فقد كان هدفها التشهير بحماس، واظهارها كمن تحيك المؤامرات، كمن تحمل في يد ما القهوة وفي اليد الاخرى المسدس. وما لم يفعله الانفجار نفسه، الذي استهدف عرض حماس كعديمة السيطرة في الميدان، فعله فرج وجوقته بكلماتهم.

اما نحن، الاسرائيليين، فدرجنا على ان نتمنى للطرفين النجاح. يجدر بنا الانصات الى نداءات النجدة من رؤساء حماس، والتي تزايدت في الاشهر الاخيرة. نداءات تحذر ليس فقط من انهيار المصالحة (التي توجد في نزاع حياة وعمليا يبقى عليها بالتنفس الاصطناعي)، بل من انهيار حكمهم. أحد لا يريد هذا الانهيار، ولا اسرائيل ايضا. والوحيدون الذين سيكسبون منهم هم الاف السجناء السلفيين الذين تحتجزهم حماس في سجونها، واخوانهم في داعش سيناء. ومن شأنه ان ينبت شرين: انهيار انساني، يجعل القطاع منطقة مصابة بالمصيبة ويجبر اسرائيل على التدخل في صالحه، او ثورة لا مفر من المواطنين، تجتاح حكم حماس وتنجر الى اضطرابات دموية على الحدود.