محاولة حول "بيان ضد الفتنة وإشكالية الآخر"

زياد حافظ

 

 

قد تكون الفتنة التي تعمّ معظم الأقطار العربية إن لم تكن جميعها عنوانا للمرحلة الحالية وحتى للمستقبل القريب. بيان هيئة التحرير لمجلّة النهضة محاولة مميّزة لمقاربة الموضوع. وفي هذه المحاولة (essai/essay) سنتوقّف عند بعض النقاط التي أثارها البيان لأنها جديرة بالنقاش، وهذا ما يشكّل الجزء الأول لهذه المداخلة. أما الجزء الثاني فهو محاولة استشراف خارطة طريق للخروج من الحالة التي نجد أنفسنا فيها. والجزء الثالث هو مقاربة حول إشكالية "الآخر" التي هي مصدر ثقافة الاقصاء والتعصّب والغلو والتوحّش وأحد مصادر الفتنة والتي أساسها الخوف والجهل.

الجزء الأول - مناقشة بعض المفاهيم في البيان

أولا- حول مفهوم الصراع على الدين

في الحقيقة ناقش البيان عدّة مفاهيم، قد نتفّق على بعضها وقد نختلف. ففيما يتعلّق بمدخل البيان هناك محاولة لعنونة الفتنة كنتيجة ل "لصراع في الدين"، وذلك في مختلف الأديان. ليس المهم أن نوافق على المدخل أو نختلف معه غير أن "الصراع في الدين" هو "صراع على الدين" لأغراض سياسية بشكل عام ولتثبيت السلطة الفاقدة لشرعيتها. فالسلطة الفاقدة لشرعية تحتاج إلى غطاء الدين لوأد أي انتقاد أو تمرّد الذي يولد الفتنة. فالأخيرة أشدّ من القتل كما جاء في القرآن الكريم. فإسكات الصوت المغاير أوجد جدلية الصراع السياسي بين الحكّام والمحكومين عبر التاريخ البشري ولا يقتصر على المسلمين والعرب. لكن ما شهدناه في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين هو توسيل الدين (instrumentalization/instrumentalisation) لأغراض سياسية ليست فقط للوصول إلى السلطة أو التمسّك بها بل في صراعات مع أطراف لا تكفي السردية السياسية لتبرير الصراع وتداعياته. فالولايات المتحدة استعملت الإسلام في صراعها مع الاتحاد السوفيتي وبعض الدول العربية استعملت الدين في وجه الحركة التحرّرية العربية ومشروعها الاقتصادي الاجتماعي الذي يتناقض مع النخب الحاكمة التي أوجدها الاستعمار الأوروبي. وهذه الدول لم تكتف بتوسيل الدين بل ذهبت أبعد من ذلك في تحويل إن لم نكن تحريف وحتى تشويه مقاصد الدين الأساسية عبر تأجيج الفتن الطائفية ومن بعدها المذهبية والوحشية والغلو والتعصّب.

ثانيا-حول مفهوم الفتنة.

هنا لا بد أيضا توضيح مفهوم أو مضمون الفتنة. نعتقد أن العديد من المثقّفين العرب يعتقدون أن الفتنة مترسّخة منذ نشأة الإسلام. فظهور الخوارج، الذين في الأساس خرجوا على الخليفة علي بن ابي طالب (رضي الله عنه وكرّم وجهه) لأسباب سياسية، سرعان ما أخذت المنحى الديني التبريري التوسيلي للدين فكان إدخال مفهوم الحاكمية الإلهية في الخطاب السياسي الديني. ثم نشأت فرق الكلام وما نتج عنها من حراك فكري فمذهبي (معتزلة وأشعرية) ففلسفي. وبالنسبة للحراك المذهبي بين فرق الكلام نرى مكوّنات "سنّية" و"شيعية" ما يعني أن البعد السياسي لم يكن غائبا منذ البداية فتحوّل إلى سردية "دينية" خدمة للغرض السياسي.

في رأينا إن موضوع الفتنة مبالغ به في الفضاء الثقافي العربي المعاصر لأنه كبش محرقة أو كما يُقال في العامية "شمّاعة" يمكن تعليق عليها كافة المعضلات الفكرية والسياسية التي لا تريد أو تستطيع النخب، السياسية أو الثقافية، مقاربتها بشكل موضوعي. لسنا متأكدين أن الفتنة كما يقولون هي بين محور "أكثري سنّي" ومحور "أقلّي شيعي". الصراع هو سياسي في الدرجة الأولى بين محور، يزعم أنه يتكلّم باسم "السنة" ولكن في الحقيقة له أجندة سياسية جوهرها الزعامة على المشهد العربي والإسلامي في آن واحد، ومتحالف مع الولايات المتحدة والآن مع الكيان الصهيوني. بالمقابل هناك محور ظاهريا قيادته "شيعية" ولكن الوجود "السنّي" داخله وازن ويشمل كافة الوطن العربي وليس محصورا ببقعة بلاد الشام وبلاد الرافدين، وجوهر خطابه وسلوكه وعمله الميداني التصدّي للمشروع الأميركي الصهيوني. فالفريق الفاقد للحجة السياسية الغالبة يغلّفها بمظهر ديني للتخفيف عن الإخفاق أو لتحويل الأنظار عن جوهر الموضوع.

تمّ تصوير الحرب الكونية التي شُنّت على سوريا منذ شهر آذار/مارس 2011 والمستمرّة حتى كتابة هذه السطور في أواخر شهر كانون الأول/ديسمبر 2017، كحرب بين "أكثرية سنّية" منتفضة ضد حكم "اقلّي شيعي/علوي" بينما بالفعل كانت وما زالت حربا ضد دولة أرادت قيادتها وشعبها ألاّ تتماهى مع مشاريع التسوية في المنطقة، بل اختارت، وهي محقّة، الصمود ودعم المجهود المقاوم ضد الكيان الصهيوني. لم تكن الحرب على سورية ضد مساوئها (المطلوبة دوليا!) بل على محاسنها (المرفوضة دوليا وعربيا وصهيونيا!). كذلك تمّ تصوير الصراع في العراق بين "اقلّية سنّية" و"أكثرية شيعية" (لاحظوا إسقاط الهوية العربية للمكوّن الرئيس في كل من للعراق وسورية)، وأن جماعات التعصّب والغلو والتوحّش هي ظاهرة من ظواهر ذلك الصراع. فإذا كان الطرح صحيحا فكيف نفسّر الصراع القائم في ليبيا، أو في سيناء والصحراء الغربية المصرية حيث لا يوجد "شيعة"، أو قبل ذلك خلال العشرية السوداء في الجزائر؟  وكيف نفسّر الاعتداء على الكنائس في العراق وسورية ومصر؟ الصراع في هذه الأقطار هو لتفتيت ما قسّمه الاستعمار القديم بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط السلطنة العثمانية، وذلك لمنع أي إمكانية من التصدّي للحلقة الأخيرة في الصراع العربي الصهيوني، أي تصفية القضية الفلسطينية.

هذه القراءة لا تنفي وجود "فتنة" لكنه تمّ استغلالها من قبل قوى خارجية وعربية في آن واحد لتلاقي "المصالح المشتركة" في إنهاء القضية الفلسطينية وحركات المقاومة والتحرّر العربي. علينا أن نقرّ بنجاح ذلك الاستغلال، لتمرير كافة المشاريع المشبوهة.

هذه الفتنة مبنية على عقدة الخوف من الآخر. ولولا الخوف لما كان هناك مبرر للفتنة. أي تغذية الخوف من الآخر، بغض النظر عمن وما هو الآخر، يؤدّي إلى الفتنة. ومن هنا تبدأ مقاربة ضحايا الفتنة من زاوية الخوف. هذا ما بيّنته دراسات علمية في علم النفس أن عقدة الخوف من الصعب إلغائها وتتطلّب الكثير من الجهود وتغيير في البيئة المحيطة بالمجتمعات[1]. والخوف، المحرّك الأساسي للفتنة، يستفيد منه العديد من الفعّاليات الاقتصادية[2]. فتدمير البنى التحتية كنتيجة للفتنة ساهم في إثراء من يقدّم البدائل من خدمات كقطاع الكهرباء المدمّر أو شبكة المياه المعطّلة. فأصحاب شركات المستوردة للموّلدات الكهربائية ووقودها وأصحاب شركات المياه المعدنية الخاصة يستفيدون دائما من غياب البنى التحتية التي تدمرّها الفتنة. هذه مصالح قوية قد تكون بقوة أو أكثر من الدولة. فللفتنة اقتصاد سياسي يمكن اختزاله باقتصاد الحروب الداخلية والمستفيدين منها.

واستغلال الفتنة لا يعود بالضرورة إلى خلاف مزمن بين مكوّنات المجتمعات العربية بل بسبب ضعف الدولة العربية بعد الحرب العالمية الأولى والثانية في تحصين موقفها الداخلي ضد التدخّلات الخارجية. هنا لا بد من الإقرار أن الحدث الأكثر تأثيرا في تاريخ المنطقة العربية وما أدى إلى عدم استقرار وردود فعل عنيفة هو سقوط السلطنة العثمانية كما تردّده الباحثة والمفكرة الدكتورة عزيزة الهبري. هذا موضوع يستحق النقاش عند العروبيين[3] لأن كل ما حدث في المنطقة بدأ مع سقوط السلطنة. لذلك في رأينا، إن الفتنة ظاهرة للضعف وليست سببا مكوّنا له. صحيح أنها تغذّي الضعف لكن لولا الضعف البنيوي والمزمن أو التاريخي لما نجحت الفتنة. فالضعف يولد الخوف والخوف ينتج عنه الفتنة والفتنة تغذّي الضعف وهكذا دواليك.

ثالثا-حول الصراع السياسي.

فالمحور الذي تتزعّمه حكومة الرياض هدفه الحد من تمدّد نفوذ الجمهورية الإسلامية في إيران في المنطقة العربية بشكل خاص والعالم الإسلامي بشكل عام. فذلك المحور يعتبر أن مقاومة الاحتلال الصهيوني صنع "غير عربي" وأن ثقافة المقاومة "مستوردة" خاصة أن رموز حكومة الرياض يتباهون بالقضاء على العروبيين!!![4]  وتنامي النفوذ الإيراني ليس لأنه "شيعي" (فإيران الشاه كانت "شيعية" وحليفة لحكومة الرياض) بل لأن الجمهورية الإسلامية تبنّت، كلاما وفعلا، دعم القضية الفلسطينية بعد رحيل القائد الخالد الذكر جمال عبد الناصر. استفادت من الإخفاق العربي بشكل عام في دعم القضية وخاصة بعد خروج مصر من حلبة الصراع العربي الصهيوني والتلكؤ المتعمّد للدول النفطية وفي مقدمتهم حكومة الرياض. فدعمت إيران الجمهورية العربية السورية، التي كانت وما زالت ملتزمة بالقضية، وهي التي سعت إلى إيجاد توازن استراتيجي مع الكيان الصهيوني فأنجزت تحالفا استراتيجيا مع الجمهورية الإسلامية في إيران. اعتبرت حكومة الرياض بعد رحيل الرئيس السوري حافظ الأسد أن استكمال التحالف مع إيران هو "خروج" عن "الإجماع" العربي. كما لا بد من تذكير أن إيران دعمت بشكل ملحوظ المجهود المقاوم في فلسطين وفي لبنان بينما محور حكومة الرياض لم يقدّم إلاّ القليل إن لم نقل لا شيء!  بل يمكن القول أكثر من ذلك، فإن سياسة حكومة الرياض استبدلت "العداء" الفعلي لإيران بالعداء اللفظي للكيان الصهيوني. فهي تريد أن تجرّ كل الوطن العربي إلى ذلك التحوّل. لذلك أصبحت الحجة السياسية للمحور الذي تقوده الرياض ضعيفة فكان لا بد من اللجوء إلى البعد الديني لإعطاء مصداقية لطرحها السياسي. فكانت الفتنة التي أشعلتها ودعمتها بكل ما تملكه من وسائل مالية وعسكرية لإحباط المشروع المقاوم.

هذا لا يعني أن الجمهورية الإسلامية في إيران معصومة من الأخطاء. فاستفادتها من سقوط العراق على يد الأميركيين نتج عنه موجة مذهبية ضد المكوّن السنّي قادته جماعات عراقية موالية لحكومة طهران. كما أن تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين حول مدى نفوذهم في عدد من الدول العربية عزّز السردية التي تطلقها حكومة الرياض حول رغبة طهران في الهيمنة على المقدّرات العربية في المشرق العربي والجزيرة. فأطلقت حكومة الرياض سردية مرادفة تنطوي على العداء على كل ما هو إيراني بحجة أنه "فارسي صفوي" (متناسية سياسات الشاه المخلوع والحليف). فمع تشجيع الفتنة المذهبية انطلقت فتنة عنصرية ساهمت من حيث تدري أو لا تدري القيادات الإيرانية على تغذيتها بسبب الشعور بفائق القوة.

إن ما شهدته المنطقة العربية من صراع دامي ومدمّر لكل شيء هو صراع بين المحورين السياسيين وإن اتخذ طابع الصراع بين "اعتدال" أو "تتطرّف" في الصراع العربي الصهيوني، أو بين "الدولة" و"جماعات التعصّب والغلو"، أو بين "محور سنّي" و"محور شيعي". فجميعها في رأينا عناوين متعدّدة لنفس الصراع خُلقت للتمويه عن يقين الصراع أي الصراع العربي الصهيوني. فالصراعات "الأخرى" ليست إلاّ مسمّيات أفرزتها دوائر الاستعمار القديم الجديد والتي روّجت لها وسائل الاعلام العربي المموّل نفطيا والتابع لمحور هدفه الأخير تصفية القضية الفلسطينية، ومعها كافة أشكال ثقافة المقاومة (التي أصبحت في نظر تلك الدول "إرهابا").

وإذا كان الصراع على السلطة يستوجب السيطرة على الدين وتفسيره لأغراض تخدم السلطة فالمشكلة لم تعد كامنة في الدين أو في مؤسساته على الأقل فيما يتعلّق بالإسلام. بعض المستشرقين كالأميركي ريتشارد بوليت يعتبر أن الصراعات بين المسلمين يعود إلى فقدان سلطة دينية مركزية كالكنيسة[5]. المشكل تكمن في السياسة وسلوك البشر للحصول والتمسّك والحفاظ على السلطة. هذا في العصور الماضية. أما اليوم فيؤكّد البيان أن الصراع على السلطة تركّز على السيطرة على الدولة. قد يتوقف المرء على إيجاد الفرق بين الصراع على السلطة والصراع على الدولة وما أدّى إلى تفكيكها في الحدّ الأدنى أو إلى تدميرها في الحدّ الأقصى.

مستشرقون آخرون أرادوا إيجاد البعد الفكري والثقافي للصراع الذي يضرب العرب والمسلمين. فالكاتب روبرت رايلي، في كتاب تمّ ترويجه في الغرب كما في الوطن العربي وفي الدول الإسلامية، يعتبر أن التأخّر في بلاد العرب والمسلمين يعود إلى صراعات فكرية وسياسية كان سببها "إغلاق العقل"[6].  وسبب "إغلاق العقل" هو نقض الفكر المعتزلي وتبنّي الفكر "الأشعري". أي بمعنى آخر فإن لا مكان للعقل في الإيمان خاصة وأن العقل يسال عن كل شيء. فالشريعة منزلة ولا يمكن نقدها أو التساؤل فيها وعنها. أما نهضة العرب والمسلمين في السابق فتعود وفقا للكاتب إلى تبنّي الفكر اليوناني العقلاني. طبعا، هذه الرؤية لا تخلو من التبسيط والاختزال وقد قمنا بمراجعة نقدية لذلك الكتاب[7]. ليس هدف هذه المحاولة شرح المغالطات الاستشراقية التي وقع فيها روبرت رايلي لكن هناك من يستثمر في الصراعات القائمة ويعمل على تدمير التراث الفكري والديني بحجة ضرورة "العودة إلى العقل". لسنا من ذلك الرأي ولدينا كتابات ومواقف مناقضة لذلك الطرح. بل نذهب إلى أبعد من ذلك فندعو إلى ضرورة إيجاد منظومة معرفية عربية في العلوم السلوكية (behavioral sciences) نابعة من واقعنا وتجربتنا عبر التاريخ وليست مستوردة[8].

رابعا-حول مفهوم الدولة.

في هذا السياق تبيّن لنا أن الفكر العربي الإسلامي في العصر الذهبي لم يبلور نظرية للدولة. فهناك التباس عند المثقّف العربي والمسلم حول مفهوم الدولة ربما لأن ذلك المفهوم تبلور منذ فترة قصيرة نسبيا في الغرب. فحتى قيام الثورة الفرنسية لم يكن هناك فارق بين الدولة والسلطة. الكلمة المأثورة للملك الفرنسي لويس الرابع عشر اختزل في شخصه الدولة: "الدولة، أنا". ونعتقد أن في التاريخ العربي الإسلامي مفهوم الدولة كان يحجبه مفهوم السلطة. لدينا "أحكام سلطانية" تفسّر مختلف أنواع الحكم والسلطة ولكن ليس هناك من كلام حول "الدولة". تغيّر الوضع في القرن العشرين والحادي والعشرين حيث عالج المثقّف العربي مفهوم الدولة ولكن في رأينا من منظور غربي، أي المفهوم الغربي للدولة. لم ينتبه المثقّف العربي أن مصطلح "دولة" في اللغات الأوروبية جذوره تعود إلى المصطلح اللاتيني الذي يشير إلى شيء ثابت. فكلمة “” state أو "état" أو "stadt" أو "estado" يدلّ على شيء ثابت بينما جذر مصطلح "دولة" في اللسان العربي يدلّ على شيء متحرّك. فكيف يمكن أن يكون نفس المفهوم أساسه شيئين متناقضين؟  في رأينا، تبنّى المثقف العربي مفهوم المصطلح الغربي علما أن المصطلح العربي يخالف مضمونه جذور المصطلح. الدولة شيء ثابت (نسبيا) بينما السلطة متحرّكة وتتداول مع الأشخاص وبين الأشخاص. وحتى السكّان والإقليم المكوّنان مع السلطة لمفهوم الدولة قابلين للتغيير ومن هنا "نسبية" الثبوت، فعن أي "ثبات" يعنيه المصطلح الغربي أو العربي؟

لم نورد هذه الملاحظة من باب السفسطة اللسانية بل للتنبيه أن الدقة في المفاهيم ضرورة لعدم الوقوع في التباسات قاتلة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك تحوّلات في الفكر الغربي في مفهوم أو حتى في ضرورة الدولة. فالتحوّلات في النظام الرأس المالي يفضي إلى تمركز القرار الاقتصادي بيد القلّة والتي لا تريد أن تتقيّد بحدود الدولة. الغرب يشهد جدلية إن لم يكن صراعا بين الدولة التي لها شروطها وقوانينها وامتداداتها على مساحات جغرافية واسعة وبين الشركات التي لها شروطها وقوانينها وامتداداتها العابرة للحدود بل للقارات. كما أن في الغرب صراع حول دور الدولة في ضبط إيقاع التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي. فهناك من يطالب بدور متدنّي للدولة وهناك من يطالب بدور أكبر مما هو عليه. ويتفاقم هذا الصراع ليأخذ أبعاد المؤامرة على الدولة الأمة. خطابات الرئيس الفرنسي الجديد مانويل ماكرون وتصريحات رئيس الوزراء الاسباني تفضي إلى قوّامة مؤسسات الاتحاد الأوروبي على مؤسسات وقوانين الدولة العضوة في الاتحاد. الرئيس الفرنسي يذهب إلى أبعد من ذلك ويقول إنه ليس هناك من ثقافة فرنسية بل هناك "ثقافة" في فرنسا[9].  فأين موقف المثقّف العربي من تلك الإشكالية وهل تعنيه فعلا؟

أخذ مفهوم "الدولة" حيّزا كبيرا في الفضاء الثقافي والفكري السياسي العربي. قد يكون من المفيد إعداد مسح أو دراسة شاملة وسنجد أنه ليس هناك من تعريف واحد أو تصوّر مشترك عربي لذلك المفهوم. ليس هدفنا مراجعة ومقاربة تلك المفاهيم المتعدّدة غير أنها تصبّ في الالتباس حول المفهوم.

فالدولة بمفهومها المعاصر نشأت مع الثورة الصناعية في الغرب لحماية العلاقات الجديدة في الإنتاج سواء في حدود ملكية وسائل الإنتاج أو في العلاقات الاجتماعية الناتجة عن ذلك الإنتاج. أما اليوم فمفهوم الدولة يتغيّر بسبب التحوّلات في البنية الرأس المالية التي كانت تدعم الإنتاج الفعلي والتي أصبحت اليوم داعمة لإنتاج ثروة افتراضية عبر التركيز على الاقتصاد الريعي والمضاربات المالية والعقارية. أما في الوطن العربي فثقافة إنتاج الثروة عبر المجهود الإنتاجي مغيّبة أو مهمّشة إلى حدّ كبير. فالثروة مصدرها الريع وفي الماضي كان مصدرها اقتناص مجهود الغير عبر الغزو أو بالتراضي عبر التجارة[10]. وبالتالي دور "الدولة" في الاقتصاد الريعي هو توزيع الريع وليس إنتاج الثروة[11]. والتوزيع يأتي وفقا لسلّم أولويات من القرابة والولاء للحاكم. فعندما تطرح ورقة هيئة التحرير مفهوم الدولة المدنية للخروج من أتون الفتنة علينا أن نسأل عن أي مفهوم للدولة تقصده، وهل هذه الدولة ممكن إقامتها ضمن موازين القوّة القائمة داخل القطر العربي؟

من مفارقات الدهر أن مفهوم الدولة في الغرب يقترب من المفهوم العربي التاريخي إذا جاز الكلام. ففي الولايات المتحدة تتحوّل الدولة، وإن ببطء، إلى سلسلة مؤسّسات همّها الأساسي إعادة توزيع الثروة ولكن من الطبقات المتوسّطة والفقيرة إلى الطبقات الميسورة أو الأثرياء. فقانون الضرائب الجديد في الولايات المتحدة الذي أقرّه الكونغرس الأميركي في شهر كانون الأول/ديسمبر 2017 يحتوي على تخفيض الضرائب على الشركات من نسبة حوالي 39 بالمائة إلى 21 بالمائة، بينما سترتفع النسبة على الطبقات المتوسطة في حلول عام 2019 إلى 25 بالمائة[12]. الدولة ستصبح موزّعة للريع الذي أصبح المصدر الرئيسي للثروة في الولايات المتحدة. بالمقابل، كانت الدولة في العهد الذهبي الإسلامي توزّع الغنائم والمكاسب على الرعايا وفقا لسلّم الولاءات والمقرّبين من صاحب القرار في السلطة. أما الخدمات الاجتماعية فكانت من مسؤولية الأوقاف. الدولة لم تكن معنية بذلك بمقدار ما كانت معنية في صكّ العملة، وحماية الإقليم، وبناء التجهيزات التحتية. هذا المفهوم يقارب ما يطالب به المحافظون الأحرار ((libertarians في الولايات المتحدة. فهناك حذر غريزي من تمدّد الدولة إلى قطاعات المجتمع. وتعزّز هذا الحذر مع تفاقم الفساد والقمع في الدولة الحديثة في البلدان العربية حيث أصبحت الدولة "معادية" للمواطنين. فالدولة التي لا تؤمّن بيئة للقمة العيش بحد أدنى من الكرامة، أو الدولة التي لا تستطيع أن تحمي المواطن في الداخل ومن اعتداءات الخارج تفقد مصداقيتها عند المواطن. فالأخير إما يلجأ للهجرة أو للمعارضة سواء كانت سلمية أو عنيفة.

ما زالت الدولة العربية "الحديثة" تقوم بذلك التوزيع إلاّ في حقبة الرئيس جمال عبد الناصر حيث أرسخ مفهوم الدولة التي تقوم برعاية المواطنين عبر تقديم الخدمات الاجتماعية وحماية الاستخدام ومكافحة البطالة. لكن بعد رحيله تمّ ترويج لثقافة "الليبرالية الاقتصادية" التي تتنافى مع دور الدولة في تأمين الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية. فباستثناء العراق قبل الاحتلال وسورية حتى اليوم لم تعد الدولة مهتمة بشأن المواطن. دول الخليج النفطية كانت تقدّم هذه الخدمات من باب الرشوة الاجتماعية تحت شرط عدم المسائلة والمحاسبة ولكن مع هبوط أسعار النفط وزيادة السكاّن أصبح استمرار تقديم تلك الخدمات عبئا على خزينة الدولة. فالتفريط بالخدمات قد يشعل حراكا شعبيا مطلبيا، وهذا ما حصل في البداية في ربيع 2011 لكن سرعان ما تمّ خطف ذلك الحراك لأجندات مشبوهة هدفها تدمير ما تبقّى من أجهزة الدولة وليس لتغيير النظام السياسي أو سلوك الحكم[13].

الجزء الثاني-الخروج من الفتنة؟

الفتنة ظاهرة ونتيجة الضعف البنيوي في المجتمعات العربية وفي تركيبة الدولة/السلطة. صحيح أن العلاقة عضوية ((organique بين الضعف والفتنة ومن الممكن اعتبار العلاقة شبيهة بعلاقة "البيضة والدجاجة". فكلاهما تولد الأخر. لكن في رأينا، نميل إلى تبنّي فرضية الضعف كممكّن للفتنة إن لم يكن مسبّبا لها وذلك لعدّة أسباب.

السبب الأول هو أن أسباب الفتنة موجودة في كل المجتمعات البشرية وليست خاصة بالعرب أو المسلمين وإن يتمّ تسليط الأضواء عليهم بشكل مكثّف وذلك لأغراض سياسية واضحة. فالهجوم على العرب والمسلمين مزمن وبالتالي شيطنتهم عبر وسائل مختلفة ضرورة لاستمرار سردية أنهم غير جديرين بحكم أنفسهم وأن لا بد من إخضاعهم لقوى التمدّن والقيم الإنسانية على حد قول أعداء الأمة والمسلمين[14]. والعنصرية هي منتوج إشكالية "الآخر" التي نشأت في الغرب في القرن التاسع عشر وكانت مبرّرا للمغامرات الاستعمارية كما أوضحه الكاتب اللبناني الدكتور جورج قرم[15] والتي سنناقشها في مقطع لاحق.

السبب الثاني هو توسيل الفتنة. الروائي الفرنسي اللبناني الأصل أمين معلوف شرح في رواية مشهورة له "صخرة طانيوس"[16] كيف استطاع كل من المندوب الفرنسي والمندوب البريطاني في إحدى القرى اللبنانية استغلال الحزازات القروية وتطويرها إلى تناحر طائفي وفقا لمبدأ "قرّق تسد". الفتنة وسيلة أكثر مما هي حالة قائمة بحد ذاتها. جاء في القرآن الكريم: "لو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين"(هود 118).

والفتنة في اللسان العربي لها معاني متعدّدة متقاربة ولكن مختلفة وهذا من سمات اللسان العربي في الدقّة. فمن بعضها الامتحان والاختبار أو الابتلاء، ومنها المحنة. ففي الكتاب والسنة فالمحنة هي الصدّ عن السبيل كما جاء في القرآن الكريم: "واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك" (المائدة 49)، أو العذاب في قوله تعالى: "ثم إن ربّك الذين هاجروا من بعد ما فتنوا (النحل 110)، أو الشرك والكفر: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة (البقرة 193)، أو الوقوع في المعاصي والنفاق كقوله تعالى: "ولكنّكم فتّنتم أنفسكم وتربّصتم وغرّتكم الأماني" (الحديد 14)، أو القتل والأسر في قوله تعالى: "وإن خفتكم أن يفتنكم الذين كفروا" (النساء 101)، أو اختلاف الناس وعدم اجتماع قلوبهم في قوله تعالى: "لأوضعوا  خلالكم يبغون الفتنة" (البقرة 277). هذه بعض المعاني وليست جميعها.

قراءتنا الخاصة لهذه المعاني تعني أنها ترمز لمراحل مختلفة في مسار الفتنة. فمن الاختلاف إلى الضلال إلى الانحراف إلى الكفر إلى القتل فكأنها مراحل متكاملة لحالة ضعف بنيوي في سلوك الانسان والتي تشير إلى الخوف والضعف: "إن الانسان خُلق هلوعا" (المعارج 19) وقوله تعالى: "خُلق الانسان ضعيفا" (النساء 28). والسؤال يصبح كيف يمكن معالجة كل ذلك، أي الاختلاف، والضلال، والانحراف، والكفر، والقتل؟ كيف يمكن طمأنة المجموعات الخائفة؟  كيف يمكن معالجة إشكالية الآخر؟  كل هذه الأسئلة مترابطة وقد تشكّل أوجها مختلفة لنفس المسألة.

أولا-مقاربة أسباب الفتنة وأشكالها.

لا نعتقد أنه هناك وصفة واحدة سحرية تستطيع أن تعالج مأساة الفتنة التي تستنزف المجمعات العربية. فالقضية مركّبة ومعقّدة، وبالتالي الحل يجب أن يحاكي التركيبات والتعقيدات كما أن البعد الزمني يزيد من الصعوبة. فمع مرور الوقت دون معالجة، تترسّخ مفاهيم ومواقف لتصبح متحجّرة صعبة التعامل معها. كما أن تفكيك مفاصل التشخيص الدقيق للفتنة يخضع أيضا إلى توقيت دقيق وسلّم أوليات من الصعب تجاوزه. فعلى سبيل المثال كيف نعالج عقدة الخوف؟  هل نبدأ بإيجاد ما سمّته ورقة هيئة التحرير ب "الدولة المدنية"؟  وهل هناك إمكانية لإيجاد تلك الدولة قبل حلّ عقدة الخوف؟  وهل بناء الدولة ممكن في حال الشرذمة القومية؟ وهذا يستدعي سؤالا آخرا أي هل الهدف إعادة بناء الدولة القطرية دون النظر إلى الترابط القومي؟ فمن أين نبدأ من أصعب الأسئلة التي تواجه المثقف العربي والمسلم المعني بنهضة الأمة.

فلكل شكل من أشكال الفتنة مقاربة خاصة بها وإن تشابهت المعالم فيها. فالفتنة الدينية غير الفتنة العرقية. وهذان النوعان من الفتنة يختلفان مع أو عن الفتنة الفكرية والفتنة الثقافية. ومن يتنكّر لوجود فتنة فكرية وثقافية يجهل مدى تأثيرهما على الفتنة الدينية أو المذهبية أو حتى العرقية. ليس باستطاعتنا أن نقارب كل ذلك في هذه المحاولة لضيق المساحة المتاحة لنا. لكن سنركّز على بعض النقاط التي نعتقد أنها أساسية في فهم ملابسات الموضوع. وهذا التركيز قد لا يخلو من بعض الاستنسابية لكنه ينسجم مع ما يمكن طرحه من مشاريع حلول.

لكن هذه الملاحظات لن تغيّب حقيقة البعد السياسي للفتنة، كسبب وكنتيجة، التي تفتك في المشرق العربي، وهنا نخصّ بالذات الفتنة السنّية الشيعة. الفضاء الثقافي العربي عالج عبر عقود من الزمن في القرن الماضي والألفية الثالثة ما تمّ تسميته ب "الفتنة الكبرى". لن نخوض في جذور هذه الفتنة لكننا نركّز أنه تمّ توظيفها من قبل الغرب بشكل عام والكيان الصهيوني وبعض الدول العربية. فالفتنة تمّ إشعالها مع الاحتلال الأميركي للعراق والاستثمار الذي حصل من قبل بعض الدول العربية في ذلك الاحتلال وبعض مكوّنات الشعب العراقي والاستفادة الكبيرة للجمهورية الإسلامية من العمل الأميركي في القضاء على الدولة العراقية بلباسه العروبي التحرّري. المزاج العربي العام هو في تركيبته "سني" واعتبر احتلال العراق هجوما على عروبة السنّة. فنزع عروبة العراق من الدستور الذي فرضه الاحتلال الأميركي على قاعدة المحاصصة الطائفية والعرقية أوجد بيئة الفساد والاستبداد فما بالك عن التبعية التي أوجدها الأميركي؟ سلوك القيادات العراقية التي أفرزتها "العملية السياسية" وسياسة الاقصاء والاجتثاث لحزب البعث ساهم في تغذية النعرة المذهبية. فأوجدت بيئة حاضنة لحركات تعصّب وغلو ضد إفرازات العملية السياسية.

أما اليوم فحكومة الرياض ومعها ثلّة من دول الخليج تغذّي المذهبية في بلادها وفي الوطن العربي. فالحنق من تعاظم دور الجمهورية الإسلامية لا يعود لأنها "شيعية" بل لأنها ملئت الفراغ الذي أوجده خروج مصر من حلبة الصراع العربي الصهيوني وعجز دول الجزيرة العربية في ملء الفراغ رغم المال الذي تتمتع به. فلا ننسى أن شاه إيران "الشيعي" كان حليفا لكل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ودول الجزيرة العربية. فالمسألة أولا وأخير هي فلسطين، والفتنة هي لمنع تظافر القوى في مواجهة الكيان الصهيوني واسترجاع الحق العربي المسلوب في فلسطين. فهناك من يريد أن "ينسى" فلسطين بينما هناك قوى ما زالت تعتبر فلسطين قضيّتها الأولى.

في هذا السياق نلفت النظر أن فلسطين والقدس توحدّان الأمة العربية والإسلامية. فاعتداءات الصهاينة وصلافة الإدارة الأميركية بحق فلسطين والقدس والفلسطينيين توحّد الشارع العربي والإسلامي. الوحدة حول فلسطين وأدت الفتنة وستستمر بذلك حتى التحرير الكامل.

أما في سائر أنحاء الوطن العربي فإن الفتنة هي بين مجموعات التعصّب والغلو والتوحّش المموّلة والمدرّبة والمدعومة عسكريا من قبل الغرب وبعض الدول العربية هو لتفتيت الدول العربية في الحد الأقصى أو في الحد الأدنى للمزيد من إضعافها كي لا تقف كسدّ منيع ضد مشاريع الهيمنة الغربية. لا ننسى أن محاولات فرض "شراكة" أوسطية ومشاريع مشابهة أجهضتها الدول التي كانت متحالفة مع الغرب. فحتى ذلك "التحالف" لم يكن كافيا بل أصبح ضروريا تفكيك الدولة القطرية لمصلحة مؤسسات عابرة للقارات التي تحت غطاء مؤسسات كالشراكة الأورو أوسطية أو ما يشابهها. وهذا التوجّه ليس موجودا فقط في الوطن العربي بل أيضا في أوروبا والولايات المتحدة حيث مفهوم الدولة الوطنية أو الدولة الأمة يتعرّض إلى هجوم من قبل قوى العولمة التي لا يمكن مسائلتها ومحاسبتها. أما في الوطن العربي فتفكيك الدولة القطرية حوّل الاهتمام من حلم إقامة دولة الوحدة إلى همّ الحفاظ على الدولة القطرية في وجه مشاريع التفكيك. نعتقد أن المحافظة على الدولة الوطنية لن يتمّ إلا عبر ترويج ثقافة الوحدة (المتلازمة مع ثقافة المقاومة) تمهيدا لإقامة دولة الوحدة لأن في الوحدة قوّة وفي القوّة حصانة ومناعة، وفي المناعة يتراجع الخوف من "الآخر" سواء كان من الخارج أو من الداخل.

الخط البياني لمعالجة قضية الفتنة يبدأ باعتبار أن الفتنة ظاهرة ضعف بنيوي في المجتمع والدولة وتغذّيه عقدة الخوف. فالحل يكمن إذا في إيجاد حلول للضعف ولتبديد عقدة الخوف.

أما سبب الخوف فهو الجهل أو قلّة المعرفة. الخوف من الآخر يعود أولا وأخيرا أن الأنسان يخشى ما لا يفهمه أو لا يعلم عنه شيئا. هنا تكمن أهمية البرامج التربوية في نشر ثقافة الجهل إذا جاز الكلام عبر التركيز على الخصوصيات والهويات الفرعية التي تغذّي الجهل وبالتالي الخوف من الآخر. وموضوع التربية والبرامج التربوية المعتمدة في عدد من الدول العربية يستوجب نقاشا لا نستطيع مقاربته في هذه المحاولة إلاّ تأكيدنا على علاقة تلك البرامج بترويج ثقافة شيطنة "الآخر"، بغض النظر من هو "الآخر".

ثانيا-الضعف البنيوي

الضعف البنيوي في المجتمعات العربية وأشكال الدولة المختلفة في الوطن العربي ليس خاصا بنا بشكل عام. فالمجتمعات البشرية تشكو بشكل أو آخر من هذا الضعف. فعلى سبيل المثال، وخلافا ما يُشاع أو تعتقد النخب العربية، فإن الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص يشكون من ضعف بنيوي يعود إلى تراكمات التاريخ كما إلى سياسات خاطئة وإلى التباس في المفاهيم. لقد اوضحنا هذه النقاط في سلسلة من مقالات[17]لاقت في البداية تحفظات وشكوك ولكن مع الوقت أصبحت مقبولة بل أصبحت جزءا من القاموس السياسي في التحليل حيث تراجع الاعتراض على مقولة "تراجع" أو "افول" الولايات المتحدة. والضعف البنيوي يعود بالدرجة الأولى إلى نظام سياسي يدعو لفظيا إلى "ديمقراطية" بينما في الواقع هو ليس إلاّ اوليغارشية أو حكم القلّة، أو حتى بلوطوقراسية أو حكم المال، أو حتى كلبتوقرسية أو حكم اللصوص. فالفضائح المالية التي أدّت إلى ازمة عالمية 2008 بسبب جشع المؤسسات المالية المتحكّمة بالقرار المالي والاقتصادي الأميركي تمّ التستّر عنها. فمع ذلك النظام المهترئ يعمّ الفساد في مختلف أروقة الحكم والدولة بما فيه القضاء[18] الذي يمجّدون بنزاهته.

أما في الوطن العربي فالضعف البنيوي يعود إلى فقدان شرعية صحيحة لأشكال الحكم. فليست هناك من شرعية شعبية للسلطة القائمة وليس هناك من مسائلة ومحاسبة للسلطة. فالشرعية الوحيدة الموجودة في معظم الدول العربية هي "شرعية الأمر الواقع"[19]. فالحراك الشعبي الذي انفجر في آذار/مارس 2011 حمل شعارات ضد الفساد، والتبعية، والاستبداد، ما يشير إلى أكثر من تململ واضح من "شرعية الأمر الواقع". الجماهير العربية تعي تلازم الأوبئة الثلاثة أكثر من النخب الحاكمة. وربما بلورة هذه الشعارات من الإيجابيات القليلة التي أفرزها الحراك الشعبي والذي تمّ تسميته ب "الربيع العربي". وهذا قبل اختطافه من قبل قوى صاحبة أجندات مشبوهة هدفها ليس إسقاط النظام بل إسقاط الدولة كما أوضحه المفكّر عبد الاله بلقزيز في ورقة مميّزة حول آليات التفكيك في الوطن العربي[20].

بنية النظام الرسمي العربي ترتكز إلى سلطة محصورة بيد القلّة، وهي إجمالا عائلة تهيمن على المؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وإلى اقتصاد ريعي تحصده وتعيد توزيعه على ثلّة من المقرّبين والموالين لنظام الحكم. تلازم التسلّط مع الاقتصاد الريعي يغذّيه الفساد الذي أصبح أداة للحكم ولتوزيع الثروة وفقا لأولويات الولاء. وبما أن النظام فاقد لشرعية شعبية أو حتى لشرعية ثورية فلا بد أن يلجأ إلى حماية خارجية. والحماية الخارجية ليست مجّانية بل مكلفة على صعيد الاستقلال الوطني الحقيقي وعلى صعيد الاقتصادي. هنا تتوافق مصالح الاستعمار القديم الجديد والصهيونية والرجعية العربية في الحفاظ بل على القتال المستميت لاستمرار الحلقة المفرغة التي تمثلها التبعية والفساد والاستبداد. من هنا نفهم ثلاثية الشعارات الاحتجاجية المرفوعة ضد الفساد والاستبداد والتبعية للخارج.

لكن هذه الثلاثية لا يمكن كسرها في رأينا من منظور قطري. فلا تنمية سياسية ولا استقلال فعلي ولا تنمية اقتصادية ولا عدالة اجتماعية في ظل وجود احتلال خارجي لأراض عربية بدءا بفلسطين والعراق وسورية ولبنان. فالسرطان المزروع في الجسم العربي، والذي يمثّله الكيان الصهيوني مع امتداداته الدولية (الغرب بشكل عام) والرجعية العربية إضافة إلى وجود قواعد عسكرية غربية في أقطار عدّة، يتناقض مع أي محاولة تغييرية فعلية تريد أن تفرضه القوى الحيّة في المجتمعات العربية. كما أننا نشكّ في إمكانية إقامة أي تنمية اقتصادية ضمن الحدود المرسومة للدولة القطرية. فالحدود موروثة من حقبة استعمارية لا تحاكي ضرورات الروابط القومية ولا ضرورات التنمية ولا منطق الجغرافيا والتاريخ، بل كانت استنسابية فقط لا غير أو لخدمة مصالح المستعمر. فالدولة القطرية فشلت على مدى أكثر من سبعة عقود من "استقلال" وهمي (باستثناء حقبة الرئيس عبد الناصر والمد التحرّري الذي انتشر إلى كل من سورية والعراق والجزائر وليبيا واليمن). ما نسمّيه بقوى الثورة المضادة، بقيادة الدول النفطية الخليجية، قوّدت المدّ التحرّري. فأخذت زخمها بعد رحيل الرئيس الخالد الذكر مع ارتفاع (صدفة؟؟) لأسعار النفط لتمكين دول غير مؤهّلة ثقافيا وحضاريا لقيادة الأمة بل لتكريس التبعية والفساد وهدر الثروة الوطنية والقومية والتطبيع مع الكيان الصهيوني ومهادنة قوى الهيمنة الأميركية.

ثالثا-عقدة الخوف

النظام الرسمي العربي بيئة طبيعية للفتنة. واستمرارية النظام القائم مبنية على عاملين: عامل القمع وعامل الخوف. فالعاملان متلازمان. القمع يولد الخوف من ويلات الاحتجاج. كما أن الخوف من انفراط عقد السلطة يؤدّي إلى الفوضى. فالخوف من القمع يلازمه الخوف من الفوضى. كما أن الجهل يعزّز الخوف فتُستكمل الحلقة المفرغة. ولكن القمع ليس مؤشرا للقوة بل مؤشرا لضعف في شرعية وجود النظام القائم.

تظهر عقدة الخوف عند مكوّنات المجتمع والدولة عندما تظهر معالم الضعف. وذلك الضعف يقود النخب الحاكمة إلى التفتيش عن "شرعية" ما لتثبيت شرعيتها المتلاشية بسبب ظروف موضوعية وذاتية وخاصة إذا ما امتزج الموضوعي بالذاتي. فالسياسات الخاطئة (فعل ذاتي) يولد وقائع تصيب بالخلل التوازنات الداخلية والخارجية وتخلق بيئات تعمّم وتكرّس الخلل (فعل موضوعي). فالبحث عن شرعية للاحتجاج سرعان ما يتحوّل إلى البحث عن محاكات غرائز مدفونة ك "الخصوصية" أو "الهوية المهدّدة" من قبل المعارضين للوضع القائمة. الخوف ينشأ عندما تقدم فئات حاكمة أو محكومة على رفض وضع قائم بوسائل عنيفة ينتج عنها مآسي تغذّي ذاكرة مفتعلة عند الفئات المستهدفة. بالمقابل تلجأ النخب الحاكمة إلى توسيل عوامل تقفز فوق موضوع الاحتجاج وتحاكي أيضا غرائز وتزعم أنها تدافع عن الموروث التاريخي والثقافي، وغالبا ما يكون ذلك الموروث الدين.

كما أن الخوف ينتج عن قلّة معرفة أو جهل (عامل ذاتي وموضوعي في آن واحد) يغذّي الظن وإن كان بعض الظن إثما (مقتبس من سورة الحجرات 12). والظن هو التهمة التي لا سبب لها كما فسّرها العديد من المفسّرين والمجتهدين. فليس من الضروري برهنة التهمة بل إطلاقها كاف في بيئة قليلة المعرفة. ووسائل التواصل الاجتماعي أداة فاعلة في نشر ثقافة الخوف والتعصّب والغلو والتوحّش. فمناخ الخوف يجعل من الظنّ "حقيقة" يجب مواجهتها بمختلف الوسائل.

عقدة الخوف الموجودة في عدد من المكوّنات العربية ينتج عن مشكلة "الآخر". فمشكلة "الآخر" ليست موجودة مبدئيا في الموروث الديني في المجتمع العربي. فقوله تعالى: "يا أيّها الناسُ إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" (الحجرات 13). فمشكلة الآخر تحتاج إلى وقفة نقاربها في الجزء الثالث من هذه المحاولة.

رابعا - دولة الوحدة

اقترح بيان هيئة التحرير لمجلّة النهضة أن الحلّ للخروج من أتون الفتنة يكمن في إقامة الدولة المدنية. لسنا من حيث المبدأ ضد الاقتراح. لكن لدينا عدّة ملاحظات أبديناها في فقرات سابقة وتتعلّق بتحديد مفهوم الدولة. لكن هناك ملاحظات إضافية تجعلنا نفكّر بعمق أكثر حول ذلك المخرج.

الملاحظة الأولى هي أن الاقتراح يتعلّق ضمنيا بالدولة القطرية أو بالدولة الوطنية كما يحلو للبعض تعريفها. المشروع النهضوي العربي اعتبر ألاّ تناقض بين الدولة القطرية ودولة الوحدة[21]. هذه مقولة نعتقد أنها جزئية لأن مصالح النخب الحاكمة في القطر أو الطامحة إلى الحكم تهرب من فكرة الوحدة وفقا للمقولة الغربية: أفضل أن تكون الأول في قريتك وليس الثاني في روما"! أو كما يقال في العامية: "الديك على مزبلته صيّاح".

الملاحظة الثانية هي أن معظم الدول العربية دول "مدنية" وإن كان بعض أصل النظام القائم "عسكريا" وصل إلى الحكم عبر انقلاب ف "ثورة" أو اوجده المستعمر قبل رحيله الظاهري، أو حتى جعل من الإسلام إما دين الدولة أو دين الحاكم. لكن نظم الحكم والدساتير والقوانين قوانين "مدنية" مصدرها القانون الوضعي. فإقامة الدولة المدنية لن تأتي بشيء جديد إلاّ في تصحيح بعض الثغرات. وإذا كان المقصود إخراج "الدين" من الدولة فليس هناك من دولة عربية جعلت من الدين سببا لفتنة إلاّ في بعض الدول. أما الدول التي يوجد فيها تنوّع طائفي ومذهبي وعرقي فيجب التمييز بين المحاصصة السياسية والاقتصادية المبنية على التمييز الفئوي ونظم القوانين. فباستثناء قوانين الأحوال الشخصية فإن معظم القوانين مصدرها القانون الوضعي وإن كانت بعض التشريعات اتخذت الشريعة الإسلامية كمصدر بين مصادر للتشريع. في الحقيقة نتمنّى توضيح ما هو المقصود بالدولة المدنية وكيف يمكن إخراج الدين من الدولة. القضاء على الطائفية كأساس توزيع المناصب يختلف عن إخراج الدين من الدولة. فالمحاصصة قد تكون دينية، أو مذهبية، أو قبلية، او عشائرية، أو قطاعية. أشكال الفئوية متعدّدة بينما الطائفة هي شكل من هذه الفئويات. المطلوب القضاء على الفئويات وليس فقط على الطائفية. فالمناصب توزع وفقا لكفاءات وليس لانتماءات. بالمناسبة، أليست الحزبية نوع من الفئوية؟  فلماذا نتقبّل الحزبية ونرفض الأشكال الأخرى للفئوية؟

ففي دول الغرب التي تعتبر نفسها علمانية والتي نصّت في دساتيرها على فصل الدولة عن الكنيسة (وليس الدين) فإن نصوص الدساتير والمفاهيم السياسية القائمة لا تخلو من مراجع دينية. فالدستور الأميركي الذي ينصّ على فصل الدولة عن الكنيسة لا يخلو من عبارات تعود إلى مراجع توراتية أو انجيلية. فكيف نفهم مصطلح "القدر المتجلّي" في الخطاب السياسي الأميركي، أو أن أميركا هي "ارض الميعاد الجديدة"، أو أنها المدينة على الجبل؟ وحتّى على ورقة الدولار، عملة الولايات المتحدة، نجد عبارة "توكلنا على الله"! أما فرنسا "العلمانية" فاعترضت عبر رئيسها السابق فاليري جسكار ديستان على انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لأن الحجم السكّاني التركي بأكثريته الساحقة من المسلمين قد يخلّ في التوازن السكّاني الأوروبي ويمسّ بطابعها "المسيحي". حركات وأحزاب اليمين في أوروبا تنتقد حكوماتها بالتسامح لهجرة مسلمة وافدة إلى أوروبا قد تغيّر وجه القارة بعد عدّة عقود بسبب نسب النمو السكّاني عند المسلمين.

الملاحظة الثالثة هي أن الدولة القطرية أو الوطنية سواء كانت "مدنية" أو غير مدنية فإن سجّلها العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يظهر الضعف الموضوعي في حماية الأرض والوطن والمواطن من اعتداءات الخارج التي لم تتوقّف منذ القرن التاسع عشر. كما أنها لم تحم المواطن من التجاذبات الفئوية داخل مكوّناتها حيث الهويات الفرعية كانت وما زالت تطغي على الهوية الوطنية التي لم تكتمل إلاّ في حالات فريدة (مصر، الجزائر، اليمن، فلسطين، وسورية إلى حدّ ما) بل أن الاستعمار الغربي عمل ونجح على منع إقامة أي نوع من الوحدة أو حتى التنسيق والتكامل السياسي والاقتصادي. والآن نشهد هجوما ليس فقط على الدولة القطرية التي أوجدها المستعمر بل أيضا على الهوية العربية ومكوّنها الأساسي أي اللسان العربي عبر ترويج الألسنة الفرعية وأكثر من ذلك عبر تحقير اللغة الفصحى واستبدال لعامية في الدولة وفي وسائل الاعلام المرئي والشفهي. وهناك من يطالب ترك الحرف العربي وتبنّي الحرف اللاتيني!  لكن الموقف السلبي للمستعمر القديم والجديد من الوحدة أو الجنوح إلى الوحدة يجب أن يكون كافيا بحد ذاته للعمل على تحقيق الوحدة. فمصلحة المستعمر، واليوم المعولم، هي عكس مصلحة الشعوب.

الدولة القطرية لم تفلح في التنمية السياسية ولم تفلح في التنمية الاقتصادية ولم تفلح في حماية الوطن وذلك بعد تجربة امتدّت أكثر من سبعين سنة لمعظم الدول العربية. فالتهميش الاقتصادي يؤدّي إلى الفقر فإلى الجهل فإلى التمسّك بالعصبيات والهويات الفرعية التي تغذّيها الفتنة كما أنها تدفع بالفتنة. فلماذا نتمسّك بها؟  الحفاظ على الدولة القطرية بعد محاولات التفكيك للدولة القطرية يجب أن تكون حافزا للتفكير بإقامة دولة الوحدة للخروج من الضعف والوصول إلى القوة حيث كافة مشاريع التنمية السياسية والاقتصادية والعدالة الاجتماعية والمشاركة الشعبية في القرارات والتجدّد الحضاري تصبح ممكنة. لا نرى أفقا لذلك من خلال الدولة القطرية بغض النظر عن شكلها. لقد عبّرنا عن ذلك في مداخلاتنا في المؤتمر القومي والتي جمعنها في كتاب صدر مؤخرا عن منتدى المعارف في بيروت[22].

مضمون دولة الوحدة يشمل أبعاد المشروع النهضوي العربي. فالوحدة هي أحد الأبعاد. ولكن أيضا هي دولة الاستقلال الوطني الرافض لأي احتلال أجنبي والرافض لأي تبعية خارجية. كما أن دولة الوحدة هي دولة التنمية المتوازنة أي متوازنة بين القطاعات الإنتاجية وبين المناطق وبين المكوّنات الاجتماعية. هذا يعني أن لا قيمة لأي تنمية إن لم يرافقها الحلّ الأدنى من العدالة الاجتماعية. والعدالة الاجتماعية تفرض بشكل أو بآخر مشاركة مكوّنات الوطن للحد من الجنوح إلى الاستبداد. كل ذلك يساهم في إيجاد البيئة الصالحة لتجدّد حضاري يحافظ على الموروث التاريخي من الثقافة والتراث ويبدع في إنتاج معرفة جديدة التي تؤسّس لحضارة متجدّدة. أما السؤال الأهم هو كيف نصل إلى تلك الدولة؟

في الحقيقة علينا أن نقر بعدم وجود رؤية موحّدة بين العروبيين. فالبعض ما زال محكوما بنموذج تجربة الوحدة بين مصر وسورية. وهناك من هو محكوم بالنموذج الأوروبي أي دولة اتحادية. المشروع النهضوي العربي الذي نشره مركز دراسات الوحدة العربية حاول مقاربة موضوع الوحدة ويخلص إلى الميل إلى نموذج الدولة الاتحادية[23]. نعتقد أن إقامة دولة الوحدة تتوقّف على إيجاد الظروف الموضوعية لها أي القناعة عند النخب الحاكمة أن لا مفرّ من إقامتها. حتى الآن لا نعتقد أن تلك القناعة حصلت وقد لا تتوفّر في المدى المنظور لسببين رئيسيين. السبب الأول هو عقبة الذاتية عند النخب التي تخشى من أن تذوب في الدولة الواحدة بغض النظر عن شكلها الدستوري. أما السبب الثاني فهي قناعة تلك النخب أن بقائها مرتبط بولائها للخارج الذي حماها من الزوال. لكن هذا السبب قد يتلاشى مع تراجع أو أفول الدول الغربية التي أوجدت هذه النخب الحاكمة وحضنتها وساعدتها على إجهاض الخطاب التحرّري العروبي الذي مثّله خطاب حقبة المدّ القومي في الخمسينات والستينات. وهذه النخب تبحث الآن عن بديل يحميها قد لا تجده إلاّ في شعوبها وجماهير الأمة. فالحماية الخارجية أدخلت هذه النخب في دوّامة انتحارية لن ينجوا منها. العقبة الأخطر هي الذاتية والتي أيضا لن تتجاوزها إلاّ تحت ضغط الجماهير. لذلك فإن مسؤولية المثقّف العروبي الملتزم بالوحدة هو العمل على بثّ الوعي حول ضرورة إقامة الوحدة للخروج من الدوّامة العبثية التي تتخبّط فيها النخب الحاكمة. فوعي الجماهير تشكّل قوّة دفع لا يمكن الاستهانة بها في إجراء التغيير وقد برهنت على ذلك إذا ما أرادت التغيير. وهذا الوعي يساهم في تجاوز عقدة الخوف من التغيير. يبقى أيضا مسألة ذاتية النخب المثقّفة التي تدعو إلى الوحدة ولكنها لا تستطيع أن توحّد مواقفها وتنسّق ما بينها. هذه هي مأساة العمل القومي العربي التي يحاول المؤتمر القومي العربي تجاوزها عبر بلورة خطاب يجمع ولا يفرّق.

دولة الوحدة هي هدف الخطاب العروبي الذي يحفظ الخصوصيات الإقليمية والفكرية على كافة أشكالها ولا يلغيها بل يعتبرها مصدر ثراء للأمة. العروبي هو من يؤمن بالمشروع النهضوي العربي وأبعاده الستة. فالأمة بمفهومنا متعدّدة الروافد سواء كانت سياسية أو جغرافية أو دينية أو سكّانية أو ثقافية. الخطاب العروبي يضع في أولوياته فلسطين وتحريرها، وفلسطين توحّد الأمة رغم الخلافات القائمة. الخطاب العروبي يقضي على ثقافة الفتنة وثقافة الاقصاء بشقّها التكفيري أو التخويني كما نشرحه في الجزء الثالث من هذه المحاولة. الخطاب العروبي وثقافة الوحدة هما الردّ الفكري والسياسي والثقافي على مشروع الفتنة. والخطاب العروبي يولد ثقافة الحوار والتكامل وتقبّل الاختلاف بالرأي وينبذ ثقافة الإقصاء. هذه هي الثقافة التي يحاول ترسيخها المؤتمر القومي العربي ومعه مركز دراسات الوحدة العربية منذ بداية التسعينات من القرن الماضي.

الجزء الثالث-إشكالية "الآخر"

قضية "الآخر" تأخذ الطابع الملحّ بسبب الأعمال الوحشية التي قامت بها بعض المجموعات المتشدّدة. إن ظاهرة التعصّب والغلو والتوحّش التي تتصدّر الفضاء الإعلامي العربي والدولي توحي عند الكثيرين أن هناك مشكلة ما في تراثنا وبيئتنا وخاصة في "الإسلام"!  هذا الانطباع منتشر في الغرب ولأسباب سياسية واضحة بينما هناك تسطيح وتبسيط في الفضاء السياسي العربي لتلك الظاهرة واختزالها بظاهرة ظرفية صنعها المستعمر. وإذا كنّا نحمّل المسؤولية للمستعمر الغربي القديم الجديد في تحريك تلك المجموعات المتشدّدة والمتعصّبة وصاحبة الغلو والتوحّش إلاّ أن المسألة تفتح مشكلة ثقافة القبول بالآخر على مصرعيها. فمجموعات التعصّب والغلو والتوحّش تشكل رمزا لثقافة عربية إسلامية مُشوّهة ترفض القبول بالآخر. غير أننا نعتقد أن ذلك التوصيف للمشكلة غير دقيق. فتلك الظاهرة ليست خاصة بالعرب بل موجودة أيضا في الغرب كما سنوضحها فيما بعد.

 

طبعا، هناك إشكالية في تحديد من هو "الآخر". ف"الآخر" يختلف بين مجتمع ومجتمع في المكان والزمان. في الغرب، إضافة إلى التمايز في الأعراق والأديان، هناك أيضا التمايز بالجنس، أي بين الرجل والمرأة، وفي التوجهات الجنسية كمسألة المثلية. لا يمكن تجاهل كل هذه الملفات كما لا نعتقد أنه من المفيد إدراجها في الأولوية ليس فقط عندنا بل أيضا في الغرب. لدينا شعور أن هذه القضايا تبرز وتملئ الفضاء الإعلامي لتحويل الأنظار عن قضايا نعتبرها أكثر إلحاحا وذلك دون التنكّر لأهميتها. ففي الوطن العربي، هناك احتلال لفلسطين، واقتتال طائفي ومذهبي وقبلي وتجزئة وتخلّف وفقر وجهل وتجهيل، وهي أهم من قضايا التمايز بين الرجل والمرأة أو قضية الاعتراف أو عدم الاعتراف بحقوق المثليين، وذلك لأنها وجودية. كما أن قضايا التنمية والعدالة الاجتماعية ومقاومة التبعية والفساد والفقر ناهيك عن الاحتلالات لأقطار عربية تأخذ الأولوية في اهتماماتنا دون أن نقلّل من أهميتها. فلا يمكننا أن نصبّ جهودنا على هذه القضايا وننسى القضايا الوجودية.

 

مسألة "الآخر" هي الوجه السلبي لمسألة الهوية التي في نظرنا هي مسألة مفتعلة. فمصطلح "هوية" ليس مصطلحا أصيلا في اللسان العربي، بل هو مشتق من ضمير "هو"[24]!  في الثقافة العربية لا توجد مسألة الهوية، هناك مسألة النسب والعصب ولكن ليس هناك إشكالية في الهوية التي يجهلها اللسان العربي. والباحث سري المقدسي أشار أن مسألة الهوية تبلورت في القرن التاسع عشر كمؤشر عن الحداثة ليس فقط في الوطن العربي بل في العالم وكتبرير للعبودية والاستعمار[25]!  لن ندخل في سجال حول أصول الهوية و"الآخر" لضيق الوقت والمساحة ولأننا أيضا غير مقتنعين بجدوى مثل هذه المقاربات.  لذلك نكتفي بتعريف مبسّط عن "الآخر"، إي هو الشخص الذي نعتبره يختلف عنّا ونجعل من هذا الاختلاف مصدر علاقة صدامية. بالمقابل لا نؤيّد مقولة شائعة أن ثقافتنا، وخاصة ديننا، يدعو للتسامح. نعتقد أن المصطلح الأدق هو أن ثقافتنا وديننا في الأخص يدعو إلى احترام الآخر وليس التسامح معه لأن التسامح يحمل في طيّاته الاستعلاء. فعبر الاحترام المتبادل يمكن بناء علاقات متينة تكاملية.

 

أولا-السياق الفكري السياسي.

من المهم، من وجهة نظرنا، وضع المقاربة حول "الآخر" في سياقها الفكري السياسي عبر ربط الإشكالية بالمشروع النهضوي العربي. ونشدّد على السياق السياسي لأنه في رأينا كل شيء يبدأ في السياسة وينتهي فيها رغم المظاهر "العلمية" و"الثقافية". والمشكلة في رأينا هي التركيز على استيراد منظومة فكرية من الغرب كشرط ضرورة للخروج من التخلّف.

فخلافا لما يشاع لدينا مشروع فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي متكامل ذكرناه في الجزء الثاني من هذه المحاولة ونابع عن واقعنا هو المشروع النهضوي العربي بأبعاده الستة. بالنسبة لنا الأولوية في هذه المرحلة هي للوحدة وللتجدّد الحضاري دون الانتقاص من أهمية الأبعاد الأخرى ويمكن مناقشة المفاضلة في مكان آخر. فالتجزئة هي السبب الرئيس لضعف المجتمعات العربية ومن هنا ضرورة بلورة ثقافة الوحدة[26]. فالمجتمعات الضعيفة تتنامى فيها الغرائز والعصبيات الفرعية لذلك لا بد من استرجاع القوة في هذه المجتمعات وهذا لن يتحقق إلاّ عبر الوحدة. أما التجدّد الحضاري فيكمن في إيجاد منظومة معرفية خاصة بنا كعرب دون الوقوع في مطبّات المفاهيم المستوردة منها في رأينا مسألة "الآخر" كما سنعالجها فيما بعد.

فالتجدّد الحضاري والوحدة هما المدخل لنهضة الأمة ومختلف المجتمعات العربية. فالوحدة نقاربها في هذه المداخلة من باب معالجة إشكالية "الآخر" التي ورثناها من مثقفّين عرب عاشوا وترعرعوا في الغرب ويقيمون بإسقاط إشكاليات الغرب على مجتمعاتنا. فالمختصر المفيد هو أن مشكلة "الآخر" مشكلة خاصة بالمجتمع الغربي نشأ إبان الثورة الفرنسية وفي مطلع الحقبة الثورة الصناعية التي تلازمت مع الحقبة الاستعمارية لعدد من الدول الأوروبية التي أرادت أن تنفّذ "مهمتها التمدينية" كفرنسا، أو أرادت إبراز "عبء الرجل الأبيض" كبريطانيا، أو مؤخّرا "القدر المتجلّي" أو "استثنائية" الولايات المتحدة. فعدّة الشغل لتبرير المغامرة المدمّرة للشعوب السمراء والصفراء والسوداء كانت "الآخر" تلخّصها تلك الشعارات التي لم تكن إلاّ تبريرا لعنصرية متفشّية في الغرب تجاه "الآخر".

ثانيا-العروبة هي الحل!

العروبة بالنسبة لنا هي المدخل الحقيقي لمعالجة قضية "الآخر" وخاصة بعد ما ينتج عن خطاب إقصائي سواء على قاعدة سياسية أو دينية. فمفهومنا للعروبة هو مفهوم ناتج عن مقاربة ومراجعة لمسارات فكرية وعملية امتدت على خمسة عقود. فالعروبة هوية جامعة لمكوّنات مختلفة سواء كانت عرقية أو طائفية أو مذهبية. العروبة ليست عقيدة بل هوية يصر أعداء الأمة على نفيها واختزالها إما بالعرق أو بعقائد لأحزاب وتيّارات فكرية نادت بالوحدة العربية. فلا يحقّ للعرب من وجهة نظر الكيان الصهيوني والغرب أن تكون لهم هوية غير الانتماء الطائفي أو المذهبي أو القبلي أو الإقليمي بينما الهوية الجامعة لكل مكوّنات المجتمع العربي ممنوعة. الهجوم على العروبة هو لتبرير الهويات الفرعية المدمّرة[27] والتي تمكّن الكيان الصهيوني والغرب بالهيمنة على مقدرّات مجتمعات متناحرة بسبب الهويات العبثية.

فالمسألة تصبح من نحن وليس من هو الآخر وكيف نتعامل معه!  فالعروبة هي إنسانية أولا وأخيرا تتحقق عير المواطنة في الوطن العربي تدعمها المشاركة الفعلية لكل مكوّنات المجتمع لتحقيق الاستقلال الوطني من التبعية المباشرة أو المبطّنة، والتنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية في بوطقة واحدة تتجسّد في وحدة الأمة. وفي الوحدة قوّة لا يريدها أعداء الأمة. أما شكل الوحدة فهناك عدّة أشكال يمكن الاختيار منها.

 قبل الخوض في مقاربة المواطنة من منظورنا العروبي نودّ ان نتوقّف قليلا حول المصطلح. أوّل من أدخل مفهوم المواطنة في القاموس العربي هو رفاعة الطهطاوي في القرن التاسع عشر[28]. ويميّز الطهطاوي بين "المواطنة" في المصطلح الفرنسي (citoyenneté) المشتقّ عن مصطلح "مدينة" (cité) والمصطلح العربي المشتقّ عن مصطلح "وطن". والفرق في رأينا كبير. فمن جهة أفق المواطنة يبدأ في الوطن عند الطهطاوي بينما في الغرب يبدأ فقط في المدينة وليس على مدى مساحة وطن. فلذلك دلالات عدّة يمكن معالجتها في مكان آخر وتعود إلى شمولية المواطنة على أرض الوطن أو حصرها في المدينة. من جهة أخرى يركّز الطهطاوي على مفهوم "التمدّن" المنبثق عن التطوّر المجتمعي من مجتمع رعائي إلى مجتمع زراعي إلى مجتمع مديني. فالحضارة هي منتوج مديني[29]. هذه الملاحظات جديرة بالذكر لأنها تدلّ على وعي كبير في تطوّر الحضارات في الوطن العربي ومفهوم المواطنة الأساسي للحد من التمييز الذي يوجده الضعف فالخوف فالفتنة. فالفتنة تتنافى مع التمدّن والحضارة بين المواطنة تساعد في بناء التمدّن والحضارة.

في مفهومنا للمواطنة التي تحلّ معضلة "الآخر" هناك حقوق وهناك موجبات. معظم الأدبيات والخطابات السياسية تركّز على "الحقوق" وتتجاهل "الموجبات". والحقوق على ما يبدو تأخذ طابع الامتيازات التي تتجاهل الموجبات. فعندما نسمع في لبنان عن ضرورة إلغاء الطائفية لتحقيق المواطنة نجد تقاعس اللبنانيين في ممارسة حقهم كي لا نقول واجبهم في التصويت!  فثقافة الاتكال إما على الزعيم أو على الدولة تتنافى مع المسائلة والمحاسبة واللبناني لم يستطع حتى الآن الخروج من تلك الحلقة المفرغة رغم كل الزعيق لعكس ذلك. والسبب في رأينا يعود إلى ثقافة الريع المتفشية عند الجميع فالزعيم هو الذي يمنح ويعطي ولا داعي للمجهود!  فالنسبة المتدنية في الاقتراع تشجّع الزعامات على عدم الاكتراث بالمحاسبة أو المسائلة وهم محقّون بذلك!  فإذا التصويت حق وواجب في آن واحد ولا يُمارس فما بال الواجبات الأخرى كالحفاظ على النظافة العامة أو الالتزام بقوانين السير مثلا؟!  فعدم الالتزام بها هي تعدّي على "الآخر"!

مشروعنا النهضوي العربي يلحظ الوحدة واحترام الآخر. والوحدة كما نفهمها هي ضم "الآخر" وصهره في مجتمع العدالة وتكافؤ الفرص. غير أن الثقافة الوحدوية تبدأ في المنزل، ثم في المدرسة والجامعة، وثم في مراكز العمل، وفي كل مكان يجتمع فيه الناس. الثقافة الوحدوية تختلف عن الثقافة الفئوية أو الحزبية التي تتحكّم بنا. لكن بسبب الثورة التكنولوجية في وسائل التواصل تحدث ثورة أخرى وهي التواصل المباشر مع الآلاف في آن واحد. فتنسج العلاقات الشبكية التي تجمع ولا تفرّق. وتنوّع العلاقات الشبكية في الشكل والمضمون تسمح الخروج من الأطر الضيّقة التي يفرضها التنظيم الفئوي. فالحزب هو الصيغة التنظيمية للسلوك الفئوي وهنا علينا أن نعالج تلك المعضلة أي ما هو دور ومستقبل الحزب، أي حزب، على ضوء الثورة في التواصل الاجتماعي؟  فالحزب يميّز ويفرّق ومصلحة الحزب تتجاوز في معظم الأحيان البرنامج أو الفكرة التي من أجلها وجد. فمصلحة الحزب تصبح فوق أي اعتبار وإن كانت الوحدة الهدف الأساسي له!  هذا ما حصل في العراق وسورية حيث الحزب الواحد الحاكم أدّى إلى صراعات قاتلة بين القطرين ومنع إقامة الوحدة. وحتى الحزب الديني الذي يجب أن يجمع المؤمنين أصبح حزب التمييز المذهبي والإقصائي. لكن كيف يمكن للعلاقات الشبكية أن تفرز إطارا تنظيميا للعمل السياسي فهذه مسألة ما زالت قيد البحث وتتوجب مشاركة واسعة من المثقفّين والمفكّرين والناشطين.

هنا لا بد من إبداء ملاحظة نعتقد أنها في غاية الأهمية وهي العلاقة بين دولة الوحدة والوحدة الوطنية في كل قطر. المشروع النهضوي العربي الذي نؤمن به حسم الإشكالية. فالوحدة الوطنية شرط ضرورة لإقامة دولة الوحدة. والحفاظ على الوحدة الوطنية تحقّقها الوحدة وتحميها كما أن الوحدة الوطنية تحصّن الوحدة. الهويات الفرعية لا تتناقض مع الهوية الجامعة. فهويتنا العروبية هوية مركّبة من روافد متعدّدة تراكمت مع التاريخ واستوعبت الهويات الفرعية. فالكرد مثلا لهم هويتهم الكردية ولكن ثقافتهم وحضارتهم جزء من الهوية والثقافة والحضارة العربية. كذلك بالنسبة للهوية الأمازيغية والأرمنية الموجودة في العديد من الدول العربية. فثقافتهم جزء مكوّن من الثقافة العربية كما أن الثقافة العربية أصبحت مكوّنا لثقافتهم ولهويتهم. حيث يرى البعض تناقضا في الهويات نرى في مشروعنا النهضوي العربي تكاملا بين مختلف مكوّنات المجتمع العربي في مختلف الأقطار.

ثالثا-مشكلة "الآخر" في الغرب.

أما مشكلة "الآخر" فهي مشكلة الهوية التي نشأت في الغرب مع الحقبة الاستعمارية. لقد أشار بوضوح الدكتور جورج قرم في ثلاثيته "شرق وغرب والانشطار الأسطوري"، و"المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين" و"تاريخ أوروبا وأسطورة الغرب" أن مسألة "الآخر" هي مسألة نتجت عن عدّة عوامل أهمها كانت ضرورة تبرير الحقبة الاستعمارية عبر نزع "إنسانية" الشعوب المستعمرة (بفتح الميم).

في الكتاب الثاني ("المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين") من ثلاثيته الهامة[30] الذي يفكك فيها مفاصل الفكر الغربي يوضح الدكتور جورج قرم في مقاربته حول إشكالية "الآخر" أنها نتجت في الغرب عن فقدان "السحر" بعد القضاء على المرجعية الدينية في السياسة والثقافة. ولكنها في الأساس تُعرّف الهوية كموضوع اجتماعي مبني على قاعدة سلبية أي بمعنى أنها تُعرّف كتمييز عن الغير[31]. وهناك مدرستان في تحديدها: الأولى وهي المدرسة المبنية على الذاتية (essentialism) وهي جامدة في تعريفاتها بينما المدرسة الثانية تعتبر أن الهوية شيء متحرّك وتتطوّر مع المكان والزمان وفقا لظروف عدة منها سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية. ويشير قرم كيف تحوّلت الهوية الأوروبية المبنية على ثقافة موروثة من اليونان والرومان إلى مجموعة قيم يهودية مسيحية في السبعينات من القرن الماضي، علما أن المسيحية قامت على مناهضة اليهودية!  لكن الذاتية في تحديد الهوية أنتجت ثقافات "الغير" التي تبرّر المغامرات الاستعمارية ل "تمدين" الآخر!  في هذا السياق نرى أن علوم الأنثروبولوجيا في الغرب نظرت إلى الشعوب الأخرى ك "مادة" تدرس كما تُدرس الحشرات والحيوانات بحجة "العلمية" و"الموضوعية".

 

 

 

رابعا-البعد الاقتصادي السياسي في الغرب لموضوع "الآخر".

 

أما اليوم نشهد في الغرب سجالات تعمّ الفضاء السياسي والإعلامي حول "الهجرة" الوافدة من الدول الناشئة سواء من إفريقيا شمالا وجنوبا وآسيا وأميركا اللاتينية، ومؤخرا من سورية عبر تركيا. في زمن الضيق الاقتصادي الذي يشهده الغرب يأخذ السجال طابع العنصرية المعلنة. فمعظم المهاجرين حاليا من البشرة السوداء أو السمراء أو الصفراء. والإرباك الذي تشهده الحكومات الغربية يكمن في حاجتها إلى اليد العاملة الرخيصة التي تقوم بأعمال ومهام لا يريد القيام بها السكّان الأصليون. كما أن النمو السكّاني الطبيعي في دول الغرب يأخذ منحى سلبيا لا يمكن تغطيته إلاّ بالهجرة الوافدة. وهذه الهجرة المشجّعة تلقائيا من قبل الفعّاليات الاقتصادية وامتداداتها في السلطة تهدف أيضا إلى الضغط على سوق العمل وعلى الأجور. فالبطالة هدف مطلوب وإن كان غير معلنا لجعل الأجور منخفضة. فالهجرة الوافدة وخاصة اللاشرعية منها مطلوبة لذلك السبب. إلاّ أنها تخلق توتّرات اجتماعية وثقافية تتفاقم في عصر الانكماش الاقتصادي إن لم نقل في عصر التراجع البنيوي لاقتصادات الغرب الناتج عن سياسات اعتمدت نظريات الحرّية المطلقة في الأسواق. فكان التمركز الاقتصادي وتمركز الثروة والسلطة وعلى حساب القطاعات الواسعة للمجتمعات في بلاد الغرب. كما أن التحوّلات في المنظومة الرأسمالية نحو اقتصاد افتراضي يرتكز إلى إنتاج ثروة افتراضية عبر التلاعب بالأسواق المالية والعقارية كشف ضرورة خلق طبقات شعبية تقوم بالأعمال التي لم تعد مقبولة كالتنظيف وقطاع البناء على سبيل المثال. فهي أعمال شاقة ولا تعود بالمردود الكافي ولكنها تساهم في ترويج ثقافة استهلاكية مبنية على الاستدانة.

 

فهذه الحقائق الاقتصادية الاجتماعية تنعكس على البنية السياسية والبنية الثقافية لدول الغرب حيث تنتشر مجدّدا مفاهيم كضرورة الحفاظ على الهوية الأصلية. نشير في هذا السياق إلى ما قاله صامويل هنتنغتون قبل رحيله[32]: "أنسوا صراع الحضارات فإن الخطر الذي يحدّق بأميركا هو فقدانها لهويتها الانكلوساكسونية البروتستنتية البيضاء" ويحذّر هنتنغتون مواطنيه من الهجرة الوافدة من أميركا اللاتينية التي ستفرض لغتين وثقافتين في الولايات المتحدة وهذا ما يهدّد الهوية الأميركية التي أسسها البريطانيون في مطلع القرن السابع عشر. وتقوم هذه الهوية على أساس اللغة الإنكليزية والقيم البروتستنتية والفردية واحترام القانون. والمهاجرون الذين أتوا إلى أميركا تقبّلوا هذه القيم وانخرطوا في الهوية الجديدة. لكن الهجرة الكثيفة الوافدة من أميركا اللاتينية خلقت ازدواجية في الهوية بل إلى تعدّدها وتخفيض المواطنة و"نزع الوطنية" عن النخب الحاكمة. هذا كلام عنصري بامتياز مبني على مفهوم عدواني ل "الآخر" ويتناقض مع سائر القيم التي تحاول النخب الأميركية ترويجها في العالم.

 

خامسا-ثقافة الإقصاء.

 

ومشكلة "الآخر" في الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص لا تنحصر في الهوية أو لون البشرة بل أيضا في الدين والطبقة الاجتماعية. فثقافة الولايات المتحدة مبنية على ثقافة إقصاء الغير وإن تعدّدت الأشكال. في البداية كانت الإبادة الجماعية للشعوب الأصليين في القارة الأميركية[33]. ثم كانت ثقافة الاقصاء على قاعدة الأسس الدينية. فخلافا لما يُشاع حول مقولة القبول بالآخر في الولايات المتحدة فإن تاريخها حافل بالتمييز الديني خاصة تجاه الكاثوليك واليهود واليوم العرب والمسلمين. أهل هي صدفة أن الرئيس الكاثوليكي الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة أي جون كنيدي لم يكمل ولايته بل تمّ اغتياله في ظروف ما زالت غامضة حتى الآن؟  وهل ننسى الحملة على رئيس باراك اوباما المشكّكة في أصوله الدينية وذلك رغم الاعتراف بحرّية المعتقد؟  وهناك ثقافة إقصاء على قاعدة اقتصادية: ألم يحرم الدستور الأميركي حق التصويت المرأة التي لا تنتج ولا تدفع الضريبة وكذلك أبناء الطبقات الفقيرة التي لا تدفع الضريبة؟

 

هناك أيضا إقصاء على أساس الطبقة الاجتماعية أو بالأحرى على أساس الثروة. فعلى ما يبدو المساواة مسألة نسبية في تطبيق العدالة. فالمتهمّ الفقير لا يستطيع استخدام خدمات محام جدير بينما الثري يستطيع أن يجيّش أرتالا من المحامين والخبراء في الدفاع عن أي تهمة يمكن توجيهه له كما تجلّى الأمر في قضية اللاعب الرياضي الشهير أو. جي. سمسون المتهم بقتل زوجته في منتصف التسعينات من القرن الماضي والذي استطاع أن يفلت من يد العدالة بسبب مهارة محاميه. كما أن المدراء المصرفيين الكبار المسؤولين عن هدر إن لم تكن اختلاسات لأموال المودعين والمساهمين استطاعوا الانفلات من تهم الفساد وذلك بسبب مهارة محاميهم الأكفّاء. اللائحة طويلة لتلك الأمثال التي تؤكّد ثقافة الإقصاء للآخر في الولايات المتحدة. ولا ننسى مدى وحشية قوى الأمن تجاه المواطنين الأميركيين السود حيث تشير الإحصاءات أن في عام 2015 قُتل ما يفوق ألف مواطن أميركي من السود وعلى يد قوى الأمن!

 

أما في أوروبا "العلمانية" فثقافة الإقصاء مترسّخة حيث تمّ رفض عضوية تركيا للاتحاد الأوروبي بسبب الدين كما أوضحه الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جسكار ديستان. فلا مكان لدولة مسلمة في الاتحاد الأوروبي المسيحي!  أما في بريطانيا فهناك التمييز ضد الآخر عبر مصطلحات تؤكّد التمييز. فهناك مصطلح الشخص الشرقي المتغرّب (westernized oriental person/wop) وحتى إذا كان من النخب في بلاده فيصبح السيد الشرقي المتغرّب (westernized oriental gentleman/wog). فهذه مصطلحات في غاية العنصرية للتعبير أنه مهما علا شأن "الآخر" فهو "آخر"! انتخاب عمدة لندن من أصول باكستانية ومسلمة يعتبر ثورة في بلاد اللاثورة! ولكنها لا تنفي العنصرية. فالإعلام البريطاني الذي يطبّل لذلك يعترف ضمنيا أن مجتمعه مجتمع عنصري والاّ لما كانت الضرورة في إبراز أصوله!  واليوم نرى في وسائل الاعلام الغربية والمواقع الإلكترونية تحريضا واضحا ضد الوافدين إلى أوروبا من القارة الإفريقية أو القارة الآسيوية وخاصة العرب والمسلمين!

 

إذا، مشكلة "الآخر" مشكلة الغرب أيضا إن لم تكن مشكلته في الأصل وليست مشكلتنا أو مشكلتنا لوحدنا. والحديث عن "الآخر" مهّد للمغامرة الاستعمارية في "مهمتها التمدينية" عند الفرنسيين، أو "عبء الرجل الأبيض" عند البريطانيين، أو مسألة "القدر المتجلّي" عند الأميركيين. فكلّها شعارات تبرّر السيطرة على الشعوب السمراء أو السوداء أو الصفراء!  فالعنصرية المتفشّية في الغرب تتلازم مع الذاتية وكلاهما أفرزتا الاستعمار. فالثالوث الجهنمي-العنصرية، الذاتية، والاستعمار حدّد ملامح الثقافة في الغرب في القرنين السابقين أي التاسع عشر والعشرين[34].

 

سادسا-البعد التراثي لمشكلة "الآخر.

 

الحضارة العربية الاسلامية تكوّنت عبر التفاعل مع الحضارات الأخرى وليس هناك من انقطاع في التاريخ بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارات التي سبقتها أو التي عاصرتها[35]. فالفتوحات العربية تلتها الترجمة ثم الرحلات للتعرّف على العالم. رحلات ابن بطوطة مثلا دليل على ذلك كما كتابات البيروني عن الهند نتج عن التواصل مع الشبه القارة. وانتشار الحضارة العربية الإسلامية في القارة الإفريقية والآسيوية كان نموذجا عن عولمة سبقت التكنولوجيا عبر الرسالة والعقل والفكر.  جاء في القرآن الكريم: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" (الحجرات 13). فالإسلام رسالة إلى الناس أجمعين فمنهم من أسلم ثم آمن ومنهم من لم يدخل الاسلام ولم يؤمن. وأيضا، "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين" (الروم 22) ما يدّل بشكل واضح أن "الآخر" هو من خلق الله وهو منّا. فكل واحد منّا فيه من روح الله وبالتالي التعدّي على النفس حرام. وأيضا "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" (المائدة 32).

 

وإذا كانت العروبة هوية فالإسلام هو روحها وبالتالي يصعب فصل العروبة عن بعدها الكوني. فعبر الإسلام يتمّ اكتشاف وفهم العروبة وعبر العروبة يتم اكتشاف وفهم الإسلام. فالعروبة هي مفهومنا الخاص لعولمة العالم! المسيحيون في المشرق اكتشفوا الإسلام عبر عروبتهم والمسلمون من غير العرب اكتشفوا العروبة عبر الإسلام. لذلك فإن مشكلة "الآخر" مشكلة مستوردة تمّ تعميمها وحصرها فينا فقط والعمل بها للأسف. ومشكلة "الآخر" التي نتج عنها إشكالية "الأكثرية والأقلّية" نتجاوزها بإقرارنا لمقولة الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله أن المنطقة توجد فيها أكثريتان: أكثرية عربية فيها مسلمون وغير مسلمين وأكثرية إسلامية فيها عرب وغير عرب. والاستمرار في الكلام عن "الآخر" خدمة لقوى التي لا تريد مصلحة الأمة.

هذه الملاحظات تؤكد لنا ضرورة إنشاء منظومة معرفية عربية غير مبنية على مفاهيم مستوردة وخاصة في العلوم السلوكية أو الاجتماعية. فمشكلة "الآخر" كالثنائيات "الحداثة والأصالة" و"الحداثة والإسلام" الخ مصطلحات عمّت الفضاء الفكري العربي وهي قضايا لا تسمن ولا تغني عن جوع لأنها استبدال لقضايا جوهرية كقضية التجزئة والفقر والجهل وفقدان العدالة الاجتماعية والتبعية والاحتلال.

سابعا-في الإقصاء.

إن ما يحدث الآن في الوطن العربي من نزعات إقصائية لبعض الفرق التي تدّعي أنها تمثّل الإسلام وتكفّر من يخالفها الرأي وإن كان من المسلمين أو من مذاهبها فجذورها التاريخية ابتدأت مع الخوارج في صراعهم مع الإمام علي رضي الله عنه. فيما بعد كانت كتابات بعض الأئمة الذين عايشوا عصر حملات الفرنج على بلاد العرب والمسلمين وحملات المغول كردّة فعل على انهيار الدولة وفقدان هويتها. من هذه الزاوية نفهم كتابات ابن تيمية التي أسست لفكر انغلاقي يكرّس الجهل فالخوف من الآخر فالتعصّب فالتوحّش. لكنها خمدت عندما تمّ إعادة تشكيل السلطة المركزية عبر السلطنة العثمانية.

إلاّ أن النزاعات الاستقصائية تمّ استحداثها بالاستيراد. فهي ثقافة مستوردة شجّعها المستعمر القديم والجديد في احتلاله للعراق والتحريض المذهبي بعد نزع العروبة عن الدستور العراقي الجديد وعبر غضّه النظر عن سلوك بعض الدول العربية النفطية في ترويج ثقافة إقصاء الآخر. والاحتلال الأميركي للعراق أطلق شرارة الإقصاء والفتن المذهبية لتفتيت المجتمع بعدما تمّ تدمير الدولة ومؤسساتها!  أما في اليمن والبحرين فتمّ تصوير الحراك الشعبي كحراك مذهبي تدعمه الجمهورية الإسلامية في إيران في صراعها مع بلاد الحرمين وتبرّر هجوم حكومة الرياض على اليمن والقمع في البحرين بحجج واهية منها "الدفاع عن العروبة"!  أما في بلاد الشام وخاصة في لبنان فالصراع السياسي أخذ المنحى المذهبي للمزيد من التفتيت والتمزّق وذلك خدمة للاستعمار القديم الجديد وديمومة الكيان الصهيوني. هذه بعض الأمثلة وليست جردة كاملة للواقع العربي. ونكرّر أن الخطاب الغربي عن المشرق العربي هو خطاب فئوي وينفي أي صفة وطنية لمكوّنات المجتمعات العربية ويحصرها في الطائفة أو في المذهب أو في العرق. ونشدّد هنا أن الغرب على استعداد للاعتراف بمختلف القوميات القائمة في المشرق العربي وفي سائر الأقطار العربية إلاّ بالقومية العربية. فالعرب هم سنّة وشيعة ودروز وعلويون ومسيحيون[36] فقط لا غير!

لكن لا بد من الإشارة هنا أن ثقافة الإقصاء ليست حكرا على بعض المجموعات المتشدّدة الإسلامية أو بعض الدول التي تحمل راية الاسلام. فثقافة التعصّب والغلو التوحّش موجودة حتى عند بعض القوميين العرب من السلالات التقليدية أيضا سواء كانت ناصرية أو بعثية أو من حركة قوميين العرب. فبدلا من الإقصاء على قاعدة دينية تمّ ويتمّ الاقصاء على قاعدة 
"الخيانة". ف"الخائن" هو من يخالف رأي "القائد" أو "الحزب القائد". فثقافة "من ليس معي فهو ضدّي" موجودة منذ زمن بعيد وينتج عن العصبيات القديمة سواء كانت قبلية أو حزبية. وعقلية الفرز معادية لعقلية الوحدة وان رفع الجميع شعار الوحدة!  فالسلوك المبني على قاعدة التمييز الفئوي لن يؤدّي إلى ترسيخ ثقافة التكامل والوحدة. فالحد الأدنى المطلوب هو التكامل وهو مستبعد من الخطاب السياسي على قاعدة "قيادة الطليعة" أو قيادة الحزب أو قيادة "الأكثرية". ففي عصر التواصل الشبكي عقلية الفرز و"الخصوصية" للهويات الفرعية تؤدّي إلى تشرذم الجهود وتحقيق الأهداف التي يطالب بها الجميع. فمع ثقافة التمييز يمكن أن نسأل مع من نتكامل ومع من نتوحّد؟  فهل المطلوب أن نصبح وحدات مستنسخة بعضها عن بعض؟  فهذه مخالفة لسنّة الطبيعة ولسنّة الفطرة وحتى لسنّة الأديان. فعلى ماذا يستند مدّعوا "الاصالة" المزعومة والتي يجب أن ينطوي تحتها الجميع؟

هذه النزعة الإقصائية لم تشكّل سمة المجتمعات العربية والإسلامية عبر أكثر من أربع عشر قرن. فالوطن العربي في العديد من أقطارها سمته التنوّع وإن اختلف مضمون أو مكوّنات التنوّع. فالمشرق العربي كالمغرب العربي يسوده التنوّع والذي حافظت عليه الحضارة العربية الإسلامية عبر القرون الأربع عشر الماضية. فحضارتنا لها روافد عديدة داخلية وخارجية وبالتالي لا تستطيع أن تكون مبنية على الانغلاق. حضارتنا هي للناس جميعا مهما اختلفت ألسنتهم وألوانهم كما جاء في القرآن الكريم.

بالمناسبة فإن الشعوب التي تدّعي الحضارة وخاصة في الغرب هي فعليا التي مارست أبشع أنواع الإقصاء. ففي القرون الوسطى كانت حملات الفرنج إلى المشرق العربي حملات إبادة كما دوّنها المؤرخون الفرنج. وفي بداية عهد النهضة في أوروبا كانت محاكم التفتيش تقضي على الوجود العربي والإسلامي وحتى اليهودي. في القرن السادس والسابع والثامن عشر كانت إبادة الشعوب الأصلية في الأميركيتين على يد المستعمر الأوروبي. في القرن التاسع عشر كانت أيضا البوغرومات في أوروبا الشرقية. أما في القرن العشرين استطاعت الدول الغربية شن حربين عالميتين في أقل من خمسة وعشرين سنة ذهب ضحيتها عشرات الملايين من الناس. أما في القارة الأميركية الشمالية فبعد إبادة الشعوب الأصلية كان استعباد الأفارقة التي ما زلنا نرى آثارها حتى الأن في الألفية الثالثة. إضافة لكل ما فعلوه بشعوبهم قاموا باستعمار القارة الإفريقية والآسيوية والأميركية. فبأي حق يتكلّمون عن ضرورة احترام "الآخر" وهم أخر من يحترم "الآخر". ماذا عن الخطاب العنصري السائد في أوروبا وفي الولايات المتحدة؟  هل النموذج الغربي يمكن الاقتداء به؟

مقاربتنا لموضوع "الآخر" تشير أن الموضوع هو في الأساس شأن غربي. على الصعيد العربي فبالرغم من وجود صراعات مزمنة أخذت الطابع المذهبي إلاّ أنها في الأساس سياسية. إما إعادة ترويجها فهي من مخرجات الغرب عامة دعما لسياساته الاستعمارية وخاصة مؤخرا مع الاحتلال الأميركي للعراق.

أما الحل بالنسبة لنا لمعضلة "الآخر" فهي العروبة الجامعة في إطار مشروعنا النهضوي العربي لتحقيق مجتمع الكفاية والعدل وتكافؤ الفرص. كما أن الهويات الفرعية جزء من الهوية العروبية الجامعة وبالتالي لا تتنافى معها. فكيف نفسّر استمرار المكوّنات المختلفة عبر التاريخ لو لم تكن هناك هوية جامعة وإن كانت في بعض الأحيان غير معلنة وصريحة؟  بالمقابل في الغرب، مسألة الهوية مسألة كلّفت الغربيين الملايين من الضحايا في حروب عبثية ظاهرها صراع الهويات ومضمونها صراع السيطرة.

*****************

المؤتمر القومي العربي

ARAB NATIONAL CONFERENCE

هاتف وفاكس: 009611742771 – 009611742772

Httpwww.arabnc.org    Email: info@arabnc.org

 

 



[1] Sasha Abramsky, Jumping Shadows: The Triumph of Fear and the End of the American Dream, New York, Nation Books, 2017.

[2] Sasha Abramsky, Interview by Mark Karlin, www.truth-out.org/opinion/item/43017how-a-culture-of-fear-helped-propel-Trump-into-the-White-House

[3] زياد حافظ، مراجعة كتاب "الثورة العربية الكبرى" لأوجين يونغ، مداخلة قدّمت في معرض الكتاب العربي في بيروت في كانون الأول/ديسمبر 2017.

[4] تصريح لوزير الخارجية عادل الجبير حول نجاح المملكة في تدمير السوفيات في أفغانستان و"العروبيين" أمام لجنة أوروبية في بروكسيل، السفير، 21/7/2016

[5] Richard Bulliet, “The Crisis Within Islam”, The Wilson Quarterly, Vol. XXVI, No. 1. Winter, 2002.

[6] Robert Reilly, The Closing of the Muslim Mind: How Intellectual Suicide Created the Modern Muslim Crisis, Wilmington, ISI Books, 2010.

[7] Ziad Hafez, “The Closing of the Muslim Mind, a Book Review, Contemporary Arab Affaires, Vol. 9, No. 1, 2016.

[8] زياد حافظ، العقل العربي والتجدّد الحضاري، بيروت، منتدى المعارف، 2017.

[9] Yves Jégo, “Macron et le Reniement de la Culture Française’’ Le Figaro, 6/2/2017.

[10] زياد حافظ، البنية الاقتصادية والأخلاق في الاقتصاد في الوطن العربي، ورقة نقاش رئيسية، بيروت، المنظمة العربية لمكافحة الفساد، 2009.

[11] أحمد هني، التناذر الاسلاموي والتحوّلات في الرأسمالية، بيروت، دار الفارابي، 2010.

[12] Http://taxfoundation.org/2018-tax-brackets.

[13] عيد الاله بلقزيز، مقدمة ندوة "مستقبل التغيير في الوطن العربي"، مستقبل التغيير في الوطن العربي: بحوث ونقاشات في الندوة التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية مع المعهد الملكي السويدي بالإسكندرية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2016قام الباحث والمفكر المغربي الدكتور عبد الاله بلقزيز بقراءة مميّزة لما تمّ تسميته ب "الربيع العربي". إلا أن مساهمته الأساسية جاءت في ورقة أخرى حول آليات تفكيك الدولة. سنعالج بعض ما جاء بها في مقطع لاحق.

[14] محمد سعيد بركة، "الغرب والإسلام: تاريخ طويل من العنصرية"، الإسلام اليوم، الملف، عدد 95، 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2012.

[15] جورج قرم، المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين، بيروت، دار الفارابي، 2007

[16] امين معلوف، صخرة طانيوس، بيروت، دار الفارابي، 2001.

[17] تجمع هذه الأبحاث والمقالات في كتاب سيصدر في خريف 2018 عنوانه "هل ستبقى الولايات الأميركية متحدة" أو "ماذا سيبقى من الولايات الأميركية؟"

[18] حكم المحكمة العليا الدستورية الأميركية عام 2010 في دعوى شهيرة افضى إلى شرعنة الانفاق المالي في الحملات الانتخابية بحجة أن المال وسيلة من بين وسائل التعبير وأن الدستور الأميركي يحمي حرّية التعبير. هذا الانحراف في تفسير الدستور أدى إلى حصر الاشتراك في التنافس الانتخابي بين المتموّلين فقط. فالمال هو طريق الوصول إلى أي منصب حكومي عبر الانتخاب، سواء على صعيد الدولة الاتحادية أو الولاية أو المقاطعة أو المدينة. فالمسؤول الأميركي أصبح مدينا لوجوده في منصبه لمن موّله وليس لمن انتخبه. من هنا الانحراف فالفساد وعدم المساءلة.

[19] مركز دراسات الوحدة العربية، المشروع النهضوي العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2010، ص. 61.

[20] عبد الاله بلقزيز، المصدر السابق، راجع هامش رقم 12.

[21] مركز دراسات الوحدة العربية، المصدر السابق، ص. 61-62.

[22] زياد حافظ، المشهد العربي والتحوّلات الإقليمية والدولية، بيروت، منتدى المعارف، 2017.

[23] مركز دراسات الوحدة العربية، المشروع النهضوي العربي، المرجع السابق، ص. 64.

[24] ملاحظة أبداها الدكتور انطوان سيف في ندوة حول "الآخر" في بيروت في 16 أيار/مايو 2016.

[25] Saree Makdissi, Romantic Imperialism: Universal Empire and the Culture of Modernity, Cambridge, Cambridge University Press, 1998.

[26] هذا هو تشخيص مركز دراسات الوحدة العربية في استشرافه لمستقبل الأمة. مركز دراسات الوحدة العربية، مستقبل الأمة العربية، التحدّيات والخيارات، التقرير النهائي بقيادة الدكتور خير الدين حسيب وآخرين، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988.

[27] Amin Maalouf, Les Identités Meurtrières, Paris, Livre de Poche, 2001.

[28] رفاعة الطهطاوي، "مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب المصرية"، الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، تحرير محمد عمارة، الجزء الأول، القاهرة، دار الشروق، 2010، الباب الرابع، الفصل الرابع.

[29] محمد عمارة، "مقدمة" الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، المرجع السابق، الجزء الأول، ص. 163.

[30] جورج قرم، شرق وغرب: الانشطار الأسطوري، بيروت، دار الفارابي، 2002، المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين، بيروت، دار الفارابي، 2007، تاريخ أوروبا وأسطورة الغرب،بيروت، دار الفارابي، 2009.

.

[31]  قرم، المرجع المذكور، الفصل الثاني.

[32] Samuel Huntington, Who Are We? The Challenges to America’s National Identity, New York, Simon and Schuster, 2004.

[33] منير العكش، اميركا والإبادات الجماعية، بيروت، رياض الريس للطباعة والنشر، 19

[34] قرم، المرجع السابق.

[35] راجع في هذا السياق مؤلفات الشيخ خليل عبد الكريم خاصة "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية"، ط. 2. القاهرة، دار ابن سينا، 1997 وسيّد محمود القمني، "اوزيريس وعقيدة الخلود"، القاهرة، دار الفكر، 1988.

[36]  لاحظ هنا أنه يتكلّمون عن المسيحيين وكأنهم فرقة واحدة!

·